جامع محمد على

Foto

يبدو من بعيد أشبه بتاج متلألئ لقلعة صلاح الدين الأيوبى، ويمكن رؤيته من جميع أنحاء القاهرة تقريبا، ويعانق الفضاء بمنارتيه الرشيقتين وقبابه الفضية.


يعتبر جامع محمد على عثمانيا على الأقل على مستوى زمن البناء، ويبدو من بعيد أشبه بتاج متلألئ لقلعة صلاح الدين الأيوبى، ويمكن رؤيته من جميع أنحاء القاهرة تقريبا، ويعانق الفضاء بمنارتيه الرشيقتين وقبابه الفضية.

وقبله كان هذا المكان أطلالا لقصور الملوك الذين اتخذوا القلعة مقرا لحكمهم، وأزالها محمد على باشا ووضع حجر أساس الجامع عام 1244هـ.


ومحمد على كعادة ملوك وسلاطين مصر حتى عهده بدأ يفكر فى بناء هذا الجامع بمجرد أن أرسى قواعد دولته وقصوره بالقلعة وتخلص من منافسيه المماليك، وعهد إلى المهندس التركى «يوسف بوشناق» بوضع تصميمه، والمهندس التركى الوفى للثقافة المعمارية العثمانية وضع تصميما عثمانيّا أصيلًا اقتبس فيه تصميم جامع السلطان أحمد بالآستانة، وهذا بالطبع لم يزعج محمد على بل أسعده التشبه بجوامع سادته العثمانيين.


ومحمد على الذى دفن بمقبرة الجامع رحل بعد أن شاهد اكتمال أسواره وقبابه ومناراته والكتابات البديعة التى تزين شبابيكه الخارجية والداخلية بما فيها الكسوة الداخلية التى ما زالت على حالتها الأصلية حتى الآن.

أما الكسوة الرخامية بواجهات الجامع فلم يتم منها فى حياته إلا القسم الأسفل حتى الباب القبلى للصحن.


 وبعد محمد على تولى عباس باشا الأول إتمام الجامع، وتوالت عليه أعمال النقش والتهذيب والرخام، وأضاف عباس له أو لتصميمه الأول تركيبة رخامية فوق قبر محمد على باشا، ومقصورة نحاسية حوله، وأشرف على فرش الجامع وإضاءته بالنجف والثريات، ولم ينس طبعا حفظ هذه الجهود لنفسه وحفر اسمه على المقصورة النحاسية التى تحيط بالقبر، غير أن سعيد باشا استكثر عليه ذلك وأمر بمحو اسمه من مقصورة قبر محمد على.


ومعروف أن محمد على بانى الجامع ومؤسس مصر الحديثة والأسرة الملكية التى حكمتها حتى يوليو 1952م ولد عام 1769م فى ميناء «قوَله» اليونانى فى ظروف وأجواء تبشر بميلاد شخصية سياسية عظيمة، فوالده أحد قادة المدينة، وولد فى نفس يوم مولد نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا، وفى مقدونيا مسقط رأس الإسكندر الأكبر، ووالده أنجب 17 ابنا لم يبق منهم على قيد الحياة سواه، ثم إن والده نفسه قتل بأمر من الباب العالى العثمانى وهو ما زال طفلا فى الرابعة من عمره.


إبراهيم أغا والد محمد على كان رئيس حركة الطرق فى مدينة «قوَله»، وبعد مقتله المفاجئ تولى تربية محمد على حاكم المدينة، وزوَّجه واحدة من قريباته وهى أمينة نصرتلى التى كانت تمتلك ثروة طائلة.


وفى بداية حياته العملية اشتغل محمد على بالتجارة فى ثروة زوجته، ورغم أنه برع فى التجارة اتجه إلى العمل العسكرى، وعهد إليه حاكم مدينة «قوَله» بعملية جمع الضرائب من إحدى القرى وأبدى مهارة وحزما دفعَا حاكم المدينة إلى ضمه فورا إلى قائمة كبار قادته العسكريين.


فى ذلك الوقت كان محمد على شابّا وسيما عرف بالحماسة والانضباط والرياضة البدنية، وبعد أن حصل على رتبة «بكباشى» بجدارة، عينه حاكم «قوله» قائدا على عشرة من الجند، وبدأ يحلم بمستقبل عسكرى مشرق فى «قوله» بل فى مقدونيا بشكل عام، غير أن غزو نابليون بونابرت لمصر عام 1798م غيَّر مجرى حياته وأحلامه، وطالبت حكومة الباب العالى العثمانى حاكم «قوله» بإرسال قوة عسكرية مكونة من ثلاثمئة جندى للمشاركة فى الجيش الذى أعده الباب العالى لطرد الفرنسيين من مصر .


واختاره حاكم «قوله» مساعدا لابنه فى قيادة هذه القوة، وفى القاهرة رقّى محمد على إلى رتبة «سارى جشمه» أى قائد مكافأة لتفانيه وشجاعته فى موقعة أبى قير، وبناء على هذا المنصب المرموق وأيضا بسبب ضعف الولاة العثمانيين بدأ يتحين الفرصة للقفز على حكم ولاية مصر، وبدأ يعمل بدأب على زعزعة حكم العثمانيين، ليس من خلال التصادم أو إعلان التمرد كعادة الأمراء والقادة فى ذلك الوقت، لكن من خلال إعلان تأييده ومداهنته لهم بينما كانت يده تشعل نار غضب المصريين ضدهم فى الخفاء.

ولكى يتمكن من تنفيذ حلمه تقرب من خسرو باشا، وأعاده من ظلمات الأسر إلى كرسى الولاية فعينه خسرو باشا قائمقام الحكم.


وبعد خسرو ساعد محمد على خورشيد باشا حتى أصبح واليا على مصر، غير أن خورشيد استفاد من تجربة سلفه وبدأ يقلص سلطات محمد على، ونظرا لأنه أصبح قويا بدرجة تجعل من عزله شيئاً مستحيلاً فلم يكن أمام خورشيد فى سبيل التخلص من نفوذ محمد على سوى السعى لدى الباب العالى للإنعام عليه بولاية جرجا حتى يبعده عن القاهرة، وانتقل محمد على إلى جرجا، ثم أصدر خورشيد باشا فرمانا يقضى بمنعه من دخول القاهرة، لكن ذلك لم ينجح فى زحزحة محمد على عن طلب الولاية، وفى فترة قصيرة نجح فى إقناع العلماء والأشراف والأعيان وأهالى القاهرة عموما بأنه الوحيد الجدير بولاية مصر، وتظاهر الشعب المصرى بقيادة عمر مكرم حول القلعة حتى صدر الفرمان العثمانى بخلع خورشيد باشا وتعيين محمد على واليا على مصر فى 13 مايو عام 1805م.


وكان محمد على أميا حتى الأربعين من عمره، وكان مولعا ومؤمنا بالعلوم الحديثة فى سبيل تأسيس دولته العصرية، وأوفد البعثات إلى الغرب واهتم بتطوير الزراعة على أحدث الأساليب.


وكان محمد على بسيطا، لا يحب مظاهر الأبهة والترف، ورسومات الفنانين له تصوره رجلا وقورا بعينين براقتين وفى منتهى الذكاء واليقظة. ورغم أنه نجح فى تأسيس قواعد دولة حديثة وأنهى الحكم العثمانى وانتصر على الدولة العثمانية وكاد جيش ولده إبراهيم باشا يقتحم عاصمتها فقد ظل متمسكا بتبعية الخلافة العثمانية، وكل ما طلبه فى آخر أيامه «جعل ولاية مصر وراثية فى أولاده تحت الحكم العثمانى».


وظل محمد على واليا على مصر حتى اضطره المرض ومصالح القوى الاستعمارية الغربية للتنازل عنه لابنه إبراهيم باشا عام 1848م، غير أن إبراهيم الذى وصل به الخلاف مع والده حد الصدام العلنى رحل قبل أن يكمل أربعة أشهر فى الحكم، ولحق به محمد على عام 1849م، وبعدهما تعاقبت الأسرة العلوية على عرش مصر حتى يوليو 1952م.


جامع محمد على فى مجمله مستطيل الشكل وينقسم إلى قسمين، الشرقى منهما هو المعد للصلاة، والغربى يحتوى على الصحن الذى تتوسطه فسقية الوضوء، ولكل من القسمين بابان متقابلان، والشرقى يتميز بقبة مرفوعة على أربعة عقود كبيرة متكئة على أربع أكتاف مربعة تحيط بها أربعة أنصاف قباب، ثم نصف خامس يخفى بروز المحراب.


وجدران الجامع مكسوة من الداخل والخارج برخام الألبستر الذى جلب خصيصا من محاجر بنى سويف، وكذلك الأكتاف الأربع الداخلية الحاملة لقبة الجامع.


ومحراب الجامع فى الأصل من الرخام الخالص، وطاقيته زينت حديثا بزخارف تمثل أشعة الشمس، وبجواره منبر رخامى جديد صنع عام 1939م وهو موضوع بالقرب من المنبر الخشبى الأول أو الأصلى بالجامع، وهو يعتبر أكبر منبر فى القاهرة ومزين بنقوش بارزة ومذهبة.


وقبة الجامع محلاة بزخارف بارزة ملونة ومذهبة على شكل عقود وزهور يتوسطها هلال وعلى أضلاعها بالتناوب كتابات قرآنية.


وصحن الجامع محاط بأربعة إيوانات ذات عقود محمولة على أعمدة رخامية تحمل قبابا صغيرة منقوشة من الداخل ومغطاة من الخارج بألواح الرصاص، ويتوسط الإيوان الغربى برج من النحاس المخرم والمحلى بالنقوش والزجاج الملون، وبداخله الساعة الدقاقة، وهى مهداة للباشا من ملك فرنسا لويس فيليب عام 1845م.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات