.

قصة الشتات اللبنانى

Foto

وقد تميز «فلوبير» باستخدام مثل هذه الصور البصرية فى السرد، كما لم تستخدم لنا عبد الرحمن الطريقة الكلاسيكية فى كتابة التاريخ مثل أسلوب «جرجى زيدان»


عزمت لنا عبد الرحمن على رصد وتوثيق حال المهجّرين اللبنانيين، مكتومى القيد، وذلك من خلال رواية قيد الدرس، الصادرة عن دار الأدب، 2016، حيث زاوجت بين واقع هؤلاء اللبنانيين المفزع، الناتج عن إجبارهم على ترك حياتهم، والمكان الذى نشؤوا فيه، ومزجت فيه الحكايات والقصص، وأضافت الصور البصرية، التى تشبه المشاهد السينمائية، فوصفت الأماكن، سواء فى بيتهم القديم، أو «دير السرو» وأشجار الصنوبر والزيزفون التى تنمو قرب النهر والبيوت الصفيحية المتلاصقة والجسر الذى يمر فوق نهر «غزيل»، وقد قارنته ببيتهم فى «وادى أبو الجميل» بغرفه الواسعة على نهج بيوت بيروت القديمة، والأسقف العالية والشبابيك الضخمة، أزهار الزنبق والفل والياسمين.

وقد تميز «فلوبير» باستخدام مثل هذه الصور البصرية فى السرد، كما لم تستخدم لنا عبد الرحمن الطريقة الكلاسيكية فى كتابة التاريخ مثل أسلوب «جرجى زيدان»، بل اتجهت إلى ما بعد الحداثى، حتى تستطيع أن تستوعب كم الاغتراب والتشتت، التى أصابت المجتمع اللبنانى، فى أثناء الحروب.


ربما لا يعرف الكثيرون معنى مصطلح «قيد الدرس» إلا عند قراءة الرواية، فقد نجحت لنا عبد الرحمن من خلال العنوان، فى خلق محرك يستفز القارئ لقراءة العمل، كما أنها أشارت للمضمون. وقد قسمت الرواية لمجموعة من الفصول منحت كل فصل عنوانا فرعيا منها «ذهب مع الريح»، «طى ذاكرة معتمة»، «ملعقة ذهب صغيرة».. وغيرها.


ولتعرف كيف وصل حال عائلة عبد الله إلى ما هى عليه، عليك أن تعود للبدايات، فعادت الكاتبة إلى عدة أجيال سابقة، وقصت لنا حكاية الجدة سعاد وهروبها من بيت والدها مع زوجها الفقير عواد، واكتشافها أمر زيجاته المتعددة من نساء مختلفى الجنسيات والهيئات، فإحداهن سيدة مجتمع والأخرى فلاحة.

أدارت سعاد حياتها بمساعدة أخيها حتى أنجبت نجوى، وكانت الأم تسيطر على حياة بنتها بشكل كامل منذ نعومة أظافرها، فأصبحت البنت أنانية مستهترة وليس لديها القدرة على إدارة شؤون حياتها، اختارت باسم المناضل فى فلسطين زوجا لانبهارها بهيئته، وعندما حملت أهملت بيتها، واشتكى زوجها منها، طلبت منه سعاد أن تستضيفها فى فترة الحمل، وضعت نجوى ابنها حسان وبعدها بسنتين أنجبت ليلى ثم ياسمين، وعندما كانت تحمل طفلها الرابع، نشبت الحرب فى لبنان، انتقلوا جميعا من منطقة «وادى أبو جميل» فى قلب بيروت إلى «شتورة» المحطة الرئيسية فى سهل البقاع، وهناك كانت بداية جديدة للعائلة يصنفون فيها بـ«قيد الدرس».

كان أكثر المصدومين نجوى، المدللة منذ الصغر والتى وجدت نفسها فى بيت غريب، وأبناءها متشتتى الهوية، بلا زوج أو أب، فكانت سعاد العمود الرئيسى للبيت.


وعندما نضج جيل أولاد نجوى، وتوفيت سعاد، كل منهم سلك طريقا مختلفا عن الآخر، فليلى أكثرهم شبها بجدتها وأكثرهم صبرا وإجادة لأعمال المنزل، وقد تزوجت رجلا لا تعرفه فقط لتخرج من دائرة الفاقدى الهوية، ولكنها اكتشفت ميوله الجنسية العنيفة، لم تستطع أن تعيش معه وانفصلا، أما حسان فكان بمثابة الأب للعائلة، تزوج من امرأة متحررة، وواجه فقدان هوية وغربة من الإقامة فى فرنسا، أما ياسمين فكانت تعرف منذ طفولتها حبها للرقص والغناء رغم استهجان الجميع، فإنها واجهتهم فى النهاية وساعدتهم فى الخفاء بمعارفها وأموالها. وحسن المتوحد أظهر الجانب المتطرف بين العائلة، فقد انضم لجماعة دينية متشددة، تزوج من سيدة منتقبة، وانتهت الرواية برسالة منه إلى عائلته، فى نهايتها قال إن قيد الدرس ليس هوية بل حالة.


يمكننا تصنيف العمل على أنه «رواية بوليفوبية»، حيث تتعدد أصوات الحكى بضمير المتكلم «أنا»، ومن كل صوت تظهر رؤية أيديولوجية جديدة، وأسلوب سردى يتماهى مع الراوى.

مع وجود خط آخر وهو صوت الراوى الحكيم مستخدم ضمير الغائب «هو» فى هذا الصوت الراوى ليس أحد أبطال الرواية.


البيئة الزمنية التى يدور العمل فى قالبها، تنحصر من عام 1982 إلى 1912 ولكنها لا تسير فى خط منطقى ثابت، بل تتنوع بين استرجاع واستباق وديمومة، بما يخدم النص. أما البيئة المكانية فمتغيرة ذات بعد واقعى حيث قدمت الكاتبة وصفا دقيقا أشبه بالنقل ذكرت شكل الحيطان والشبابيك والأرضيات.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات