.

قصص الطفولة الفيومية الدامية

Foto

تنطلق أمل رضوان فى سردها من وعى طفولى شديد البراءة وذاكرة شديدة الخصوبة


تنطلق أمل رضوان فى سردها من وعى طفولى شديد البراءة وذاكرة شديدة الخصوبة، وفى مجموعتها القصصية «البيت الأوّلانى» الصادرة عن دار العين، تلجأ الساردة إلى القص على لسان طفلة صغيرة فى أواخر الطفولة وأول المراهقة، تلك الفترة التى يبدأ فيها الوعى بالكون والعالم، اكتشافات الدلالات والتعقيدات الإنسانية، تَلَمُّس الحقيقة البشرية، الهشاشة والقبح والاحتياج البشرى، من خلال المجتمع المحيط بها، لا يبارح السرد لسان الطفلة صاحبة الإثنى وعشرين قصة إلا مرة واحدة، وفى القصة الرئيسية «البيت الأوّلانى» والتى تنقل فيها الحكى إلى لسان امرأة ناضجة هى نفس تلك الطفلة السابقة، لكن بعد أن كبرت وعادت إلى بيتها الأول لتجمع حاجياتها الشخصية فتدلف إلى حمام المنزل لتأخذ حمامًا متجاهلة التحذيرات السابقة لأمها بعدم فرك الجسد وعدم حتى التحديق فيه، والعودة إلى البيت وجمع الكتب ذات الغلاف الفخم التى نشأت على قرائتها دلالة على مغادرة الطفولة، وحصار الأم، للانطلاق إلى عالم ملىء بالخبرات المؤلمة والمعرفة القاسية التى اكتسبتها فى الطفولة فى خلال واحد وعشرين قصة أخرى.


عالم «البيت الأولانى» ملىء بتفاصيل عالم البطلة الطفلة، روائح موقد الكيروسين، وبذر لب البطيخ المقلى، طعم المورته، الجبن الإستانبولى والشُريك والبلح الناشف فى زيارات القرافة.


الوعى الطفولى يصطدم بكل تجارب الحياة السيئة وآلامها المبكرة فى القصة التى تتصدر المجموعة «مسحوق الزهرة البيضاء لا يمحو كل البقع»، وفيها تحكى الساردة عن تحرش الأب بسعدية الفتاة الصغيرة ابنة أم صابر خادمة المنزل مرات ومرات، الطفة بوعيها القليل لا تفهم أن قرص الثدى ليس عقابًا لكن تحرش تستجيب الصغيرة للأب الذى يدفع بالمال للأم، وتنتقل «رضوان بكاميرا الحكى إلى مشهد آخر وهو صراع الأم -أمها- مع أم صابر من أجل إخفاء الأمر الذى لا تصرح به الساردة لكننا نكتشف من خلال الحكى أن سعدية تحمل وتكبر بطنها فتخفيها الأم فى غرفة فوق السطوح، حتى يبدأ ألم المخاض، تلد سعدية وتتخلص الأم من الطفل وتخبر ابنتها أن الحدأة التى دأبت على خطف صغار الكتاكيت قد خطفت الصغير!


ملعب الأحداث هو البيت والسطوح فى هذا العالم الضيق الصغير تتذكر الطفلة تلك الحادثة ليبدأ تشكُّل وعيها بالعالم .الكذب، المساومة القهر التحرش دون خطاب حقوقى أو نسوى زاعق.


فى قصة «السُقَاطة» تحكى الصغيرة عن لحظات الذبول والنهاية فى حياة الجد «حسن» الذى يدفق رعايته الأبوية على أمها وعليها فى أثناء زيارتهم له فى مدينة الفيوم، يجزل الجد العطاء ويستقبل الأسرة بوجبة سمك موسى، ويحكى قصة سيدنا موسى وشق البحر المرتبطة بتسمية السمك بهذا الاسم، يمارس الجد سيطرته ومراقبته للعالم من خلال الإمساك بسقاطة باب البيت ليسمح بدخول والخروج منه، فى أثناء جلوسه خلف شباك البيت ليراقب العالم المحيط به ويسيطر عليه، لكن ما أن يهرم الجد تنتقل مقاليد الأمور والسيطرة إلى زوجته «نينة زكية» من خلال انتقال حبل السقاطة إلى يدها.
فى قصة «شوكة ومعلقة» تحكى «رضوان» عن الطبقية التى تجثم فوق صدر المجتمع حين تلجأ إلى تعليم خادمتها «سيادة» أكل الرز بالشوكة، تبقى سيادة مع الأسرة لسنوات وحين يأتيها العدل تترك البيت لتفاجئنا القصة بطلاقها بعدها بسنوات وتخليها عن ما تعلمته فى بيت الأسرة من عادات أرستقراطية، لنعرف أن زوجها طلقها لأنها تأكل الأرز بالشوكة! لهذا السبب البسيط تخبرنا «رضوان» أن الانتقال من بين الطبقات الاجتماعية من المحرمات التى يرفضها كلا الطبقتين الأعلى والأدنى!


مواضيع عدة تتطرقها رضوان فى قصصها ببراعة كالتطرف الدينى والتحرش والطبقية، ترسم لوحة لتقاليد مجتمعها، تربية الأبناء والعلاقات الهشة بين الأزواج، تَسلّط الحماة، زيارات الموتى. المجموعة فازت بالمركز الأول لجائزة ساويرس لكبار الكتاب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات