.

الموضوع يتكون من جزأين طفولة النقاش وشبابه وفتنته بالكتب

Foto

يعتبر من أهم وأبرز أعلام الصحافة والأدب والنقد على مستوى الوطن العربى، كان يتناول الأعمال الأدبية بحساسية فنية راقية وأسلوب سلس بسيط، فيفرح للجميل، ويمجد الأصيل، ففاح عطره وانتشر بين المواهب المصرية مبشرًا ومساندًا


 تمضى جريدة «المقال» فى نهجها بالاهتمام بالمناسبات الخاصة بتكريم رموزنا الثقافية، وها هى اليوم تحيى ذكرى رحيل الكاتب الكبير رجاء النقاش الذى يعتبر من أهم وأبرز أعلام الصحافة والأدب والنقد على مستوى الوطن العربى، كان يتناول الأعمال الأدبية بحساسية فنية راقية وأسلوب سلس بسيط، فيفرح للجميل، ويمجد الأصيل، ففاح عطره وانتشر بين المواهب المصرية مبشرًا ومساندًا، تمامًا مثلما احتفى بعدد كبير من المبدعين العرب منهم الشاعران الفلسطينيان محمود درويش «1941 - 2008»، وسميح القاسم «1939 - 2014»، إضافة إلى الروائى السودانى الطيب صالح «1920 - 2009».


 ولد محمد رجاء عبد المؤمن النقاش فى قرية «منية سمنود» محافظة الدقهلية بمصر فى الثالث من سبتمبر 1934، وتخرج فى قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة عام 1956، وعمل فى البداية محررًا فى مجلة روز اليوسف المصرية، ثم فى جريدة الأخبار، ورئيسًا لتحرير مجلة الكواكب ومجلة الهلال ومجلة الإذاعة والتليفزيون، وقد نال النقاش جائزة الدولة التقديرية عام 2000.


 صورة أب
كلمة إهداء كتاب «أدباء ومواقف» 1965
 من رجاء إلى والده عبد المؤمن النقاش


 «مازلت أذكر يا أبى تلك الأيام الصعبة التى كنا نعيش فيها فى قريتنا «منية سمنود»، حيث كنت تستعين على متاعب تلك الأيام بقراءة الكتب، وكتابة الشعر فى مدح الرسول الكريم وفى حب الطبيعة وفى شكوى الزمان، ولم تكن تجد فى قريتنا البعيدة فرصة لنشر قصائدك الجميلة، حيث كانت صحف تلك الأيام تنظر إلى القرية على أنها عالم مجهول ومنسى لا أهمية له.. ومن أيامها تعلمت منك أن الأدب حب وجهاد وصدق فى معاملة النفس والحياة، وتعلمت منك أن الأدب مثل الدين يقتضى الكثير من التجرّد والبعد عن الإغراءات السهلة.


 فلتقبل منى أن أهدى إليك هذا الكتاب وفاء بفضلك أنت وأمثالك من الجنود المجهولين الذين كانوا ضوءًا يملأ القرية قبل أن تمسها يد الثورة بالتغيير والتعديل، فى تلك الأيام التى كان فيها الظلام أكثر من النور وكنتم أنتم يا أدباء الريف ذلك النور القليل».


 صورة أم
 «هى الصورة الثانية من الفصل الأخير من كتاب «تأملات فى الإنسان»، ويعرض فيها رجاء النقاش تحت عنوان «أمى» صورة لأمه أو خلاصة ما بقى منها فى الذاكرة من رحلة الحياة والموت!».


 «كانت علاقتى مع أمى مليئة باللحظات العميقة التى لا تنسى، كانت أمى فلاحة لا تعرف القراءة ولا الكتابة، وكانت ظروف حياتنا صعبة وقاسية، وكنت أحس دائمًا أن أمى تحتمل أكبر جانب من مسؤولية حياتنا بشجاعة كبيرة ودون أن تشكو، فهى أقلنا طعامًا، وأكثرنا حزنًا وصبرًا وكفاحًا، وهى دائمًا تقف بعيدًا عن المسرح عندما تكون هناك ثمرة من ثمرات الكفاح أو لون من ألوان الفرح.


 وبعد أن تخرجت أنا فى الجامعة بعام واحد ماتت أمى، أى قبل أن تستمتع بثمرة واحدة من ثمرات كفاحها من أجل أولادها وأنا أكبرهم.


 وكنت أشعر أنها إنسانة سيئة الحظ جدًّا، فقد ماتت نتيجة كفاحها الطويل بعد مرض استمر ثلاث سنوات متصلة.


 وماتت فى القاهرة، وقررنا أن ندفنها فى قريتنا التى تبعد عن القاهرة بمئة وعشرين كيلو مترًا، وسافرت أنا بالقطار على أساس أن أنتظر جثمانها الذى كان مقررًا أن يصل ظهر اليوم نفسه، ولكنه تأخر ولم يصل إلا بعد الغروب.


 وعلمت أن سبب التأخر كان راجعًا إلى أن عربة الموتى التى كانت تنقلها أصيبت بخلل شديد فى الطريق.


 وتألمت لسوء حظ أمى حتى بعد الموت، ولكنى كنت مسيطرًا على نفسى تمامًا، فلم أبكِ، خصوصًا أننى كنت أتظاهر بالتماسك أمام أخوتى الصغار.


 وصلينا عليها فى الجامع، ومشينا فى الجنازة، حتى وصلنا إلى المقبرة، وهناك علمنا أن المقبرة لم يتم فتحها بعد، وأن علينا أن ننتظر لما يقترب من الساعة أمام المقبرة حتى يتم فتحها.


 وبلغ بى الحزن أقصاه، فقد شعرت أن هذه الإنسانة التى تعذبت فى حياتها لم تنجُ من سوء الحظ حتى فى لحظاتها الأخيرة، وهى فى طريقها إلى النوم الأبدى، حيث تهدأ من عذاب الدنيا وتستريح.


 حتى المقبرة ما زالت مغلقة فى وجه هذه الأم العزيزة، التى تعذبت طويلًا وصبرت طويلًا.


 ولم أملك نفسى أمام هذا الموقف.. فبكيت.. وبكيت بمرارة.. وبشكل لم يحدث لى فى حياتى قط، لقد حزنت يومها حزنًا لم أشعر بمثله ولا أظن أننى سأشعر بمثله فى يوم من الأيام.


 ماتت فى الأربعين من عمرها.


 وعاشت حياتها كلها عذابًا طويلًا من أجل أولادها، ولم تستطع أن تفرح لحظة بثمرة الكفاح، بل دفعت وحدها.. فى سبيلنا جميعًا.


 وعندما أذكرها – وإنى لأذكرها دائمًا – أرى فيها وهى المرأة الأمية البسيطة التى لا تقرأ ولا تكتب مثلًا رائعًا للمرأة العظيمة.


 إنها تفوقنا جميعًا نحن الذين تعلمنا وعرفنا الكثير من متع الحياة ومسراتها».


 أخوته
 ضمت أسرة رجاء النقاش مثقفين بارزين، فكان أخوه الراحل وحيد مترجمًا وناقدًا، وأخوه فكرى مؤلفًا مسرحيًّا، وأخته فريدة ناقدة أدبية، تولت رئاسة تحرير مجلة «أدب ونقد» نحو عشرين عامًا، ثم رئاسة تحرير صحيفة «الأهالى» التى تصدر عن حزب التجمع. 


 وقد توفى رجاء النقاش  يوم 8 فبراير 2008 عن 74 عامًا فى أحد مستشفيات القاهرة بعد معاناة مع المرض.


  من كتبه المنشورة
 «تأملات فى الإنسان» عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، «أدباء ومواقف» عن المكتبة العصرية بيروت، «مقعد صغير أمام الستار» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، «فى أضواء المسرح» عن دار المعارف بمصر، «نساء شكسبير» عن دار شرقيات، «ثلاثون عامًا مع الشعر والشعراء» عن دار الشروق، «عباقرة ومجانين» عن أطلس للنشر والإنتاج الإعلامى، «صفحات مجهولة فى الأدب العربى المعاصر» عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، «الانعزاليون فى مصر» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، «محمود درويش شاعر الأرض المحتلة» عن مركز الأهرام للترجمة والنشر، و«فى حب نجيب محفوظ» عن دار الشروق.



الجزء الثانى من الموضوع
طريق البشر!


كيف عالج رجاء نفسه من الضيق بالحياة؟


 هذه إطلالة متعمقة جديدة تعتمد على تحليل مقالات كتاب «تأملات فى الإنسان» الـ 26 فى طبعته الثالثة التى صدرت عام 1977، وذلك من خلال ثلاثة محاور مشتقة من تصنيف مقالاته، هى: طريق البشر، وحلول ضرورية، وسلبيات وحلول. ويتعلل هذا الأمر لعدة أسباب أولها اعتراف رجاء النقاش بحبه لهذا الكتاب أكثر من أى كتاب آخر: «لأننى كنت أحاول فى أثناء كتابته أن أعالج نفسى من الحزن والضيق بالحياة»، كما أن العودة إلى مقالات الكتاب تعتبر محاولة لتلمس طريق البشر الذى يتبدى دانيًا من بين صفحاته، إضافة إلى أنه الفرشة التى ارتكز إليها الناقد الكبير.


 طريق البشر
«مرحلة الطفولة مرحلة سحرية ناعمة، وتبدأ المشكلات بعد الخروج منها: فلابد أن يكون لنا موقف من كل شىء، وعلينا أن نتلاءم مع العالم، وتصبح لنا أحلام نعمل على تحقيقها ومخاوف نعمل على التخلص منها، أى أننا بعد الطفولة، نقف فى مفترق طريقين: طريق السعادة، وطريق التعاسة».. مقال: «نصف الجنون».


«إن الفترة المزدهرة من حياة الإنسان هى فترة الشباب حيث يحس أنه يكتشف الدنيا من جديد.. ثم يصطدم بالحياة، ويجد أن الأحلام العريضة لا مجال لها، وإن المشروعات الكبيرة تفقد بريقها، وإن الفتاة التى كان يحبها لم تكن بكل هذه الروعة التى تصورها، والصديق الذى كان يؤمن به يتصرف أحيانًا بأنانية، أما العمل الكبير الذى كان يحلم به فقد تحول إلى مجرد شىء محدود بسيط، إلى وظيفة فى مكتب، أين إذن تلك الأحلام القديمة؟ وتتوالى المفاجآت وتتوالى الصدمات النفسية التى تخلق الحزن والكآبة»..

مقال: «الباب الضيق».


 ثم تمر بنا الأيام فنكتشف أن حياتنا نفسها ليست إلا تكرارًا لحياة الآخرين، هذه الحياة التى تدور فى دائرة تكاد تكون مغلقة هى: الميلاد والزواج والعمل والموت، فكل شىء يعود دائمًا إلى ما كان عليه: متكرر لا يتجدد، وقد تصور اليونانيون القدماء حياة الإنسان فى إحدى الأساطير التى فيها أن كبير الآلهة غضب على سيزيف وحكم عليه أن يحمل صخرة من سفح جبل وينقلها إلى قمته، وعندما يبلغ قمة الجبل تسقط من جديد إلى السفح؛ ليعود إلى نقلها مرة أخرى، وتتكرر القصة كل يوم.

وهى ترمز إلى أن حياة الإنسان بلا جدوى ولا معنى، وسيزيف يرمز للكائن البشرى، والصخرة ترمز للعمل والحياة اليومية التى نعيشها ونكررها فى الوقت ذاته، وما توحى به الأسطورة اليونانية، هو: الإحساس بالعبث.


 وقد عبر كثيرٌ من المفكرين والفنانين عن هذا الإحساس، منهم «مارسيل بروست» الذى ظل الإحساس بالعبث يطارده حتى انسحب من الحياة، وصنع لنفسه حجرة من الفلين، حتى ينعزل نهائيًّا، لكن أعظم من عبر هذا المغزى، هو فيلسوف العبث «آلبير كامو» الذى ظل طوال حياته يعبر عن فكرة العبث من خلال مسرحياته ورواياته ودراساته الفلسفية.. مقال: «الصخرة».


 فالإنسان كلما زادت خبرته وتجاربه تبين له أن الدنيا تنطوى على مأساة، فكل شىء يفلت من اليد ويضيع، الزهور تذبل والوجوه الجميلة تتغضن، والعواطف الحلوة والأصدقاء، كل شىء له محطة يقف عندها ويتلاشى ويذوب، الشباب تبتلعه الشيخوخة، الحب تقتله العادة والرغبة فى الامتلاك، الصداقة تخنقها أنانية الفرد، الشهرة والثروة تصبح ذات يوم عديمة النفع عندما تحل الشيخوخة فلا تكون له القدرة على الاستمتاع بشىء، ثم هذه «المصادفة» التى تقف فى طريق البشر وتتهددنا جميعًا، وفجأة يقف الإنسان وحيدًا؛ ليجد كل شىء باطل الأباطيل وقبض الريح».. مقال: «ابتسم».


 «وقد مرت فى حياة الحضارات الإنسانية فترة كان كل شىء فيها يفسر عن طريق الأساطير، فإذا سقط المطر فهو غضب الآلهة، وتقدمت الحضارات الإنسانية من مرحلة إلى أخرى، فتخلصت من تهاويل الأساطير، وبدأ عصر الدين الذى يفسر الظواهر الطبيعية، ويحدد قيمة الإنسان فى المجتمع وعلاقته بالعالم، وبدأ الإنسان يتطور ويخرج من مرحلة إلى مرحلة، حتى وصلنا اليوم إلى مرحلة «إنسانية»، بمعنى أن كل شىء يفسر بمقياس الإنسان ومن زاويته، ولكن لا يجب أن يغفل أثر الإنسان فى ظروفه وأثر إرادته وإحساسه الذاتى فى توجيه مستقبله وتحديده، فموقف الإنسان من الحياة هو فى الحقيقة مزيج من الإرادة والظروف الخارجية».. مقال: «إرادة البشر».


 حلول ضرورية
 الحل الأول: هو الابتسام.. «كان المصريون القدماء يقضون نصف عمرهم فى الاستعداد للموت ببناء المعابد والمقابر التى بقيت رغم مرور الزمن، مما يدل على أن روح الحزن كانت عميقة فى نفوسهم إلى حد بعيد، ولكن الغريب أنهم احتفظوا بروح النكتة والسخرية والمرح.


 قد تبدو المسألة غريبة، لكن الحزن وليد تجربة كبيرة وخبرة بالناس والأشياء، إنه دليل على المعرفة العميقة بالحياة التى تعتبر قلقًا عظيمًا على رأى حكيم هندى، أما الإنسان الناضج الذى يفهم بعمق، فهو الذى يبتسم ويفرح، وإذا كان الحزن دليلًا على المعرفة والفهم، فالفرح والابتسام هما دليل على احتمال الحياة، هذه الحقيقة نفسها هى السبب الذى جعل المصريين القدماء يحملون فى قلوبهم أقوى الأحزان، ثم يعبرون عن هذه النفس الحزينة بالفرح والنكتة، إن توفيق الحكيم يبلل أعماله المسرحية بحزن وعذاب نفسى عميق؛ لذلك استخدم الفكاهة فى كتاباته حتى يخفف من هذا الشعور الكئيب.


 إن الابتسامة هى الاكتشاف الذى توصلت إليه هذه النفوس العميقة التى عانت الحزن، وعرفت أن أعظم ما فى الحياة هو احتمالها، والاكتفاء بسعادة الرضاء الداخلى.. من مقال: «ابتسم».


 الحل الثانى: هو العمل.. إن كل الأطباء الكبار للنفس البشرية يقولون إن البوصلة الوحيدة هى العمل، ولكن السؤال: ماذا نعمل؟ خصوصًا إذا كان الحب لا يجدى، والصداقة لا تجدى، والمعرفة لا قيمة لها، وللإجابة نقف مع أديب ألمانيا الكبير «جيتة» إنه يقول إن العمل وحده هو الذى يعطى لبقية الأشياء معناها وطعمها الحلو، فالعمل هو الذى ينعش الصداقة والحب ويجعل المعرفة زادًا ثمينًا نحمله معنا فى رحلة الحياة، فلا تجوع أرواحنا أبدًا ولا نتعرض للضياع، إن الطريق الذى يقودنا إلى نبع الحياة الحلو، وسحرها الدافئ هو أن يقول الإنسان لنفسه: «إن الخطة المثلى هى أن أعمل الواجب القريب منى»، قد يكون الواحب القريب حلقة ضيقة ولكن إتمام هذا الواجب يقود إلى دائرة أوسع، فالخطوة الأولى تقود إلى الثانية، وأكثر الناس الذين يحلمون بالأعمال الكبيرة، هم أكثر الناس فهمًا وإدراكًا لحقيقة هى: إن هذه الأعمال الكبيرة تبدأ دائمًا بمراحل صغيرة ومتواضعة.


 وحكمة «جيتة» فى دعوته، هى نفسها حكمة المسيح: اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق، فالعمل البسيط الرقيق المتواضع، البعيد عن الأضواء، البعيد عن الزحام والضجيج، هذا النوع من العمل هو الباب الضيق، الباب الذى لا يحب الكثيرون أن يدخلوا منه إلى الحياة؛ لأنهم يفضلون الأبواب الواسعة التى نسميها الثروة أو الشهرة، إن التفكير فى هذه الأبواب هو الذى يسمم حياتنا ويجعلنا نشعر بالفشل عن تحقيق أحلامنا ويؤدى إلى التمزق النفسى، إن الباب الضيق هو فى كلمات طريق السعادة الداخلية العميقة، إن السؤال عن نتيجة حياة الإنسان سؤال هام ومخيف، وبعض الناس يهربون من السؤال تمامًا، وبعضهم يواجهونه بفزع وارتباك، وآخرون يواجهونه بقوة، والنوع الأخير هو وحده الذى يصل إلى نتيجة ترضيه وتقضى على شعوره بالتفاهة، وقد تكون هذه الثمرة هى مجرد العمل، مجرد المحاولة، فالحياة الناجحة هى الحياة المنظمة، الحياة التى تخضع لرقابة دقيقة من الإنسان على نفسه.. مقال: «الباب الضيق».


 الحل الثالث: القبول بالحياة.. بعض الناس يعاملون الحياة ببرود وعدم مبالاة، وبعض الناس يجاملون الحياة كما يجامل موظف صغير رئيسًا قاسيًا لا يرحم، وبعض الناس يرفضون الحياة ويعاملونها باستهتار، لكن هناك نوعًا آخر من الناس يحب الحياة ويقبل عليها ويأخذها بالحضن، فالحياة مجرد الحياة رائعة أنه يأكل بنهم، ويحب بنهم، ويحزن بنهم أيضًا، وبالنسبة لهذا النوع لا يوجد مخطئون ولا عصاة، كل الناس كائنات جميلة، وكل إنسان قريب من القلب، من هذا النوع النادر فنان عاش فى أمريكا فى القرن الماضى، هو «والت ويتمان» الذى كان يمنح عواطفه لكل شىء فى الحياة، حتى للتراب والعشب، ويتسع قلب هذا الفنان الإنسان ليشمل كثيرًا من ألوان الحياة، إن أجمل ما نتعلمه من هذا الفنان هو أن نتقبل الحياة وأن نعيشها بشجاعة كما عاشها هذا الشاعر، والشجاعة هنا هى أن نتحدث دائما عن المعنى الإيجابى فى التجارب التى نعيشها، إن شجاعة الحياة التى يدعونا إليها هذا الفنان تعتمد على التسامح والعاطفة».. مقال: «بالحضن».


سلبيات وحلول
 أولى سلبيات مواجهة صدمة الحياة، هى الانتحار، وقد قدم رجاء النقاش ثلاثة نماذج من الشباب الذين عاشوا فى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى إلى نهاية الحرب الثانية، انتحر أولهم فى صيف 1940 على شاطئ الإسكندرية، وأطلق ثانيهما فى سنة 1940 الرصاص على نفسه فى بيته الجميل الأنيق بالإسكندرية أيضًا، وقبل هذه الحادثة بعشر سنوات أغلق شاب على نفسه حجرة كان يسكن فيها، وأشعل فى نفسه النار، وفى الوقت الذى صمدت فيه نماذج من أبناء هذا الجيل، فإن هناك نماذج أخرى اختارت الانتحار؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يتواءموا مع ما طرأ على المجتمع من متغيرات فاختاروا الطريق السهل، وإن ظلت حياتهم القصيرة دالة على نوع المجتمع الذى عاشوا فيه.. مقال: «المنتحرون».


 ثانية السلبيات: هى «الخمر»، وهو ما كان يعيه جيدًا الكاتب الروسى آنطون تشيكوف الذى كتب إلى أخيه «نيكولا»: «انسَ كل شىء فى حياتك الحاضرة وعدْ إلينا، حطّمْ كأس الفودكا وعدْ فإنى أنتظرك»، كان «نيكولا» شابًا موهوبًا، ورسامًا وكاتب قصة، لكنه لم يكن يعرف كيف يحافظ على موهبته ويستثمرها، وكانت حساسيته الشديدة تدفعه إلى التأثر العنيف بالحياة، والاهتزاز وفقدان التوازن أمام مشكلاتها المختلفة، ورسم تشيكوف له الطريق، لكن «نيكولا» قاده الخمر إلى اليأس والدمار والموت دون أن يقدم شيئًا جميلًا للحياة.


 ثالثة السلبيات، خطورة الاقتراب من العبقرية، نصحت كاتبة أمريكية كل بنات جنسها بأن تحذر أن تتزوج عبقريًّا؛ لأنه غالبًا ما يبنى حياته على أساس الوحدة، مما يجعله لا يحتمل ثرثرة الزوجة أو ضجيج الأطفال.


أمثلة: بلزاك.. أكبر قصاص فرنسى فى القرن الماضى، كان يعيش لفترة طويلة فى بيت ليس فيه أثاث، ومع ذلك كان يتصور أنه يعيش فى أفخم قصور فرنسا، برنارد شو، عندما تزوج بعد الأربعين اشترط على زوجته ألا يكون بينهما علاقة جنسية، وعاشت معه الزوجة فى «زواج روحى»، أما أكبر مأساة من هذا النوع، فهى مأساة زوجة الأديب الروسى تولستوى التى عاشت مع زوجها خمسين سنة، وأنجبت له ثلاثة عشر ولدًا وبنتًا، لكنه حين ضبطها تفتش فى أوراقه، قرر الهرب إلى الأبد، وقد تساءل من قبل: لماذا أملك الأرض ويجوع الفلاحون؟ فثار على نفسه ووزع الأرض على الفلاحين، ووقفت زوجته ضده، واستسلم تولستوى لزوجته، وتحول إلى ما يشبه النبى، وبدلًا من كتابة القصص والروايات، إذا به صاحب دعوة سياسية واجتماعية شاملة: دعوة إلى الحب، وإلغاء نظام الامتلاك، ويبقى أن نعذر الزوجة التى احتملت خمسين سنة، إنها زوجة مظلومة، تستحق كلما تذكرنا زوجها العظيم، أن نقدم لها زهرتين من الفهم والإنصاف.. مقال: «الزوجة المظلومة».


 رابعة السلبيات.. تقدم لنا حياة «أوسكار وايلد» تجربة عميقة تدلنا أن الامتياز الذى أعطته الطبيعة للفنان هو عبء ومسؤولية، وليس متعة، ويقول وايلد عن نفسه «لقد وهبنى الله كل شىء، فأنعم علىّ بالذكاء والشهرة والمقام العالى، وأنا الذى جعلت الفن فلسفة وجعلت الفلسفة فنًّا»، وبهذا الإحساس اندفع يجرب كل شىء، حتى وقع فى الوحل، وأصيب بالشذوذ، وذلك ما قاده فى النهاية إلى السجن؛ ليقضى فيه سنتين كاملتين، حيث حاكم نفسه محاكمة قاسية، فالفنان الموهوب الذى يعيش حياته بعمق، ويبتكر ويضيف إلى الحياة، يدعونا أن نعيش فى الدنيا العميقة الجميلة التى اكتشفها لنا.. مقال: «الطفل المدلل».


 خامسة السلبيات: محنة الامتياز.. هناك نوع من الناس يكره الامتياز، ويعادى التفوق، ويخاف خوفًا عميقًا من أن يرى شخصًا يتمتع بموهبة لامعة، ومن أمثلة محنة الامتياز: «سقراط» أبو الفلسفة الإنسانية مات محكومًا عليه بالإعدام، وجان دارك حوكمت، وأحرقت، بعد أن قادت فرنسا إلى النصر، وقد علق برنارد شو على حرق جان دارك وإعدام سقراط، فقال: «لقد كان لنابليون مقدرة مخيفة كالتى كانت لجان دارك وسقراط، وقد سُئل ذات مرة وهو فى قمة مجده وشهرته: كيف يتصور حال الناس إذا تلقوا نعيه؟ فقال: «سيتنفسون الصعداء»، وكان المسيح يدرك هذه الحقيقة النفسية التى تواجه الامتياز، لكن إدراكه لم ينقذه من العذاب الذى ذاقه على يد أعدائه الذين يتظاهرون بحبه وصداقته.


 والحل: يتلخص فى أن حب الامتياز يحتاج إلى قوة نفسية كبيرة، فهو ابتكار وتجديد وخروج عن العادة، ويحتاج الأمر أيضًا إلى ظروف اجتماعية تتيج للجميع فرصًا متكافئة، وتفتح الطريق أمام كل فرد؛ كى يعمل ويجتهد؛ لأن المجتمع المتقدم يحتاج إلى العناصر الممتازة، ويتيح لكل فرد الفرصة؛ كى يملأ حياته العملية والنفسية بما يشغله، ويرضيه.. مقال: «التماثيل المكسورة».


 سادسة السلبيات: لذة الفشل.. ليست مشكلة أن يتعرض إنسان للفشل، بل يكمن الخطر فى طريقة مواجهته، وأخطر مراحله أن يتحول إلى عادة ثم اقتناع، وفى آخر الأمر لذة يمارسها على نفسه، عندما يلقى أسباب فشله على الآخرين، فيشعر أنه برىء وأنه شهيد ويبعد عن نفسه تمامًا مسؤولية الوضع الذى وصل إليه، وهذه أمثلة ناجحة: «1» كانت أم المسيح تستنكر أن يجىء ابنها إلى العالم من غير أب.. لكنه جاء وغير الدنيا.. «2» وكان سقراط قبيح الوجه، لكنه كان أنشودة أثينا يتغنى بها الجميع بمن فيهم حسناوات المدينة.. «3» وكان أبو «داروين» يقول عنه إنه عار العائلة، ومع ذلك ظل يعمل ويجتهد حتى أصبحت العائلة كلها منسوبة إليه.. مقال: «التماثيل المكسورة».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات