.

الكتابة صرخة ألم لا تنتهى أبدًا

Foto

«فألواح» تنتمى إلى ما يعرف بـ«أدب التخييل الذاتى» الذى يختلف عن رواية «السيرة الذاتية»، حيث إنها تسكب بعض الخيال على السيرة الحقيقية للكاتب


يتنوع رشيد الضعيف فى اختيار نوع السرد، وشكل الرواية من عمل إلى آخر، وعلى الرغم من اتباعه كتابة «أدب الحروب» المثقلة بالقتل والدمار فى رواية «هرة سيكيريدا»، لكنه خالف هذه الآلية فى عمله الجديد «ألواح» الصادر عام 2016 عن دار الساقى، حيث ينبغى علينا التوقف طويلاً عند تصنيف الرواية، «فألواح» تنتمى إلى ما يعرف بـ«أدب التخييل الذاتى» الذى يختلف عن رواية «السيرة الذاتية»، حيث إنها تسكب بعض الخيال على السيرة الحقيقية للكاتب، كما عرفه «دبرو فسكى»..

وقد اعترف رشيد الضعيف أن الرواية تحمل شذرات من حياته الحقيقية حتى إنه استوحى عنوانها من ألواح الكتابة التى كان يستخدمها، كما أن الراوى يحمل اسم «رشيد الضعيف» الذى عانى منه الكاتب منذ طفولته، حيث كان محل سخرية لكل من يسمعه، سواء أصدقاء الطفولة أو زملاؤه وأساتذة فى الكلية، كما ولد الراوى فى لبنان 6 آب 1945 وقت انفجار القنبله الذرية فى هيروشيما، وهو موطن الكاتب الأصلى وتاريخ ولادته، كل هذه إحالات للمؤلف الضمنى نفسه، وهو أيضًا الوقت الفعلى التى تدور فية أحداث الرواية.


«يظن الذين يعاشرونى أننى أعرف نفسى جيدًا، وأننى أعرف كل ما أريده وما لا أريده».. بهذه العبارة استهل الكاتب العمل، مشيرًا إلى حالة الاغتراب ولا جدوى الحياة التى يعانى منها الراوى، وهذه الحالة قد أصابت العديد ممن مروا بظروف مشابهة بعد أن شهدوا ويلات الحروب.


 ومثل معظم روايات «التخييل الذاتى» يتقيد الكاتب بأسلوب «القص الذاتى» أو ضمير المتكلم «أنا»، حيث يحكى الراوى عن شخصيات مروا فى حياته، وعلى خلفية هذه الشخصيات تدور العديد من الحكايات المتداخلة، فمثلاً هناك والده الذى عاش سعيدًا ومات سعيدًا لا يشغل باله شىء ولا يؤنس وحدته سوى صوت أولاده، كما لم ينسَ الكاتب أن يذكر والدته الجميلة القوية التى توفى زوجها وتركها وهى بعمر 46، وكانت مصدر دعم معنوى كبير للكاتب، فأفرد لها العديد من الصفحات ذكر فيها مدى استيائه هو وأخواته عندما ذهبت أمه للمطعم مع والده، كما ذكر مخاوفه عندما توفى زوجها، فقد حزن رشيد بشدة ولم يكن يتخيل أمه زوجة رجل آخر، أو أرملة تحتاج لرجل، وقد كان يشعر بالراحة عندما يرى الشعيرات البيضاء تتخلل رأسها فيطمئن قلبه، إنه تم انطفاء الشهوة بداخلها، فلن تحتاج لرجل، وفى هذه الفترة ظهرت لديه لذة فى تعذيب الحيوانات، فكان يلحق بكلاب الشوارع ويرشقهم بالحجارة حتى يدميها، كما كان يصطاد الكثير من الضفادع، ويقسمها إلى قسمين، ويملأ البرطمانات بالصراصير ويتركها حتى تموت من الجوع والعطش وانقطاع الهواء، كما قص رشيد على قرائه، أول اصطدام له مع جسد المرأة العارى وقد كان لثريا صديقة والدته والتى كانت تكبره بعشرين عامًا، وقد رآها بالصدفة تتحمم عارية، وظلت هذه الصورة مرسومة فى ذهنة أيام عديدة وكان يتحاشى النظر لثريا فى هذه الفترة.
ولا يمكن أن ندون حياة رشيد، دون أن نذكر رحلته لفرنسا وعلاقته بناتلى التى حملت ابنه وجعلته ينسى علاقته السابقة بذكائها وجمالها، فكانت تتفنن فى إظهار مشاعرها، فمثلاً تجعله ينام على مخدتها المفضلة حتى يمتلئ عطره بها، وعندما سافر لبنان ومكثت هى فى باريس كانت تتواصل معه بصورة دائمة.


وانتقل الكاتب فى الرواية من حكاية إلى أخرى، مزج حياته مع القصص الخيالية، ليصنع عملًا ممتعًا متماسك البنية، حدد الكاتب البيئة المكانية للرواية وهو لبنان حيث ولد رشيد، فهناك بعد نفسى ارتبط بهذه البيئة، نابع من نشأته وطفولته التى قضاها بها، أما بالنسبة للبيئة الزمنية فظل المؤلف يتنقل بين الاسترجاع والاستباق والديمومة، فيستطيع التجول عبر الذاكرة بحرية.. أما أسلوب الكتابة فيصنف تبع «الأسلوب الذهنى» من الدرجة الأولى، والذى لا يتضمن حبكة، أو استخلاص بداية ونهاية لها.


فى آخر الرواية كتب المؤلف ميتاليتراتورا صغيرة عن الكتابة فقد ذكر الأسباب التى دفعته للتدوين، فهى علاج للأزمات النفسية وصرخة ألم للكاتب أو لتوثيق حياته، أو رغبة فى الخلود، فلا يمكن حصر لأسباب الكتابة هو فى النهاية سبب غامض، لكنه لا يجعلك سعيدًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات