.

أيام فرناندو بيسوا الأخيرة

Foto

أقلقه الكتاب لأنه كان لشاعر غير معروف له، خصوصًا أنه لم يستطع أن يتركه طوال رحلة القطار، بل قرر لعمق تأثره به أن يتعلم اللغة البرتغالية حتى يقرأ أعمال الشاعر فى لغتها الأصلية


بدأت الحكاية عندما وقعت عينا الكاتب الإيطالى «أنطونيو تابوكى» وهو عائد بالقطار إلى إيطاليا، بعد أن أمضى فى باريس عدة سنوات للدراسة، على ترجمة فرنسية لديوان للشاعر البرتغالى «فرناندو بيسوا» كان بعنوان «طبركيا»، أى «دكان بيع تبغ»، لـ«آلبارو دى كامبس»، أحد مخلوقات فرناندو بيسوا.


أقلقه الكتاب لأنه كان لشاعر غير معروف له، خصوصًا أنه لم يستطع أن يتركه طوال رحلة القطار، بل قرر لعمق تأثره به أن يتعلم اللغة البرتغالية حتى يقرأ أعمال الشاعر فى لغتها الأصلية، وهو ما نفذه فعلاً فى العام التالى حين رحل إلى لشبونة، وبإصرار عنيد تعلّم اللغة البرتغالية، وراح يتعمّق فى عالم بيسوا الشعرى.

وساعده القدر مرة أخرى حين عمل مديرًا للمركز الثقافى الإيطالى فى البرتغال لسنوات عديدة مكّنته من أن يتفرّغ لشاعره الحبيب. وهناك استطاع أن يتزوج، وأن يغوص فى عالم «بيسوا» الشعرى، وأن يكتب حوله عددًا من الدراسات، جمعها بعد ذلك فى كتاب بعنوان «حقيبة مليئة بالناس». وكان كلما تعمّق فى عالم بيسوا، ازداد تدلُّهًا فى حبّه وافتتانًا به، لكنه لم يحتفظ بكل هذا الحب لنفسه، بل قرر أن يشرك الإيطاليين معه حتى يستمتعوا هم أيضا، فقام بالتعاون مع زوجته بترجمة أعماله الكاملة إلى اللغة الإيطالية.


لكن الحكاية لم تنتهِ بسهولة؛ لأن شخصية الشاعر الكبير كانت خلال كل تلك السنوات تتغلغل فى أعماق أنطونيو تابوكى، لتعيش حيّة، قويّة، نابضة، مجلجلة مسيطرة، يظللها الحب، ويزكّيها الإعجاب، وهو ما استمر خلال حقبة الثمانينيات. وربما، عندئذ، بدا هناك صدع كبير عانى منه «تابوكى»، ربما دون وعى؛ ففى الوقت الذى كان فيه الشاعر الكبير يعربد داخله قويًّا، هادرًا، كان فى الواقع الخارجى قد مات منذ زمن بعيد «1935»، وكان لابد للكاتب أنطونيو أن يتحرر من سطوة هذه السيطرة، وهو ما تحقق مع بداية حقبة التسعينيات، حين انتفضت مخيلته الإبداعية، وخاضت صراعًا مريرًا، لتدرأ هذا الخطر وتبعده عن كاهله، فنشطت تعمل محمومة بكامل قواها لرأب هذا الصدع. ولم تكن مرحلة «الحمل» سهلة ميسرة، بل كانت أقرب إلى «هذيان» خاضت فيه شخصية بيسوا صراعًا مريرا بين تيارين متقابلين، أحدهما «خيالى» داخل الكاتب، كانت فيه شخصية الشاعر الكبير حيّة، فوّارة بالحركة، قوية، مهيمنة.

والتيار الثانى «واقعى» فى العالم «الخارجى»، كانت فيه تلك الشخصية قد «ماتت» وانتهى أجلها منذ زمن بعيد.


وحين انتهى الحمل، وآب الصراع إلى نهايته، لم يكن ممكنا أن يتم «المخاض» فى إيطاليا، ولا فى البرتغال، بل جاء على أرض فرنسية تكريما لدورها، إذ سبق أن أولته شرف التعرّف على عظمة ذلك الشاعر، فتدفق الناتج باللغة البرتغالية، التى أمتعته بثمار يانعة لذلك الشاعر.


هكذا ولدت رواية «هذيان»، التى تعنى اضطرابًا مؤقتًا بين الخيال والواقع، مؤكدة موت شخصية فرناندو بيسوا، من خلال عنوانها الفرعى «أيام فرناندو بيسوا الأخيرة»، وامتد إلى بناء الرواية الداخلى الذى تناول الأيام الثلاثة الأخيرة التى انتهت بموته، فكان ذلك تدشينًا فعليًّا لـ«موت» الشاعر الكبير فى وجدان الكاتب، ليتسق عالمه الداخلى مع الواقع الخارجى، إيذانًا بخلاصه، وإن منح بيسوا «حياة» فنية متجددة لا تفنى داخل الرواية!


تلك هى رواية «هذيان» للإيطالى أنطونيو تابوكى، ترجمة إسكندر حبش، وصدرت عن دار طوى، عام 2013.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات