.

رحلة مخرج «أبو العلا البشرى» من «أحلام الفتى الطائر» إلى أحلام الرقيب

Foto

هل تحولت لجنة الدراما التابعة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إلى أداة لضرب الدراما وتقييدها؟! هل سأل رئيس لجنة الدراما نفسه سؤالًا هامًّا: لو كان صديقى أسامة أنور عكاشة حيًّا يُرزق ماذا سيكون موقفه من اللجنة ورئاستى لها؟!


نحن الآن فى عام 1978، حيث يعرض حاليا مسلسل «أحلام الفتى الطائر» للسيناريست الشاب «وحيد حامد»، وبطولة صاحب مدرسة المشاغبين وشاهد ماشافش حاجة نجم الكوميديا «عادل إمام»، وإخراج صاحب رائعة القاهرة والناس «محمد فاضل». وفى 2018 وبعد 40 عاما من العرض الأول للمسلسل، أصبح السيناريست الشاب كاتبا كبيرا ومن أشهر وأفضل كتاب السيناريو فى مصر، وأصبح نجم الكوميديا زعيم الفن المصرى بلا منازع، وأصبح صاحب «القاهرة والناس» مخرجا قديرا يمتلك رصيدا كبيرا من الأعمال المميزة، ويترأس لجنة الدراما التابعة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

رحلة طويلة خاضها المخرج محمد فاضل بدأت بالعائلة والناس، ومضت بأبنائى الأعزاء شكرا وحب فى الزنزانة وأبو العلا البشرى والراية البيضاء وعصفور النار والنوة وسكة الهلالى، وانتهت نهاية محزنة ومحبطة برئاسته لجنة الدراما، اللجنة التى يظن رئيسها وأعضاؤها أنهم جاؤوا لإعادة زمن الدراما الجميل وإنقاذ مصر من ويلات وخيبات الدراما الحالية، مع أنهم لا يدركون أنهم تحولوا رقباء، يعاملون المشاهد على أنه قاصر ليس لديه حرية الاختيار فى مشاهدة ما يريد واختيار ما يحب ورفض ما يكره، ويعاملون المبدعين على أنهم مجموعة من الموظفين يجب عليهم صناعة ما تحته خط والالتزام بإرشادات وتعليمات اللجنة الكريمة. لن يكون غريبا إذا أنشئت هذه اللجنة وتولى رئاستها موظف مثلا، أو فنان متوسط الشهرة والموهبة، لكنْ أنْ يتولى رئاستها مخرج كبير له رصيد محترم من الأعمال الهامة فهذا أمر يدعو للإندهاش والغضب والحزن كذلك.

كيف لمبدع ومخرج كبير أخرج الراية البيضاء وأبو العلا البشرى أن يتحول إلى رئيس لجنة يملى على المبدعين الجدد توصياته ونصائحه «التى ستتحول لقرارات وتدخلات فى القريب العاجل»؟ إلى متى سيتم التعامل مع المشاهد على أنه قاصر لا حق له فى الاختيار أو الرفض أو الحب أو الكره؟ مشاهد 2018 لا تهمه اللجنة ولا رئيسها ولا يهتم بها ولا بأخبارها، فنسبة كبيرة من الأجيال الجديدة تُقبل على الدراما الأجنبية إقبالا كثيفا، مع مشاهدة ومتابعة نسبة جيدة منهم للدراما المحلية وبسبب اللجنة وتوصياتها وأعمالها التى تحلم وتوصى بتنفيذها سيزداد الإقبال على الدراما الأجنبية وسيتم تجاهل مشاهدة المسلسلات المصرية تماما، فمع تقدم مستوى الدراما الأمريكية والإسبانية والخليجية، والتطور فى الخيال والأفكار والتكنيك لن يعود المشاهد لمشاهدة دراما اللجنة الموقرة.. «دراما البرطمانات» ذات المحتوى البليد، المعلب، المنغلق المباشر، فلا فن جاد وحقيقى يقدم بالتوجيهات والنصائح والإرشادات، يعامل مبدعيه على أنهم ترزية وحلوانية «خد فصلِّنا كام عمل عن الإرهاب، ولا شكلِّنا كام عمل كدا عن المواطنين الشرفاء». هذا عبث.. عبث لا يليق برئيس اللجنة أن يختتم حياته بفعله.

ثم هذا يقودنا لسؤال آخر، هل شاهد رئيس اللجنة وأعضاء لجنته الموقرة الأعمال الدرامية فى آخر سبع سنوات؟ هل شاهدوا «من دون ذكر أسماء: بنت اسمها ذات، سجن النساء، تحت السيطرة، هذا المساء، الجماعة» وغيرها من الأعمال المميزة؟ هل تابعوا تطور مستوى الصورة والتكنيك والأفكار؟ أم ما زال رأيهم أن الدراما المقدمة حاليا القليل منها جيد والكثير منها سيئ، دراما شوارع وبلطجة؟ وأن محمد رمضان يعلم الشباب الصغير مسك المطواة وخلع القميص وغيرها من الكلمات والجمل التى سمعناها ومللناها طوال الفترة الماضية؟ ألم تشارك الفنانة القديرة فردوس عبد الحميد، زوجة فاضل وشريكة رحلته، فى بطولة أحد مسلسلات رمضان فائقة النجاح؟

يا سادة، دراما البلطجة لم يعد لها وجود تقريبا، ومحمد رمضان لم يعد يقدم أدوارا من نوعية عبده موتة والألمانى، بل قدم فيلم الكنز، ويستعد لبطولة عمل من إخراج المبدع داود عبد السيد، ولو كان رئيس اللجنة تابع الدراما فى السنوات الأخيرة متابعة جيدة ومنتظمة لأدرك أن كل موسم رمضانى نخرج بأكثر من عمل متميز، يجب أن تكون من أولويات اللجنة الموقرة هى تشجيع وتكريم صانعى هذه الأعمال ومنحهم مساحة كبيرة من الحرية لإفراز أعمال أكثر جودة، وليس كتابة ورقة عمل بما يجب التركيز عليه وما لا يجب التركيز عليه!

هل يتذكر السيد فاضل كيف رد السيد أبو العلا البشرى على انحلال وتغير ثقافة المجتمع من وجهة نظره؟ رد بتأليف كتاب «الحل العصرى لمشكلات المجتمع المصرى». هل يتذكر كيف واجه البشرى انحراف ابن زوجته الفنى فى «أبو العلا 90»؟ واجهه بسعيه لإنشاء مؤسسة ثقافية وفنية تنتج أعمالا راقية ومحترمة، هل سعى أبو العلا لتشكيل أو الانضمام للجنة؟ هل قاطع ابن زوجته ورمى طوبته؟ هل واجه السيد مفيد أبو الغار طوفان فضة المعداوى بنفس أسلوبها وطريقتها؟

هل يتذكر السيد فاضل صديقه ورفيق دربه أسامة أنور عكاشة لو كان حيا، ماذا سيكون رأيه فى اللجنة ورئاسته لها؟

أعتقد أنه لو كان حيا سيكون رأيه قاسيا وحادا للغاية.

هل لو السيد فاضل غزير الإنتاج حاليا كما كان فى الثمانينيات والتسعينيات، هل كان سيترأس اللجنة؟ أم أن الإنتاج توقف فاللجنة جديرة بالرئاسة فى الوقت الحالى؟

مشكلة كبرى يواجهها العاملون فى المجال الفنى والصحفى فى مصر، فبعض المبدعين الذين توقف إنتاجهم وخرجوا على المعاش الفنى والصحفى يعتقدون ويظنون بل ويؤمنون أن الفن على أيامهم هو أفضل فن، والصحافة كانت أرقى صحافة، ويتحولون تلقائيا ممتعضين وقرفانين من أعمال الأجيال التالية، وإذا تولى أحدهم رئاسة لجنة تحول إلى واصٍ ورقيب، عاصفا بكل ما كان يقوله ويفعله ويؤمن به فى سنوات شبابه. هذا هو العجز فى أقبح صوره.. عجز عن الاستمرار والوصول لشرائح عمرية جديدة، عجز عن مواجهة الفكر بالفكر والفن بالفن والحجة بالحجة، عجز مهنى وفنى وصحفى استسلمت له بعض الأسماء الكبيرة فتحولوا من مبدعين إلى رقباء وأوصياء ورؤساء لجان.

من المؤسف والمحزن والمقبض أن بعد مرور 40 عاما على عرض «أحلام الفتى الطائر» يحلم مخرجه أحلاما أشد انغلاقا وبؤسا من أحلام بطله إبراهيم الطاير.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات