.

لماذا جعلوا نجيب محفوظ فى مرمى الإرهاب؟

Foto

هل كان نجيب محفوظ خطرًا على الحركة الإسلامية فعلًا؟ مَن القتلة الحقيقيون وراء محاولة اغتيال أديب «نوبل»؟ لماذا يكره الإسلاميون الأدب والأدباء؟


ستظل محاولة اغتيال الأديب العالمى نجيب محفوظ، عملية ذات دلالة قاطعة على كراهية الإسلاميين للأدب والأدباء، كراهية أكبر مما يتوقعها الباحثون، تلك الكراهية سببها كامن فى نفوس الإسلاميين، قد لا يبيحون وربما لا يعترفون بها، فالإسلاميون يكرهون الأدب لأنه يؤسس لحياة عقلية مبدعة يغذيها الخيال الخصب، وهذه الصفات يفتقدها الإسلاميون جدًّا ويكرهون مَن يتحلى بها ويحاربون مَن يدعو إليها، فقد جرَّف عقولهم التشدد والتطرف والكراهية، لأن كل ما هو مبدع وكل ما هو إبداع يحتاج إلى خيال وتفكير مستقل، والأهم القدرة على تقبُّل الآخر وتفهُّم موقفه، لهذا لا يفهم الإسلاميون أى عمل إبداعى وبالتالى يتم تصنيفه على أنه عمل عدائى ضد الإسلام وخطر على الحركة الإسلامية، وإبداع نجيب توج بحصوله على «نوبل» للأدب، فصار نجيب فى مرمى الإرهاب.

 

لم يكن نجيب محفوظ فى يوم من الأيام يمثل خطرًا مباشرًا على الحركة الإسلامية، فلم يُعرف عنه عداؤه لهم، ولم يُضبط يومًا ما بتصريح ضدهم، فلماذا أرادوا اغتياله؟! وتساءل الناس وقتها: مَن ذاك المجرم صاحب القلب الغليظ الذى يقدم على قتل رجل فى الثمانين من عمره؟! ووقتها استبعدت الجماهير أن يكون القاتل من الإسلاميين، فالإسلاميون يستهدفون رجال السلطة ورجال الشرطة فقط، فمَن له مصلحة فى قتل أديب مصر والعالم العربى؟! مَن يريد إطفاء جذوة الإبداع التى أنارت ليالى الجهل برواياته الفريدة وشخصياته الشهيرة؟! مَن يريد الانتقام من رجل لم يعد له أعداء؟! فقد فارقه بالموت منذ سنوات رفقاء قشتمر حرافيش الأدب والفن والسياسة! أذكر وقتها أننا ظننا أن شخصيات سياسية بعينها هى التى كانت وراء الاعتداء على نجيب ظنًّا منها أنه ربما تعرض لها فى رواياته، وزاد من شكوكنا سرعة إلقاء القبض على المتهمين الذين اعترفوا بجريمتهم التى تحدثوا عنها بندم بعد مرور سنوات على محاولة الاغتيال، وسيظل السؤال الحائر: كيف سوَّلت لهم أنفسهم قتل الأديب المسن؟! إن محاولة قتل نجيب لم تبدأ يوم طُعن أمام منزله، بل بدأت يوم تُرك الشيخ الذهبى يُقتل، وفرج فودة يُقتل، وأن تتصدر فتوى إباحة دمائهما المصانة على صفحات مجلات وجرائد التيار الإسلامى، يوم تمت فتوى تبرئة القتلة.
 

دون مراجعة قد لا يعلم كثير من الناس أن الإسلامى «بعد أن يصبح إسلاميًّا» لا يعوزه سبب مقنع للقتل ولا يحتاج إلى دافع اجتماعى أو سياسى لارتكاب جريمته، كل الذى يحتاج إليه هو فتوى بإهدار دمه، فتوى يلقى عليها كل تبعات الجريمة، لهذا لم ينسَ أبناء الجماعة الإسلامية فتوى الدكتور محمد مزروعة الذى كان قد أفتى رسميًّا فى شهادته أمام المحكمة فى قضية اغتيال فرج فودة، حينما سألته المحكمة: «هل من حق الرعية إقامة الحدود؟» فأجاب: «يجوز لآحاد الرعية إقامة الحد حتى فى وجود الحاكم المسلم إن لم يقم الحد»، فتوى قاتلة بكل المعايير، فلك أن تتخيل صبية معلوماتهم الشرعية محدودة جدًّا، وها هو عالم من الأزهر صاحب كلمة مسموعة ويعلن تلك الفتوى أمام جهة رسمية وتُنقل عنه للناس ولا يرده أحد ولا ينكر عليه عالم فى مقامه أو شيخ الأزهر أو أى أحد. فهذا يعنى أن كلامه صحيح، لهذا لم يحتاج هؤلاء الصبية الذين لم يتجاوز عمر أكبرهم واحدًا وعشرين عامًا أكثر من هذه الكلمة، ليعتبروا أن ما جاز فى حق إهدار دم الدكتور فرج فودة يجوز فى حق إهدار دم الأديب نجيب محفوظ، خصوصًا أن هناك احتفاءً رسميًّا من الدولة بنجيب محفوظ بعد حصوله على جائزة «نوبل».
 

وفى الوقت نفسه تعالت أصوات المحرضين من الكتاب والشيوخ والوعاظ بأن «نوبل» جاءت لرواية «أولاد حارتنا» وأنه قد تجاوز فيها فى حق الذات الإلهية، وأنه صور الأنبياء بصور فيها انتقاص منهم، والعجيب أن المجموعة التى نفذت الجريمة لم تقرأ الرواية ولم تكوِّن رؤية مضادة لفكر نجيب، هى فقط أبناء التيار الإسلامى الذين تم إقناعهم أن المجتمع لم يعد إسلاميًّا والحكومة تحارب الإسلام، بدليل أن كاتب مثل نجيب محفوظ يدعو إلى الإلحاد، وهاهى الدولة تكرمه، وانبرى دعاة التيار الإسلامى فى الهجوم على نجيب وعبَّؤوا الأجواء ضده، هؤلاء كانوا أخطر من حملة السلاح، هؤلاء هم أصل الداء، ولعل من الكتب العجيبة التى كفَّرت نجيب بالتلميح كتاب اسمه «كلمتنا فى الرد على رواية أولاد حارتنا» للشيخ عبد الحميد عبد العزيز كشك، يبدأ كشك فصله الأول فى الإشارة إلى خطورة رواية «أولاد حارتنا»، ويرى أنها تمس المقدسات الإسلامية، وأن محفوظ جعل من الشيوعية الماركسية والاشتراكية العلمية بديلًا للدين وللألوهية وعبادة الله سبحانه وتعالى. صدر هذا الكتاب فى عام 1994م، ورغم أن رواية محفوظ صدرت فى عام 1959، فإن التيار الإسلامى تكاتف فى الهجوم على نجيب، خصوصًا بعد حصوله على جائزة «نوبل» التى من الممكن جدًّا أن يتسابق الشباب للتعرف على أدبه ومن ثَمَّ يتكون لديهم وعى مختلف عما كان يخطط أبناء الحركة الإسلامية، خصوصًا أنهم كانوا فى أوج سيطرتهم الفكرية على الحياة الاجتماعية والفكرية.
 

واستمر الهجوم على محفوظ نفسه، فهو كافر، ملحد، علمانى، ماركسى، حاقد على الإسلام، أدبه يحض على الدعارة، أولى به أن يُرجم، يخدم الماسونية، يكتب روايات قذرة، رواياته تعبِّر عن الجنس والإلحاد، عار على البشرية، فكره منحرف، مناهض للثوابت الإسلامية، لا توبة له، لا فائدة من تنصله من رواياته، لأنه سيدخل النار حتمًا، ومع تكثيف التكفير بالتلميح دون التصريح انبرى خمسة من الشباب المتحمس الذى كان يعتقد أنه يتقرب إلى الله بتطبيق الحدود، وهم: باسم خليل، كان عمره آنذاك 27 عامًا، ومحمد المحلاوى ومحمد ناجى وحسين بكر وعمرو محمد إبراهيم، واتفقوا فى البداية على أن يرتدى باسم ملابس رجل خليجى ومعه محمد ناجى يمثل أنه سائقه، ومن ثَمَّ يصعدان إلى شقة محفوظ، ومعهما هدية قيمة، ويدَّعى باسم أنه يرغب فى أن يوقع له على «أوتوجراف» مدعيًا أنه اضطر للحضور إلى منزله قبل موعد الطائرة مباشرةً، وأن تتم عملية الاغتيال داخل المنزل.. وبالفعل صعد باسم وناجى إلى الشقة، لكنهما فوجئا بعدم وجود محفوظ فسلَّما الهدية التى كانت عبارة عن بوكيه ورد وعلبة شيكولاتة فاخرة لزوجته، وأخبرها باسم بما كان متفقًا عليه ثم انصرفا، ثم حضر بكر وعمرو محمد إبراهيم ومحمد ناجى أمام بيت محفوظ وفوجئا بسيارة تقف أمامه، فقام ناجى بالتوجه إلى الأديب وطعنه فى رقبته قبل أن يستكمل الجلوس فى السيارة، وكان صاحب السيارة هو الطبيب البيطرى محمد فتحى صديق محفوظ، وجاء ليصطحبه إلى الندوة التى كان يلتقى فيها عددًا من المثقفين فى كازينو قصر النيل، فما كان منه أن ترك السكين مكانه دون نزعه وسارع إلى أقرب مستشفى، ليتمكن فى النهاية من إنقاذ أديب مصر، وتظل المحاولة دليلًا على تفشِّى الكراهية للأدب والأدباء والإبداع والمبدعين، ويظل هؤلاء الظلاميون يحملون الكراهية لكل رمز وكل مَن يحاول أن ينير وعى الجماهير.. فهل تعلمنا الدرس أم ما زال فى المجتمع مَن يبرر أفعالهم بدءًا بمَن أفتى بإباحة الدم ومرورًا بالمحرضين ومعبئى الأجواء، وصولًا إلى الفاعلين والمدافعين والمبررين لهم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات