.

حين قاتل المسلمون مع المسيحيين فى أوروبا

Foto

ويؤكد المؤلف أن فكرة وجود تعارض قديم بين «أوروبا المسيحية» و«اللا أوروبا المسلمة» هى فكرة تشوه وعلى نحو فاضح وقائع تاريخ غنى ومعقد ومشترك بين الطرفين قبل أى شىء آخر


لا يزال مصطلح «صراع الحضارات» حاضرًا بقوة على كل موائد الحوار السياسى، وفى كل الأدبيات التى تتناول بالدارسة كل ما يتعلق بالعلاقات بين الشعوب والأديان، كما لا يزال الحديث دائرًا عن تلك الهوة التى لا يمكن ردمها بين العالمين الإسلامى والمسيحى، لكن فى هذا الكتاب الجرىء والثورى الذى يحمل عنوان «ديانتان تحت راية واحدة» والصادر عن الدار العربية للعلوم، يظهر مؤلفه «إيان ألموند» أنه فى أوروبا كان المسلمون والمسيحيون رفاق سلاح واحد فى كل الحروب الدائرة.


وحين نقرأ عن المعارك الوحشية والحصارات الطويلة، نكتشف أن قوات عربية احتشدت بالآلاف تحت راية إمبراطور مسيحى خارج أسوار «فيرونا»، كما نجد أن مسلمين أندلسيين تكاتفوا مع جيرانهم الكتلانيين المسيحيين فى أثناء معارضتهم للقشتاليين، ونقرأ أيضا عن عشرات آلاف من المجريين البروتستانت الذين ساعدوا العثمانيين فى زحفهم على فيينا، كما نسمع عن يونانيين وأتراك شكلوا حصنا منيعا ضد عدوهم المشترك، والمتمثل فى الصرب والبلغار.


ويؤكد المؤلف أن فكرة وجود تعارض قديم بين «أوروبا المسيحية» و«اللا أوروبا المسلمة» هى فكرة تشوه وعلى نحو فاضح وقائع تاريخ غنى ومعقد ومشترك بين الطرفين قبل أى شىء آخر، فالدبلوماسيات المتغيرة، والمصالح الذاتية البراجماتية، والسياسة الواقعية هى التى أملت تلك التحالفات بين الديانتين، وليس الجهاد أو الحرب الدينية.


ومن هنا فقد كانت لهذه الرؤية انعكاسات عميقة على فهمنا للسياسة العالمية، والشؤون الحالية، فضلاً عن التاريخ الدينى والشكل المستقبلى لأوروبا، وذلك عندما سقط الجنود الإنجليز والأتراك جنبا إلى جنب فى ساحات القتال فى شبه جزيرة القرم، لم تكن تلك هى المرة الأولى التى تسيل فيها دماء مسيحيين ومسلمين وتمتزج فى قتال ضد عدو واحد مشترك.


وبحسب الكاتب فإن الاستعمار هو الذى فرق بين أجزاء القلوب فى الشعب الواحد، فرق بين البربر والعرب رغم اتحادهم فى الدين واللسان، وفرق بين المسلم والنصرانى فى كل مكان، فى حين أن البلاد التى نجت من تأثيرات الاستعمار عاش أهلها كأبناء بيت واحد ما فرق الدين بينهم فى المسائل الوطنية.


إن الأفكار المطروحة فى هذا الكتاب المهم لتستنفرنا ضد مؤلفات كثيرة كان موضوعها الأديان البشرية والتى كان التطرف غالبا عليها، فإذا كان كتابها مسلمين فنجدهم وقد تحاملوا على النصارى فأخرجوهم من الملة، أما إذا كان كتابها من النصارى نجدهم وقد غمزوا الإسلام من طرف خفى، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لقد ظهرت العصبية أيضا بين أبناء الملة الواحدة، فأصبحنا نرى المسلم إذا كتب عن المسلم اغتابه ولعنه فى كل كتاب وصحيفة، وبالمثل إذا ترجم النصرانى للنصرانى أنحى عليه وثلمه وأكل لحمه.


لكننا وللحق لا نعدم كتابات أخرى كانت مثالا ظاهرا على تلك المسامحة المحمودة بين الطرفين، فقد كتب أبو الريحان البيرونى فى أديان الهند فى القرن الخامس للهجرة ولم نلمس أنه مس عاطفة أحد من أهلها، ومن تلطفه يكاد يشعرنا ونحن نقرأ أنه من أبناء تلك النّحلة.


وعلى هذا المنوال نذكر كتابات ابن أبى أصيبعة، وياقوت الحموى، والصفدى، والبيهقى، وابن القفطى وغيرهم من مؤرخى الإسلام، كما نذكر من المؤرخين من غير المسلمين ابن كلس، وبزرجمهر، وجوستاف لوبون، وجرجى زيدان وغيرهم.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات