الممنوعات فى مصر.. طبقًا للقانون أم لرغبة النظام؟

Foto


بملامحه المصرية الأصيلة، وصوته الرصين المطمئن، وتجاعيد وجهه التى تحمل بين طياتها ألما وأملا ينير الظلام، وجلبابه الذى طالما اتسع لأحزانه وهمومه وآماله فى غد أفضل، جلس الفاجومى أحمد فؤاد نجم وقال من شِعره: «ممنوع من السفر، ممنوع من الغنا، ممنوع من الكلام، ممنوع من الابتسام، ممنوع من الاستياء، ممنوع من الاشتياق، ممنوع من إنى أصبح فى عشقك أو أبات، ممنوع من المناقشة ممنوع من السكات، وكل يوم فى حبك تزيد الممنوعات، وكل يوم بحبك أكتر من اللى فات»، وكأنه سئم القيود وتمرد على القبضة ولعن الممنوعات، ورحل «نجم» وبكل أسف بقيت الممنوعات.
الممنوع فى مصر ليس مجرد كلمات أو أفعال تمقتها الآداب العامة أو تحددها ثقافة المجتمع، ولكنه «سمة» هامة من سمات الدولة، وأداة من أدواتها لإنهاء أى نقاش غير محبذ أو تكميم أى فوه معارض، وأحيانا يكون الممنوع من أجل «شَل» العقل عن التفكير.
الممنوع هو كل ما تم منعه صراحة أو بموجب قانون مثلما حدث مع حق التظاهر الذى تحول إلى الاتهام بـ«تعطيل الطريق وتكدير السلم العام»، وحق المعارضة السلمية الذى تحول إلى «محاولة إسقاط نظام الحكم وإثارة البلبلة»، وحق التعبير عن الرأى الذى تحول إلى «إهانة الدولة والرئيس وإثارة مناخ تشاؤمى»، وحق المعرفة والشفافية الذى انتهكته بعض القنوات الإعلامية ونصّبت نفسها مدافعة دوما عن النظام والرئيس والحكومة وأجهزة الدولة، وتناست دورها الرئيسى المنوطة به فى نقل حال المواطن.
الممنوع فى مصر أصبح ممنوعا بتصريح الرئيس عبد الفتاح السيسى عن اتفاقية تيران وصنافير عندما قال: «أرجو منتكلمش فى الموضوع ده تانى»، وقرار النائب العام بحظر النشر فى قضية رشوة اتهم فيها أحد رجال القضاء والعديد من القضايا الأخرى، وتشريع قانون يتم بموجبه عزل رئيس الجهاز الرقابى الأكبر والأبرز فى مصر، وتشريع قانون آخر يسمح للرئيس بتعيين رؤساء الهيئات القضائية بخلاف كل الأعراف والتقاليد والمواثيق، والضرب بحكم محكمة بات ونهائى عرض الحائط والمضى قدما فى اتفاقية مخالفة للدستور والقانون وأحكام القضاء ورغبات المواطن.
وإذا تأملنا قائمة الممنوعات فى مصر، ستجد الأمن له اليد الأقوى فيها، على سبيل المثال: «ممنوع المظاهرات - ممنوع المسيرات السلمية - ممنوع الوقفات الاحتجاجية - ممنوع إقامة حفلات أو تجمعات دون تصريح - ممنوع شراء أو صناعة أو استيراد الكاميرات الطائرة - ممنوع ذكر ثورة 25 يناير - ممنوع التصوير الفوتوغرافى فى الشارع - ممنوع الاطلاع على موقع مدى مصر أو البداية أو البديل وغيرها - ممنوع مشاهدة موقع هيومن رايتس ووتش - ممنوع الانضمام أو التدرب أو التطوع فى إحدى المنظمات الحقوقية للمجتمع المدنى - ممنوع معارضة أحكام القضاء أو التعليق عليها».. كلها أشياء تنم عن سياسة دولة جعلت الأمن درعا واقية، وفشلت فى احتواء المعارضة، وخشيت من موجة ثورية جديدة، فقررت إجهاض أى تجمع من بدايته.
كما خشيت الدولة من المواقع المعارضة للنظام أو سياساته فقررت حجبها بدلا من الرد عليها ومناقشتها بالحجة، وازداد الهوس الأمنى حتى أصبحت الكاميرات الطائرة دليلا على التجسس، ومقاهى وسط البلد أحد أوكار الاشتباه، والصداقة مع غير المصريين مفتاح الاتهام بالعمالة، و25 يناير بوابة الاتهام بـ«الثورجة» وكأن ثورة لم تقم وكأن نظاما لم يسقط.
وفى محطة جديدة من محطات الجمود الفكرى، ظهر نائب برلمانى يدعو لقانون «تجريم الإلحاد ومعاقبة الملحدين»، وانتقل على شاشات التوك شو يفتخر بإنجازه وكأنه حامى الحمى، والحارس الأوحد على دين الله الممتد منذ أكثر من 1400 عام. أمين سر اللجنة الدينية بمجلس النواب أكد أن قانون تجريم الإلحاد لا يتعارض مع مبدأ حرية العقيدة الذى كفله الدين الإسلامى والدستور، مؤكدا أن الإلحاد يمثل خطرا على الأمن القومى المصرى.
فى الحقيقة، حضرة النائب الذى يقف تحت قبة البرلمان ويتقدم بمشروع قانون غير دستورى، ويسىء لمصر وللإسلام، قد يكون حصل على أصوات بعض من هؤلاء الملحدين فى صندوق الانتخابات البرلمانية وبقليل من التفكير سيجد أن حقهم فى التصويت والمشاركة السياسية أمر يعنى حقهم الكامل فى الوطن، أما العلاقة بالرب فهى علاقة تخص كل شخص وحده، هل سيتدخل مجلس النواب فى علاقة الشخص بربه أيضا؟!
الجمود الفكرى الذى أصبحنا فيه ليس من فراغ، فأجهزة الدولة الثقافية فى غيبوبة تامة، كما أن النظام الحاكم لا يرغب فى استفزاز الشعب الذى يدّعى أنه «متدين بطبعه» أو هز العقيدة المتسلفة فى شخصية الدولة المصرية، ما جعل قائمة الممنوعات تشمل: «ممنوع الشيعية - ممنوع البوذية - ممنوع الهندوسية - ممنوع اليهودية - ممنوع الإلحاد - ممنوع اللا أدرية - ممنوع البهائية - ممنوع الأكل فى نهار رمضان - ممنوع معارضة الأزهر - ممنوع معارضة البخارى - ممنوع بناء كنائس جديدة - ممنوع بناء أى دار عبادة لغير المسلمين - ممنوع لعب الكوتشينة على المقاهى - ممنوع التضامن مع حقوق المثليين - ممنوع معارضة ابن تيمية - ممنوع معارضة دار الإفتاء - ممنوع دعم تونس فى المساواة بين الرجل والمرأة فى الإرث - ممنوع دعم إسلام بحيرى وفاطمة ناعوت وخالد منتصر»، فالمجتمع أصبح يتشدق بعبارة «مصر دولة إسلامية»، وكأن الإسلام منع التعددية، رغم أنه مارسها بكل أنواعها خصوصا التعددية الدينية، فالقرآن الكريم يؤكد أن الله خلق كل البشر من نفس واحدة، وأن جميع هؤلاء الناس يرجعون ويردون إلى أصل واحد، وأنهم جميعا يعمرون الأرض، القرآن يؤكد أن «لا إكراه فى الدين»، بل يؤكد التعدد العرقى والثقافى واللغوى. فى مصلحة من أن نصبح مجتمعا أحاديا ينبذ الاختلاف ويكره كل من اختلف معه فى الرأى؟ هل الدين الإسلامى سيقوى بنبذ من خالفه؟ أم أن النظام سيقوى ويستمر ويبقى إلى الأبد إذا نبذ المعارضين؟ وهل تصدق الدولة حقا أنها تفلح فى المنع حقا؟ أم أنها تتمنى أن تحدث المصيبة فى الخفاء بدلا من العلن؟!
وبعد هذا القدر من الممنوعات.. أين مصر الآن؟ هل حققت استقرارا أمنيا يقلل من معدلات الجريمة؟ أو تقدما اقتصاديا يكفل للمواطن حقه فى العيشة الكريمة الآدمية أم ما زال أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر؟ وهل تلك الممنوعات جعلت مصر فى مصاف الدول المتقدمة؟ هل أصبحنا بفضل السياسات الأمنية المتبعة دولة مفيدة للبشرية تنقل العلم وتنشره؟ أو تقدمنا على المستوى الصناعى حتى غزونا العالم أجمع بشعار «صنع فى مصر»؟ ما النجاح الذى حققته قائمة الممنوعات حتى تصبح دستورا ضمنيا للدولة؟ 
النائب البرلمانى أدرك خطورة الملحدين على الوطن -من وجهة نظره الشخصية طبعا- واعتبرهم خطرا على الأمن القومى، فى حين أن الأكثر خطرا هم هؤلاء المتشددون الذين يظهرون على الشاشات ومواقع التواصل ويعتلون المنابر أيضا فى بعض المساجد، ويبثون سمومهم فى عقول المواطنين ويهددون سلامة المجتمع والمواطنة، وفتاواهم ضد المرأة والمسيحيين خير مثال على ذلك.. فهل بحث النائب البرلمانى منع الآراء المتطرفة قبل أن يبحث منع التفكير وحرية الاعتقاد؟!
الممنوع فى الدول المتقدمة ليس مجرد رأى شخصى لرئيس دولة أو جهاز حساس، فالبرلمان الألمانى على سبيل المثال وافق على زواج مثليى الجنس، رغم معارضة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الموجودة فى الحكم منذ عام 2005، ورغم رفض الكنيسة الكاثوليكية التى تمثل 30% من السكان، ولكن المجتمع الألمانى كان مهيئا لمثل تلك الخطوة منذ بداية القرن الحادى والعشرين، والآن ألمانيا هى من هى، بينما شيوخ العالم العربى يدعون على الغرب الذى يصنّع لهم السيارات والطائرات والأدوية والأجهزة الطبية حتى المسابح والمصاحف ومكبرات الصوت المستخدمة فى المساجد كلها من صنع علماء هذا الغرب الذى يروج للأفكار الهدّامة فى ثوب حقوق الإنسان مثلما يدّعى معارضوه.
بالبحث نجد نموذجا مضيئا للتعددية والاختلاف اسمه «الهند»، تلك الدولة التى حافظت على هذا الطابع المميز والفريد منذ عصور قديمة حتى أيامنا هذه، دون أن تمس بنسيجها المتنوع ومجتمعها المتعدد، فسكانها الكثر يتوزعون فى انتماءاتهم العرقية بين الآريين واليونانيين والمغول والشعوب المنحدرة من وسط آسيا، بالإضافة إلى من يعودون بأصولهم للعرب والترك والأفغان وغيرهم، كما يحفل المشهد الدينى هو الآخر بالتعدد والاختلاف، فتضم الهند جميع الديانات الكبرى الموجودة فى العالم مثل الإسلام والمسيحية والهندوسية والبوذية التى تجد لها جميعا موطئ قدم ومساحة للتعايش والازدهار بفضل الحرية الدينية المكفولة لجميع المواطنين، وفى ما يتعلق بالإسلام تضم الهند أكبر عدد من المسلمين بعد إندونيسيا، وربما لا يعرف العديد من الناس أن أكبر جالية لأتباع الكنيسة السيريانية تعيش فى الهند وليس سوريا، بأغلبية واضحة فى ولاية كيرلا بالجنوب. والتعايش السلمى فى الهند انعكس على الأداء الاقتصادى للدولة، فوفقا لموقع «فايننشال» الهند ستصبح ثالث أقوى اقتصاد عالميا خلال 10 سنوات.
تجارب العديد من الشعوب والبلدان فى العالم الثالث ومنها البلدان العربية والإسلامية، تشير إلى المآسى والمعاناة التى قاستها فى ظل أنظمة وأحزاب شمولية وديكتاتورية صادرت الديمقراطية والحريات العامة، لهذا تكمن أهمية انتشار ثقافة التعدد والتنوع والاختلاف، بمعنى الإيمان الحقيقى بالديمقراطية ومبادئها الأساسية، دون ذلك، فإن المرء يكرس فكر التسلط والقمع ومصادرة الرأى وحق التعبير والتنظيم، ويرسخ للإلغاء وإقصاء الآخر المختلف.
يجب الاعتراف بأن هناك وعيا لدى قطاعات واسعة فى المجتمع بدأ يتشكل أو يتأسس وإن كان ببطء، ولكنه سوف يؤتى ثماره فى المستقبل، حيث لم يعد مقبولا لدى كثير من الناس وتحديدا جيل الشباب بأن تملى عليهم أفكار ورؤى وإيرادات غير مقتنعين بها، وكأنها «مُسلمات» لابد من الالتزام بها، الأمل فى جيل يطّلع على ثقافات وأفكار مختلفة من خلال الإنترنت، ويعيش وسط ثورة المعلومات وما تخترعه كل ثانية، ويرفض أن تسود أفكار التسلط والترهيب والترغيب مهما امتلكت من إمكانيات وقدرات.
المجتمع الحى والنابض بالحياة لا يمكن أن يتطور ويتقدم إذا لم تتفتح كل الألوان والورود فى حديقته الواسعة، وتعطى منظرا جميلا ورائعا، تفوح منها روائح عطرة، فعاشقو الوطن والمؤمنون بقيمة الإنسان سيظلون يحبون مصر رغم زيادة الممنوعات وكل يوم يعشقونها أكتر من اللى فات.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات