.

«تراب الماس».. الوقت المهدر لصناعة فيلم!

Foto

كيف أفسد صناع الفيلم التشويق والإثارة فيه وجعلوه باهتًا؟ لماذا احتوى الفيلم على كثير من الأدوار الهامشية دون أية إضافة؟


«تراب الماس» واحد من الأفلام المرتقبة لموسم عيد الأضحى 2018، ربما مرتقب أكثر من اللازم بسبب التأجيلات العديدة التى حظى بها هذا المشروع منذ كان منتظرا أن يكون فيلما لأحمد حلمى، ليصل إلى يد مروان حامد، ويكتب له السيناريو أحمد مراد صاحب الرواية المقتبس منها العمل.

 

ضم طاقم العمل عددا كبيرا من الأسماء اللامعة، على رأسهم فى دور البطولة آسر ياسين، ومنة شلبى، وإياد نصار، وأحمد كمال، وماجد الكدوانى، ومحمد ممدوح بالإضافة إلى شيرين رضا وصابرين وعزت العلايلى وعادل كرم.
وهى عادة سينمائية مصرية جديدة تقتضى جمع أكبر عدد من النجوم لحشدهم على بوستر الفيلم إبهارا للجماهير بهذا الإنتاج الضخم الذى يحتوى على وجوه جذابة، حتى لو كان الأمر فى أدوار صغيرة وغير مهمة من الأساس، كما رأينا فى دورى كل من «محمد الشرنوبى» و«تارا عماد» أنه يمكن حذفهما دون أن يضر ذلك بالفيلم بل قد يفيده، وهذا ما سأتناوله بالتفصيل فى النقطة التالية.

 

كما احتوى الفيلم على الكثير من الخطوط الفرعية التى لم يكن من الممكن حذفها فقط بل من الواجب حذفها لأنها أضرت بقصة الفيلم، وجعلته أطول من المفترض، وأصابت المشاهد بالملل لدرجة أن قاعة السينما ضجت بحمد الله عندما بدأت الاستراحة التى طال انتظارها طويلا.
 

تبدأ أحداث الفيلم بجريمة قتل لشخص مقعد، حيث نعرف من خلال الفلاش باك بعد ذلك مقدمات هذا الحدث، ونتابع مع الابن طه بحثه عن قاتل والده واكتشافاته المثيرة عن ماضيه.
 

من المعروف أنه خلال معالجة الأعمال الأدبية إلى صورة سينمائية يتم تغيير الكثير من التفاصيل أو حذف بعضها وإضافة الآخر حتى تلائم الوسيط الجديد، ولكن الأزمة الحقيقية التى وقع فيها أحمد مراد للمرة الثانية خلال وضعه سيناريو لإحدى رواياته بعد «الفيل الأزرق» احتفاظه بكل تفاصيل الرواية، فيقدم فى النهاية فيلما مترهل السيناريو، يمتلئ بالكثير من التطويل والشخصيات التى لا تدفع بالأحداث ولا تسهم فيها، بل تمثل عبئا عليها.
 

هذه الإضافات كذلك أخرجت الفيلم عن نطاق نوعه السينمائى، الذى لو أخلص له صناعه لشاهدنا هذا العام فيلم تشويق وإثارة من الطراز الأول، فـ«تراب الماس» كرواية وقصة فيلم تحتوى على بذرة جيدة جدا لعمل محكم حول جريمة قتل غامضة، وسلاح مميت غير مألوف، وشخصيات عادية تقترف الفظائع لأسباب غير متوقعة، ولكن أخذنا الفيلم يمينا ويسارا، خصوصا فى الخط الخاص بشخصية سارة «منة شلبى» والإعلامى الذى أدى دوره «إياد نصار» لنجد أنفسنا فى زحام علاقة لم تتداخل مع الأحداث أو تقدم لها، ربما رغبة فى إضافة المزيد من البعد الاجتماعى للفيلم ولمسة نقدية للواقع الإعلامى فى مصر.
 

النقطة الثانية التى عابت السيناريو هى تكرار الكثير من المشاهد مرات متعددة، مثل مشهد مقتل الأب، الذى افتتح به الفيلم، ثم عدنا له مرة أخرى بعد الفلاش باك، وتمت إعادته خلال الأحداث التالية عدة مرات! أيضا من المشاهد المتكررة تأثير «تراب الماس» على ضحاياه، فليس من المفترض مع تكرار هذه الجريمة أن نظل بجوار الضحية ننتظر وفاتها، بل حدوث ذلك مع القطة فى بداية الفيلم كان كافيا للغاية وترك الباقى لخيال الجمهور.
 

أما عن الشخصيات فلم يتم التأسيس لها تقريبا، فلا نعلم على سبيل المثال لماذا الابن طه يعمل فى الصيدلية للصباح، وهل له عمل آخر؟ هل مجرد نصيحة من الجد للأب على فراش الموت كافية لخلق هذه الشخصية المعقدة؟ الضابط الفاسد وليد، هل المرأة التى معها فى أول مشهد هى زوجته أم عشيقته؟ أسئلة كثيرة لم يجب عنها مراد لجمهوره، على الرغم من اهتمامه بتقديم المعلومات المجانية للمشاهد طوال أحداث الفيلم.
 

فيلم الإثارة والتشويق يجب أن يطرح على المشاهد العديد من الأسئلة ويُعطى المعلومات بكميات ضئيلة فقط لتجيب عن سؤال واحد يُطرح بدلا من عشرة، لكن السيناريو كان يطرح الإجابات مع الأسئلة، فكسر حدة التساؤل لدى المشاهد طوال الوقت، وجعله فقط متابعا للأحداث غير متفاعل معها، فلماذا يتفاعل إن كان فى نصف الفيلم تقريبا عرف كل شىء عن الحبكة والمبررات والقاتل؟
 

وهذا تكرر مرة أخرى إخراجيا، فنجد منذ بداية الفلاش باك الكثير من المعلومات التى يتم توضيحها للمشاهد، وتكرارها عدة مرات لزيادة ترسيخها فى ذهنه، وذلك عبر الكلوس أب أو اللقطات المقربة على نجمة داود أعلى بوابة المنزل، لم يتم فقط استخدام الكلوس أب لكن أيضا توقفت الكاميرا للحظات أمام النجمة لزيادة الاستيعاب، فى أسلوب بالإضافة إلى إنه يضيف دقائق بلا داعٍ لعمر الفيلم الطويل من الأساس، ولكن كذلك يُشعر المشاهد أن صناع العمل لا يثقون فى ذكائه بما فيه الكفاية فيقومون بسقايته المعلومات بالملعقة، وتكرر هذا مرة أخرى فى الكلوس أب على الجدران فى المشهد التالى مباشرة لإظهار صورة محمد نجيب واهتمام الخواجة ليتو بتنحيته، ليتم بعد ذلك تعضيد ذلك بالحوار الذى يقول نفس المعنى، كما لو أن الصورة لا تغنى عن الكلمات فى العمل السينمائى!
 

تكررت اللقطات المقربة بعد ذلك بصورة مفرطة، والأهم أنها بلا مبرر منطقى، كما فى مشهد موت الجد، أيضا استخدام الكاميرا المهتزة فى بعض المشاهد جاء غير موفق لأنه بالإضافة لتشتيت تركيز المشاهد، هو لم يقل شيئا يذكر، كما حدث بالضبط مع ارتفاع صوت الموسيقى التصويرية فى مشاهد الإثارة والساسبنس والتى لا تحتوى فى الحقيقة على أى إثارة، لأنها متكررة كل مرة بذات النمط، شخص أمام كوب من الشاى على وشك شرب تراب الماس!
 

أما عن إدارة مروان حامد لطاقم تمثيله فلم يكن على القدر المنتظر مع هذا العدد الكبير من المواهب، فالأداء جاء معقولا من جميع الممثلين دون أى علامات إبهار حتى من «أحمد كمال» واحد من أفضل ممثلى جيله، نستثنى من ذلك بالطبع الموهوب بشدة والقادر على سرقة اهتمام الجمهور من أى نجم أمامه «ماجد الكدوانى» الذى كان روح العمل الحقيقى بتقمصه الكامل للشخصية وخفة ظله، كما لو أن الجزء الخاص به من السيناريو بالفعل مختلف عن باقى الممثلين، بالطبع هناك ممثلون خارج المنافسة وذلك لأن أدوارهم هامشية للغاية، كالممثلة «صابرين» فى دور العمة التى ظهرت فى عدة مشاهد بسيطة.
 

فى النهاية «تراب الماس» فيلم مسلٍّ يعيبه الطول الشديد، والخطوط الفرعية الكثيرة، ولكنه ليس على قدر التوقعات للأسف، ويعتبر فرصة مهدرة لتقديم فيلم تشويق وإثارة مميز للغاية.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات