أين اختفى المصحف الذى عليه قطرات دم عثمان بن عفان؟

Foto

هل استقر المصحف الإمام فى المسجد الحسينى فى مصر؟ ما عدد المصاحف التى أرسلها عثمان بن عفان إلى الدول الإسلامية؟ كيف وصل المصحف إلى أيدى البرتغاليين؟


تعرَّضت الدولة الإسلامية لخطر الانقسام مع استمرار اتساع الفتوحات فى عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، ذلك أن هناك بعيدًا عن مدينة رسول الله ومركز الحكم، اختلف المسلمون فى ما بينهم على قراءة دستورهم الأول والدائم: القرآن.

وكان ما نقله الصحابى حذيفة بن اليمان، للخليفة عما شاهده فى أثناء فتح أرمينية وأذربيجان فى عام 25هـ، من تكفير المسلمين بعضهم بعضًا بسبب اختلاف القراءات لكتاب الله، سببًا فى إقدام عثمان على جمع المسلمين على قراءة واحدة، فأمر بنسخ مصحف أبى بكر على قراءة قريش.


وثمة عدد من الآراء المختلفة حول إجمالى النسخ التى أتمتها اللجنة العثمانية، فيقول أبو بكر الدانى فى «المقنع» إنها أربعة وُزّعت على الكوفة والبصرة ودمشق وترك عثمان عنده نسخة لنفسه، ووافقه الزركشى فى ذلك، وجعلها السجستانى فى «المصاحف» سبعة توزَّعت على مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة والمدينة، وفى تاريخ اليعقوبى يحددها بتسعة مصاحف، وقال ابن الجزرى إنهم ثمانية.


ورغم هذا التضارب بين المصادر، فإننى أميل إلى أنهم ست نسخ، لأن كل هذه المصادر تتحدَّث عن إرسال الخليفة عثمان قارئًا مع كل نُسخة حتى يُعلم أهل البلد القراءة الرسمية للدولة الإسلامية، وإجمالى عدد القُراء لدينا خمسة: زيد بن ثابت للمصحف المدنى، وعبد الله بن السائب للمصحف المكى، والمغيرة بن شهاب للمصحف الشامى، وأبو عبد الرحمن السلمى للمصحف الكوفى، وعامر بن عبد القيس للمصحف البصرى.

بجانب المصحف الشخصى الذى كتبه الخليفة بيده وحبسه لنفسه، ولذلك تصبح أكثر الروايات منطقية هى أن عدد المصاحف العثمانية ستة مصاحف فقط، وكان طبيعيًّا أن تنال هذه المصاحف الستة اهتمامًا كبيرًا، وحفاوة بالغة، لأنها النسخ الوحيدة على سطح الأرض من كتاب الله، إلا أن نسخة واحدة حظيت بنصيب الأسد من الاهتمام، وهى نسخة الخليفة عثمان الشخصية، والتى كان يقرأ فيها وقت استشهاده عام 35هـ على يد مجموعة من المتمردين على حكمه.


وبمطالعة الكثير من المصادر والمراجع التاريخية التى اهتمت بالمصاحف عمومًا وبالمصحف الإمام خصوصًا، وتتبعته منذ سالت دماء عثمان عليه حتى استقر المقام فى أحد بلاد المسلمين، نجد أولى الروايات لدى المقريزى، حيث يقول إن المصحف الإمام اُستخرج من خزائن المقتدر بالله العباسى، ونقل إلى جامع عمرو بن العاص عام 378هـ، وتم نقله إلى أكثر من مكان، حتى أُودع فى المسجد الحسينى عام 1305هـ. غير أن المختصين بدراسة الخطوط أكدوا أن نوع الخط المكتوب به المصحف الموجود فى المسجد الحسينى مختلف عن الخط الذى كُتبت به المصاحف العثمانية. وثانية الروايات يقصّها ابن بطوطة فى ما كتبه عن رحلته إلى البصرة من أنه شاهد فى مسجد أمير المؤمنين علِى بن أبى طالب المصحف الذى كان عثمان، رضى الله عنه، يقرأ فيه لما قُتل وأثر تغيير الدم فى الورقة التى فيها قوله تعالى «فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم»، ويستبعد الباحثون أن يكون هذا هو المصحف الإمام لوجود نسخة أخرى أكثر مصداقية فى المغرب فى ذات الوقت الذى زار فيه ابن بطوطة البصرة.


والادعاء الثالث يتعلَّق بالمصحف الموجود فى طشقند بمكتبة الإدارة الدينية، والذى تزعم بعض المصادر أن الظاهر بيبرس أرسله هدية إلى بركة خان صهره وزعيم القبيلة الذهبية المغولية، وهذه رواية ضعيفة إلى حد كبير، ذلك لأن الثابت أن مصر لم يصلها من الأساس المصحف الإمام قط.

وتذهب مصادر أخرى إلى أن نسخة طشقند هى نفسها النسخة التى رآها ابن بطوطة فى البصرة، وانتقلت إلى سمر قند على يد تيمور لينك، ومنها إلى طشقند، ويرفض عدد كبير من الباحثين هذه الرواية أيضًا، لظهور الصنعة الفنية فى هذا المصحف، ممثلة فى رسم الحروف بالنمط المتبع فى القرن الثانى أو الثالث الهجرى.

وصاحب الرواية الرابعة إسماعيل بن عبد الجواد الكيالى، الذى يقول إنه شاهد المصحف الإمام فى مسجد قلعة حِمص، وأنه كان مكتوبًا بالخط الكوفى الغليظ، الأمر الذى يؤكّد معه أهل الاختصاص بالخطوط أن هذا النوع يعود إلى ما بعد القرن الأول الهجرى.

والرأى الخامس مرتبط بالمصحف الموجود بمتحف «قابو سراى» بإسطنبول والذى لا تزال عليه إلى الآن آثار دماء عثمان، غير أنه مع التدقيق والفحص تبين أنها رقوش ودوائر بداخلها رسوم هندسية.


وفى بحثها القيّم والمحترم «أضواء على مصحف عثمان بن عفان ورحلته شرقًا وغربًا» تقتفى الدكتورة سحر السيد عبد العزيز أثر المصحف الإمام بدقة.

ويقول البحث إن المصحف استقر لدى خالد بن عمرو، حفيد عثمان بن عفان، من جهة الأب، وحفيد معاوية بن أبى سفيان من جهة الأم، وظل معه حتى فُقد فى أثناء الفتنة التى وقعت فى المدينة فى خلافة أبى جعفر المنصور.

ويذكر ابن عبد الملك الأنصارى وابن مرزوق رواية على لسان شخص يُسمى أبو بكر محمد بن يعقوب بن شيبة، أن جده يعقوب شاهد المصحف الإمام فى العراق عام 223هـ عندما بعث به المعتصم العباسى، لتجدد دفتاه ويُحلى، وأنه رأى فى أوراق كثيرة من المصحف أثر الدم، خصوصًا فى سورة «النجم»، وأن طوله نحو شبرين وأربعة أصابع، وكل صفحة تشتمل على 28 سطرًا.


وبعد رحلة قصيرة وصل المصحف إلى الأندلس سنة 238 مع عبد الرحمن الأوسط، وبقى هناك حتى ارتحل إلى المغرب على أيدى الموحدين فى السنوات الأولى من دخولهم الأندلس عام 552هـ، لحمايته من التعرض لهجمات القشتاليين على قرطبة. لكن المصحف تعرَّض للنهب بعد هزيمة الموحدين، واستقر به المقام لدى أمراء تلمسان حتى عام 702هـ، بعدها ظفر به علِى بن عثمان المرينى.


وكان آخر العهد بالمصحف الإمام سنة 745هـ، حين استرده المرينيون من البرتغاليين الذى استولوا عليه بعد انتصارهم فى معركة طريف سنة 741هـ، ليبتلع التاريخ المصحف الإمام إلى الأبد.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات