.

نبى البربر الذى ألف قرآنًا وادّعى الرسالة

Foto

لماذا صدَّق البربر فى شمال إفريقيا أن صالح بن طريف نبى مرسل من عند الله؟ وما الآيات التى استند إليها صالح فى القرآن لإثبات بعثته؟ وكيف تأثرت العقيدة البرغواطية باليهودية واتخذ أمراؤها أسماء أنبياء بنى إسرائيل؟


فى العقيدة الإسلامية، يعد رسول الله، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، هو الرسول الخاتم الذى توقفت الرسالات من بعده، فقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق.

وفى سورة الأحزاب «33» يقول الله تعالى: «ما كانَ محمَّدٌ أبا أحدٍ منْ رجَالكُمْ ولَكنْ رسُول اللهِ وخاتمَ النبيين وكانَ اللهُ بكلِّ شىءٍ عليمًا»، وتواترت الأحاديث عنه أنه قال: «أنا خاتم الأنبياء لا نبى بعدى»، ومع ذلك فكثيرون من بعده ادّعوا النبوة، وأنهم مرسلون من عند الله، وأن معهم كتبًا مقدسة بشرائع سماوية، والأغرب أن بعضهم استخرج ما يدل على صدق كلامه من آيات القرآن نفسه، ومن هؤلاء صالح بن طريف الذى ظهر فى برغواطة، بلاد البربر، شمال المغرب العربى، واستمرت دعوته تحكم قرابة ثلاثة قرون فى تلك المنطقة.


ففى كتاب «تاريخ ابن خلدون»، ج6 ص276 وما بعدها، رواية لخبر دولة «برغواطة» البربرية فى شمال إفريقيا، حيث كان كبيرهم يسمى طريف أبو صبيح -ويقال فى مواضع أخرى طريف أبو صالح- والذى كان من قوَّاد ميسرة الخفير طريف المضفرى القائم بدعوة الصفرية، إحدى فرَق الخوارج، ثم انقرض أمر ميسرة والصفرية وبقى طريف قائمًا بأمرهم بـ«تامنسا»، ثم هلك وولى مكانه ابنه صالح الذى حضر مع أبيه حروب ميسرة، وكان من أهل العلم والخير فيهم، لكنه انسلخ عن الإسلام وأعلن نفسه نبيًّا، وشرَّع لهم الديانة التى بقوا عليها قرونًا من بعده، وادّعى أنه أُنزل عليه قرآن مكون من ثمانين سورة، من أسمائها: الديك والجمل والفيل وآدم ونوح، وكثير من الأنبياء وهاروت وماروت وإبليس، ومنها سورة غرائب الدنيا، وفيها العلم العظيم بزعمهم، حرَّم فيها وحلَّل، وشرَّع وقصَّ، وكانوا يقرؤون هذا القرآن فى صلواتهم، ويسمون نبيهم «صالح المؤمنين»، وقد أورد الدكتور محمود إسماعيل أسماء السور فى كتابه «مغربيات- دراسات جديدة»، وإن كان يجزم بالأصل الإسلامى لعقيدة برغواطة، وأنها صورة متطرفة من الخوارج الصفرية، فبعد زوال هذا المذهب من المغرب كله على يد الفاطميين ظل موجودًا فى برغواطة، وإن اتخذ طابعًا مسرفًا فى التطرف.


يقول ابن خلدون إن صالح بن طريف هذا ظهر فى خلافة هشام بن عبد الملك سنة 127ه، وإنه زعم أنه المهدى الأكبر الذى يخرج فى آخر الزمان، وأن عيسى يكون صاحبه ويصلى خلفه، وأن اسمه فى العرب صالح وفى السريان مالك وفى الأعجمى عالم وفى العبرانى روبيا وفى البربرى وربا، ومعناه الذى ليس بعده نبى، وخرج إلى المشرق بعد أن ملك أمرهم 47 سنة، ووعدهم أن يرجع إليهم فى دولة السابع منهم، وأوصى بدينه إلى ابنه إلياس، وعهد إليه أن يخفى أمره، وأن يوالى -ظاهريًّا- صاحب الأندلس من بنى أمية، وأن لا يظهره إلا إذا قوى أمرهم، وقد فعل إلياس الذى كان طاهرًا عفيفًا زاهدًا، وهلك لخمسين سنة من ملكه، وولى أمرهم من بعده ابنه يونس الذى أظهر دينهم وقتل من لم يدخل فى أمره حتى حرق مدائن تامسنا وما والاها، ويقال إنه أحرق 380 مدينة، وقتل منهم 7770 بموضع يقال له «تاملوكاف».


ويونس بن إلياس بن صالح بن طريف هو أول من اتجه شرقًا وحجّ البيت من ملوك آله، وقد امتد حكمهم نحو ثلاثة قرون، منذ طريف أبو صبيح، وصالح بن طريف، وإلياس بن صالح، ثم يونس بن إلياس، ثم محمد بن معاذ بن أليسع بن صالح، وآخرهم أبو حفص عبد الله. وقيل كانت لهم شوكة عظيمة، فلم يتمكن من كسرهم الأدارسة والأمويون، حتى كسرهم المرابطون بقيادة عبد الله بن ياسين فى المئة الخامسة للهجرة، فقصدتهم جيوشه وحاربهم حتى استشهد، وكذلك فعل خليفته أبو بكر بن عمر حتى محا أثر دعوتهم، وأسلم الباقون منهم، كما يقول أحمد بن خالد الناصرى فى «الاستقصا» ج2.


واللافت فى أمر صالح بن طريف البرغواطى أنه استند إلى آيات من القرآن ليحاجّ بها الناس على صحة بعثه من عند الله وصحة قرآنه، فاستشهد بالآية «4» من سورة إبراهيم: «وما أرسلنَا من رسولٍ إلا بلسانِ قومهِ ليبينَ لهمْ فيضلُّ اللهُ من يشاءُ ويهدِى من يشاءُ وهوَ العزيزُ الحكيم». وذكر أن محمَّدًا حقٌّ مبعوث إلى قومه من العرب، وأنه -أى صالح- بُعث إلى البربر بكتاب مذكور فى قرآن المسلمين فى سورة التحريم الآية «4»: «إن تتوبَا إلى اللهِ فقدْ صغتْ قلوبكمَا وإن تظاهرَا عليهِ فإِنَّ اللهَ هوَ مولاهُ وجبريلُ وصالحُ المؤمنين وَالملائكةُ بعدَ ذَلكَ ظهِيرٌ». ومن هنا أخذ اسمه الذى اشتهر به «صالح المؤمنين».


وقد ورد فى كثير من المراجع، منها «رياض النفوس» للمالكى، و«معالم الإيمان» للدباغ، أن أمازيغ برغواطة تقبلوا رسالة صالح بن طريف كرد فعل للتصرفات التى مارسها بعض وُلاة بنى أمية إزاء المغاربة، فقد أسرفوا فى فرض الضرائب على الأمازيغ، وواصلوا سياسة شحن السبايا والرجال والأطفال إلى دمشق، حتى بعد إسلامهم، بحجة أن بلادهم فتحت عنوةً.

وقد تغيرت هذه السياسة فى عهد عمر بن عبد العزيز الذى ولى عليهم إسماعيل بن أبى المهاجر، وزوده ببعثة مكونة من عشرة فقهاء مهمتهم الإفتاء والمشورة لقادة الجيش، فدخل فى الإسلام خلق كثير، لكن يزيد بن عبد الملك -الذى وُلى بعد عمر بن عبد العزيز- عزله، ففتح المجال للخوارج الصفرية فى الشمال الإفريقى، وسهَّل تصديق صالح بن طريف بأنه أتاهم بدين جديد.


وحيث يُروى أن طريف وآله كانوا يهودًا دخلوا الإسلام، فإن ديانة صالح تأثرت باليهودية فى أسماء السور التى تضمنها قرآنه المُدَّعَى والتى بها شخصيات مرتبطة بتاريخ بنى إسرائيل، مثل يونس وطالوت وهامان وفرعون والدجال والعجل والنمرود، وقد سمَّى أبناءه على أسماء أنبياء اليهود: إلياس ويونس.. إلخ، وأصبح للتنجيم والسحر مكانة بارزة لديهم، وتبنى البرغواطيون تعاليم التوراة فى قتل السارق ورجم الزانى.

وبها كذلك تأثيرات إسلامية، كالوضوء قبل الصلاة وإن كان بشكل مختلف، وتشريع الزكاة، لكنهم تزيَّدوا فى تعدد الزوجات بلا حد، والطلاق والمراجعة بلا حد حسب شهوة الرجل، وتحديد دية القتل بمئة رأس من البقر، وحرَّموا أكل البيض ورأس الحيوان، وكرَّهوا أكل الدجاج، وقد فرض عليهم صوم رجب وحرّم صوم رمضان، وأوجب خمس صلوات فى اليوم وخمس صلوات فى الليلة، والتضحية فى اليوم الحادى عشر من المحرم، وفرض عليهم صيام يوم من كل جمعة وصيام الجمعة الأخرى التى تليه أبدًا، وليس عندهم فى الصلاة أذان ولا إقامة، ولا تزال بعض تلك التأثيرات موجودة حتى الآن بين بربر شمال إفريقيا الذين يدينون بالإسلام، كما أن هناك تأثيرات من الفرعونية القديمة لدى المسلمين المصريين فى طرق الدفن مثلا؛ لهذا يقول المستشرق ناحوم سلوش إن ديانة برغواطة إسلامية فى شكلها، بربرية فى طقوسها، يهودية فى عمقها وميولها.


ويذكر أن تلك الديانة لم تكن الوحيدة التى ظهرت بين البربر فى شمال إفريقيا هربًا من تجبُّر الخلفاء المسلمين وجورهم، وثقل الضرائب التى كانوا يفرضونها على الأمصار، فهناك ديانة عاصم بن جميل، سنة 127ه، أيام عبد الرحمن بن حبيب بن عبيد الله، الذى ادّعى النبوة والكهانة، فبدَّل الدين وغيَّر العقائد وزاد فى الصلاة وأسقط ذكر رسول الله من الأذان، وأوجب قتال العرب واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم. كما ادّعى أبو محمد بن أبى خلف بن حريز بن عمرو، النبوة، أواخر المئة الثالثة من الهجرة، والذى نعته مسلمو البربر بـ«المفترى»، وكان أهله ينزلون على نهر راس الذى يبعد ثلاثة أميال من مدينة تطوان، وانضم إليه بشر كثير من البربر، وأقروا له بالنبوة، وجعلوا شريعته ناسخة لجميع الشرائع التى تقدمتها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات