.

أصداء تأملات نجيب محفوظ

Foto


 

 

ترجمة: أميرة جبر عن «جارديان»

 

سيد الواقعية التفصيلية والسرد القصصى الرائع لا تزال عبقريته معروفة قليلًا لقراء الإنجليزية.
ولد نجيب محفوظ، الروائى الحائز على جائزة نوبل من مصر، منذ أكثر من ١٠٠ عام، يوم ١١ ديسمبر ١٩١١، فى عائلة كبيرة ومرحة فى الجمالية، الحى القاهرى الصاخب، حيث تدور أحداث الكثير من كتبه. وحقًّا، كان هناك كتب كثيرة (أكثر من ٣٠ رواية ومجلدات عديدة من القصص، فقد كتب ٣٥٠). وتظهر تأملاته الساخرة المختصرة المؤثرة فى أحد كتبى المفضلة «أصداء السيرة الذاتية» «١٩٩٤» والذى يبدأ بتأمل فكرة الثورة فى مصر، وينتهى المقطع بصرف الطفل محفوظ ذى السنوات السبع عن المدرسة التى أغلقت أبوابها مؤقتًا بسبب الثورة: «ومن صميم قلبى دعوت الله أن تدوم الثورة إلى الأبد!».
أعتقد أنه كان دائمًا ثوريًّا بطريقته الخاصة، قاوم وفى الوقت نفسه أحب الطرق المصرية المقدمة بمودة فى أدبه الغزير. وعلى الأرجح جاء استحقاقه الرئيسى للشهرة، على الأقل فى الغرب، من ثلاثية القاهرة الغنية (بين القصرين) و(قصر الشوق) و(السكرية). وتتتبع هذه الكتب حياة وعصر رب أسرة مصرى على مدى ٣ عقود، بدءًا من الثورة ضد الاحتلال البريطانى عام ١٩١٩ -وهى نقطة تحول فى التاريخ المصرى ألهمت محفوظ الذى كان وطنيًّا غيورًا- وتمتد إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. إنه عمل غنى وأخاذ يقدم «بورتريه» واقعيًّا مفصلًا للقاهرة، رسم مقارنات مع سادة أوروبيين من أمثال بالزاك وتولستوى وديكنز.
قال لى محفوظ عندما التقيته فى قهوة قديمة بالقاهرة: «لقد قرأت الكثير من الروايات الأوروبية عندما كنت شابًّا»، متابعًا: «واستمررت فى قراءتها، لابد أن يقرأ الكاتب». قضينا أمسية سَوِيًّا تحيط بِنَا مجموعة من أصدقائه القدامى الذين كثيرًا ما قابلوه للحديث واحتساء القهوة، وقال: «بالطبع، كان ديكنز مهمًّا لى بشكل خاص»، متابعًا: «ينكسر العالم أمامك فى كتبه، إنه النور والظلام، كل شىء موجود».
كان رجلًا صغيرًا ذا طاقة ضخمة وابتسامة سريعة على الرغم من أنه فى ١٩٩٤ هوجم من قبَل إسلامى أصولى كان رافضًا أعماله العلمانية فى غالبها، ونجح المهاجم فى قطع عَصب أصاب يده التى يكتب بها، مما عقَّد سنواته الأخيرة، لكنه استمر فى الكتابة بطريقة ما.
لقد هوسته الكتابة منذ سن صغيرة، وتزوج فى وقت متأخر وهو فى الأربعينيات، إذ فضّل تكريس طاقته لكتاباته، غير أنه عمل موظفًا عامًّا لعقود، واستقال عام ١٩٧٢ من منصب فى وزارة الثقافة، وقال لى: «لطالما كنت أسعد جالسًا لدى مكتبى»، شارحًا كيف يكتب فى الصباح ويأكل بعد الظهيرة ويقضى أمسياته مع أصدقاء فى القهاوى.
وفى الوقت الذى جذبت فيه ثلاثية القاهرة جمهورًا واسعًا من القراء خارج العالم العربى، الأمر الذى أدى إلى جائزة نوبل عام ١٩٨٨، لم يُترجم قط جزء كبير من أعماله إلى الإنجليزية، محفوظ كاتب أعقد وأكثر تنوعًا مما يعرفه أغلب قراء غير «العربية»، إذ تمتد أعماله من الواقعية الاجتماعية إلى السرد القصصى الرائع على غرار «ألف ليلة وليلة»، انظروا، على سبيل المثال، إلى «أولاد حارتنا»، العمل الأدبى المبدع الذى نشر عام ١٩٥٩ وشكل نوعًا من الابتعاد عن التاريخ الإسلامى والإنجيلى.
ويتكون جزء كبير من التأملات فى «أصداء السيرة الذاتية» من محادثات مع الشيخ الخيالى عبد ربه التائه. وفى إحداها، يسأل المحاور الرجل الحكيم عن الآخرة، فيجيب: «إذا أحببت الدنيا بصدق، أحبتك الآخرة بجدارة»، ومما أعرفه عن كتبه، فقد أحب محفوظ الدنيا بعمق قلما نراه، وليس لدىّ أدنى شك أنه مرتاح وسعيد فى السماء.



 

جاى بارينى
شاعر وروائى وناقد أمريكى، تشمل روايته «The Last Station» و«Benjamin Crossing» و«The Apprentice Lover»، وله مقالات ودراسات نقدية عديدة وكتب سير ذاتية عن جون ستاينبك وروبرت فروست وويليام فوكنر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات