.

حينما يتحول المثقف إلى مسّاحة

Foto

يتكون الكتاب من مقدمة وقسمين فى المقدمة، ذكر الكاتب أن فكرة كتابه شغلته منذ أمد بعيد، خصوصًا كلما اكتشف الكذب المتعمد المكرر الذى يقوله «الخبراء» بلا حياء ولا تردد


«المثقفون المزيفون- النصر الإعلامى لخبراء الكذب» تأليف باسكال بونيفاس، ترجمة روز مخلوف، وصدرت طبعته العربية الثانية عن دار «ورد» اللبنانية، وقد نُشر بالفرنسية وحقق مبيعات قياسية مع أن وسائل الإعلام تجاهلته، ورفضت نشره أربع عشرة دار نشر فرنسية، وتقوم فكرته على فضح أعمدة التزييف والكذب فى فرنسا، الدائرين فى فلك المصالح اليهودية والأمريكية.


يتكون الكتاب من مقدمة وقسمين فى المقدمة، ذكر الكاتب أن فكرة كتابه شغلته منذ أمد بعيد، خصوصًا كلما اكتشف الكذب المتعمد المكرر الذى يقوله «الخبراء» بلا حياء ولا تردد، ومع ذلك فبعض الجمهور ينخدع بهالات بريق ظهورهم عبر المنصات الإعلامية دون تمحيص لمعلوماتهم أو تتبع لمساراتهم، ولو فعلوا لَنَسفوا «جباه» هؤلاء المثقفين وفقدوا الثقة بهم تمامًا. لكن مَن يفعل؟


جاء الجزء الأول من الكتاب بعنوان «حول انعدام النزاهة الفكرية على وجه العموم»، وابتدأه المؤلف بمكانة المثقفين فى فرنسا، حيث يعدون ملوكا اتكؤوا على عصر التنوير وإسهامات المثقفين التى صنعت فرقًا فى القضايا الجدلية المثارة، فضلاً عن التزامهم بقضايا عالمية، وتوظيفهم شهرتهم فى خدمة مَن لا شهرة له، وما تميزوا به من إخلاص فى تبنّى الموضوعات التى خاطروا فى خوضها لأنها تجابه السلطات القائمة الظالمة. وبعد نهاية عصر هؤلاء، اختلف المفكرون حول دور المثقف، أهو البحث عن الحقيقة دون التزام يقود إلى الانحياز، أم هو الالتزام المطلق بالنضال ضد المظالم؟


كما يحمل المؤلف وسائل الإعلام مسؤولية انحدار مستوى المثقفين، حيث تغريهم بالحضور الدائم، والظهور المستمر على المنصات الإعلامية، وبالتالى لا يجد الواحد منهم وقتًا لتقديم إنتاج فكرى حقيقى، وأصبح مَن تصلح صورته للظهور، ويبدو ظريفًا جيد التعبير، مفضلاً على من يفكر بنموذج سليم متسق، ولم تكتفِ وسائل الإعلام بالجناية على المثقفين، بل تجاوزتهم إلى الخبراء ذوى التخصصات التى لا يحسنها المثقفون.

وفى هذا يشير المؤلف إلى أن المعركة التى يخوضها المزيفون بمقابل مادى ومعنوى تهدف إلى التأثير على الرأى العام لصالح مَن يدفع الثمن، وهى خيانة فاضحة للجمهور، وفوق ذلك يستخدم المثقف الجمهور لمصالحه بدلاً من وضع نفسه فى خدمتهم. وفضح المؤلف استخدام المزيفين المفرط للحجج الأخلاقية وتحويلها إلى «مكارثية» حقيقية تعبر بهم من الجدل الفكرى إلى الإرهاب الفكرى والتضليل الإعلامى.


القسم الثانى جاء عنوانه بخصوص بعض «المزيفين» كل بمفرده، وذكر فى التمهيد أن خلافه معهم ليس بسبب أفكارهم، بل لأنهم لجؤوا إلى الكذب، متحملاً ما سيلاقيه من عداوتهم، خصوصًا أن لهم نفوذا وسطوة كغالب المزيفين الذين يخدمون الطغاة والأنظمة الفاسدة. وذكر أنه يرفض التواطؤ الداخلى الذى يحتم على المثقفين تجنب انتقاد زملائهم.

وأشار الكاتب إلى أن الجمهور هم الضحية الأولى لهؤلاء المزيفين الذين يشتركون فى رفضهم لأى نقاش أو جدال، وسعيهم الدؤوب لإسكات من لا يشاركهم الرأى، فهم يلوحون بالمبادئ والمثل، لكنهم يتصرفون كموظفى رقابة عديمى الشفقة.


وقد رصد الكتاب سمات المثقفين المزيفين بأنهم يمتلكون الثقة المطلقة فيما يقولونه لدرجة تجعل الاعتراض عليهم مجازفة، وبعضهم يروى وقائع كأنه كان حاضرا مع أصحابها، ومواقفهم متسقة دائما مع النظام الحاكم، وما أشبههم بمسَّاحات السيارات تذهب يمينًا وشمالاً مع قطرات الماء، ولا تثبت على مكان واحد.

ويرى المؤلف أنهم يكثرون من التأكيدات القاطعة، والتشخيصات الجنونية، ومخالفة جلّ الحقائق، وأن كتبهم تحصد الجوائز، والمقالات المادحة، ونفاد الطبعات، لكن هذه الكتب لا تروق للباحثين الجادين، ولا يقبلها الأكاديميون المنصفون، بل يقول النقاد إن فضلها الوحيد طرافتها وجلبها الضحك لمن يقرأ صفحاتها، وإن معلومات المقاهى أنفع من معلوماتها.


الكتاب رغم أن كاتبه فرنسى الجنسية وكل الأمثلة التى طرحها من المثقفين والإعلاميين الفرنسيين، فإن الكتاب يصلح لأى بلد آخر وأى مثقف أو إعلامى مزيف.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات