ابن حزم الأندلسى الظاهرى

Foto

هل جعل الله للنص ظاهرًا للعامة وباطنًا لا يعلمه إلا الخاصة؟ إذا كان الله قد فصَّل لنا ما حرمه علينا، فلماذا يتأله الفقهاء على الله، ويحرِّمون ما يظنون أن الله قد أغفله؟


ربما يتم تسطيح فكر ابن حزم بأنه يأخذ بظاهر النص، ولكن الموضوع أكثر تعقيدًا من ذلك، فالقضية لها أبعادها السياسية والفقهية، فابن حزم كان تابعا للدولة الأموية فى الأندلس وكان قريبًا من أمرائها، بل تولى كثيرا من المناصب السياسية فى عصره، وفى نفس التوقيت الزمنى كان هناك فقه أهل السنة تحت مظلة الدولة العباسية فى العراق والشام وامتداداتها الإمبراطورية، وكانت هناك الدولة الفاطمية الشيعية بمذهبها الفقهى الإمامى، يأتى ابن حزم ليطيح بأهم الأسس الفقهية التى بنى عليها المذهب السنى، ويطيح أيضًا بأهم الأسس التى بنى عليها المنهج العرفانى الصوفى الموجود عند الفقه الإمامى، ولذلك لم تخلوا المذاهب الفقهية من سلطات سياسية حاضنة، ليست بالضرورة موجَّهة بالمعنى المباشر، ولكنها كانت علاقة تبادلية، وكثيرًا ما كان يحدث التعارض، فكانت سطوة السلطة السياسية تطيح بالفقهاء وتسجنهم، وكانت قادرة عن طريق المنح والمنع، أن تستميل بعضهم، أو على الأقل تلامذتهم وتوجيه مدرستهم الفقهية بعد ذلك، أو كانت قادرة على لجمهم فى أوقات معينة كما حدث مع الإمام مالك عندما تطرق لفتوى لها أبعاد سياسية، كبطلان طلاق المكره، وكانت لا تعنى إلا شيئًا واحدًاوهو جواز خلع البيعة للدولة العباسية فى هذا الوقت.


وقد قال عابد الجابرى فى كتابه «التراث والحداثة» عن ابن حزم:
فقد كانت دعوة ابن حزم هى دعوة إلى التمرد والثورة على المذاهب الفقهية «الرسمية» وبالتالى على سلطة الدولة -الدولة العباسية- التى تستمد شرعيتها الدينية من تبنيها لأحد هذه المذاهب، نقصد بذلك هجومه الحاد والعنيف على «التقليد»؛ تقليد المذاهب الفقهية.

إنه يرى ويؤكد أنه لا يحل لأحد أن يقلد أحدًا حيّا أو ميتًا، وكل واحد له من الاجتهاد حسب طاقته فالواجب على الإنسان، إذا لم يكن من العلماء، أن يسأل هؤلاء عن رأى الشرع، وعلى هؤلاء أن يشرحوا له الدليل حتى يكون على بينة من الأمر فيقرر بنفسه فيما سأل عنه وبذلك يكون قد تحمل مسؤوليته ومارس الاجتهاد حسب طاقته.

يقول: «إن من ادعى تقليد العامى للمفتى فقد ادعى الباطل وقال قولا لم يأت به نص قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس وما كان هكذا فهو باطل لأنه قول بلا دليل»، ويضيف قائلًا: «وليعلم كل من قلد صاحبًا أو تابعًا أومالكًا أو أبا حنيفة أو الشافعى أو سفيان أو الأوزاعى أو أحمد «ابن حنبل» أو داوود رضى الله عنهم، أنهم يتبرؤون منه فى الدنيا والآخرة.


اعترض ابن حزم أيديولوجيا الخلافة للدولة الفاطمية والفكر العرفانى على العموم، يقرر ابن حزم بقوة وحدّة: «إن دين الله تعالى ظاهر لا باطن، فيه جهر لا سرّ تحته، كله برهان لا مسامحة فيه. وإن رسول الله لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو ابنة أو عم أو ابن عم على شىء من الشريعة، كتمه على الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده عليه السلام رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه ولو كتمهم شيئًا لما بلّغ كما أُمر». هكذا ينسف ابن حزم الزوج «ظاهر / باطن» الذى يتأسس عليه الفكر العرفانى شيعيّا كان أو صوفيّا. أما الإلهام الذى يدعيه العرفانيون عمومًا، فهو فى نظر ابن حزم دعوى باطلة لا يمكن إثباتها إذا بطل الإلهام بطل القول بـ«تعليم الإمام».

إذًا فابن حزم نسف الأسس المعرفية التى يقوم عليها الفكر الشيعى كما رفض المبادئ التى تؤسس العقيدة السنية التى تتبناها الدولة العباسية، فما هو البديل الذى يقدمه.


ينطلق ابن حزم فى بناء مذهبه الفكرى العام «وليس الفقهى وحده» من المبدأ المعرفى التالى: «لا طريق إلى العلم أصلًا إلا من وجهين: أحدهما ما أوجبته بديهة العقل والحس، والثانى مقدمات راجعة إلى بديهة العقل والحس».

«فبديهة العقل والحس تمكننا من التمييز بين صفات الأشياء الموجودة ومن الاستدلال على حقائق كيفيات الأمور الكائنات وتمييز المحال منها». هذا المبدأ يطبقه ابن حزم سواء فى اكتساب المعرفة عن الطبيعة أو فى إثبات العقيدة أو فى فهم الشريعة.


من هنا نلاحظ أن ابن حزم نهى عن التقليد، وجعل كل الوسطاء بين السماء والأرض يتساقطون، ومن أراد أن يفتى، فليفتِ ولكن على المستمع أن يقبل أو يرفض تلك الفتوى، وأن كل فرد له حظه من الاجتهاد ورفض القياس وهى أحد الأمور المهمة فى تأسيس الفقه السنى، واتهم الفقهاء، أنهم بتحريم ما ليس محرما قطعا، حرموه ظنّا بالقياس واعتبر هذا مخالفا للشرع، وتشددا فى شروط الإجماع وحصرها فى فعل الصحابة، بما يعنى أنها ربما لا تتجاوز العبادات.


وهذا أهم ما فى الموضوع، أن دين الفقهاء ظنى، بل أستطيع أن أقول أنه مصنوع، لأنهم تزيدوا وحرموا ما لم يحرمه الله قطعا، رغم أن الله فصل لنا ما حرَّمه علينا، ولكن يبدو أن كثيرًا من الفقهاء، لم يقتنعوا بمساحة التحريم الضيقة، ورغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى الصحابة عن كثرة السؤال، استسلم الفقهاء لكثرة السؤال، وما من سؤال بلا إجابة، فلفوا وداروا وقاسوا وتزيَّدوا، ناهيك عن الشيعة الذين ادَّعوا الإلهام، فعلينا أن نجتهد لأنفسنا، ونحكم عقولنا، بعيدًا عن الحرام المفصَّل، أما من يريدون أن يسلبوا منا هذا الحق، ويدَّعون أنهم يعرفون باطن النص الذى لا نعرفه، فهذا ابن حزم يحسم القضية، وليس من المعقول أن الله جل جلاله، يجعل للنص ظاهرا للعامة وباطنا للخاصة ليحيِّر عباده ويجعل للوسطاء مكانا وسبوبة! حاشا لله وخصوصًا فى قضايا الحلال والحرام.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات