جامع فاضل باشا بناه الأمير بشتاك وصادرته الأميرة ألفت

Foto

المئذنة تعتبر أعز ما يملكه الجامع على المستوى المعمارى، وهى من المآذن النادرة الباقية على تصميمها الأصلى


مئذنة جامع بشتاك «فاضل باشا حاليًّا» تطل على شارع بورسعيد، وبابه الجديد يفتح على درب الجماميز ويستطيع الواقف فوقها تأمل ملامح باب الجامع القديم بتجويفه العلوى المحلى بمقرنسات مركبة ذات دوال بديعة.


المئذنة تعتبر أعز ما يملكه الجامع على المستوى المعمارى، وهى من المآذن النادرة الباقية على تصميمها الأصلى، ورغم أن المؤرخ المقريزى ذكر فى خططه أنه تم تجديدها عام 1278هـ فإن العديد من المؤرخين نفوا ذلك وأكدوا أن المئذنة الحالية للجامع هى بذاتها المئذنة الأصلية ودللوا على ذلك بعدم تغير شكلها والكتابات التى تزينها.


 والجامع بنى عام 737هـ، وموقعه الحالى كان ضمن شوارع الضاحية الشعبية للقاهرة الفاطمية وأيضًا المملوكية، ورغم أن الجامع لا يتمتع باسم أى من ملوك مصر وسلاطينها، فإن بانيه ومجددته لم يكونا بعيدين عن ساحة الملك، بل كانا فى قلب كواليسها يبكيان دمًا على ضياع الملك، فالخيانة والرشوة وأيضًا تواضع الأصول حرمهما من سلطة كانا على بعد خطوة من القبض عليها، فبانى الجامع الأول كان يطمح لحكم مصر ولكن تواضع أصوله وقوة منافسه حالا دون ذلك.


  مجددة الجامع الأميرة ألفت هانم قادن زوجة إبراهيم باشا ابن محمد على، وابنها فاضل باشا الذى يتصدر اسمه لوحة الجامع الآن كان الأحق بالجلوس على كرسى ولاية مصر بعد أخيه الخديو إسماعيل، ولكن إسماعيل نجح برشوة السلطان العثمانى عبد العزيز فى أن يجعل وراثة عرش مصر فى أكبر أبنائه، وربما سارعت الأميرة ألفت بتجديد الجامع لتضع اسم ابنها عليه وتعوضه فى منفاه ومماته عن ملك كان يستحقه فى حياته.


بشتاك بانى الجامع الأصلى كان من أكثر الأمراء المماليك قربًا من الملك الناصر محمد بن قلاوون، ولا يرجع ذلك فقط إلى إخلاصه وتفانيه فى خدمة الناصر، ولكن أيضًا لأن ملامح وجهه ولون بشرته تشبه إلى حد كبير ملامح الأعداء التتار، ولحسن حظه أن الناصر كان مغرمًا بملامح التتار فى الجوارى والغلمان، واشتراه بستة آلاف درهم، وعينه فى كتيبة أو تحت إمرة الأمير بكثمر الساقى، وعندما مات ورث جميع أمواله وداره وإسطبله وجاريته الشهيرة خوبى، كما تزوج امرأته وأعلن حمايته على إقليم الشرقية الذى كان خاضعًا لإدارة بكثمر.


تركة بكثمر بما فيها نفوذه ضاعفت من مكانة بشتاك بين أمراء المماليك مما جرَّ عليه حقد بعضهم وخصوصًا الأمير قوصون الذى كان يرى فى صعود بشتاك تقليصًا مباشرًا لأحلامه فى الحكم، غير أن بشتاك ترك له القاهرة بل مصر برمتها وسافر إلى الشام لتنفيذ مهمة كلفه بها السلطان الناصر، وهناك طمع فى ولاية دمشق، وبينما هو متردد بين مفاتحة السلطان فى أمرها والخجل من ذلك زف إليه بريد القاهرة أن السلطان مشرف على الموت، فخشى أن ينقض منافسه قوصون على عرش مصر، وألبس مماليكه عدة الحرب عازمًا الاستيلاء على الملك، ولكن السلطان الراحل حسم الأمر لابنه أبى بكر.


ورفض بشتاك بيعة المنصور أبى بكر وحاول أن ينصب مكانه أخاه أحمد بن الناصر الذى كان يقيم فى الكرك، وما كان عصيانه لأحد أبناء الناصر وحماسه للآخر سوى محاولة للتقليل من شأن الاثنين والإعلان أنه هو ولا أحد سواه الأحق بخلافة السلطان الناصر، وهذا بالضبط ما فهمه منافسه الأمير قوصون فعيّره بأصله المتواضع أمام جمع من الأمراء، وقبل أن يهم برد الإهانة أعلن قوصون على الملأ أن كليهما هو وبشتاك لا يصلح أن يكون فى موقع السلطان على مصر؛ لأن الناس يعرفون أصلهما، فضلاً عن أن السلطان الناصر نفسه هو الذى أوصى بالملك لمن هو أحق به من أولاده، وهذا فى ذمته ولا يسعنا إلا النزول على رأيه حيا أو ميتا.


موقف قوصون قربه للسلطان الجديد وضاعف مكانته فى بلاط أسرة قلاوون صاحبة أكبر فترة حكم فى تاريخ الدولة المملوكية، ومكنه فى النهاية من القضاء على غريمه بشتاك، وقبض عليه وسجن ثم قتل بالإسكندرية فى الثامن من المحرم عام 742هـ.


والأمير بشتاك ترك غير هذا الجامع قصرا يضاهى قصور السلاطين والملوك، وهو يقع فى شارع المعز لدين الله الفاطمى ضمن المساحة التى كان يحتلها القصر الشرقى الكبير الذى كان مسكنًا للخلفاء الفاطميين، وقيل إن باب هذا القصر هو نفس الباب الذى كان يعرف بباب البحر على أيام الفاطميين.


مكان هذا القصر بالإضافة إلى أطلال القصر الفاطمى الكبير كان به أحد عشر مسجدًا وأربعة معابد كان يسكنها جماعة من الفقراء، كما كان به قصر أمير السلاح وأوقف لورثة الملك الناصر محمد بن قلاوون.


 وكل هذه المنشآت هدمها الأمير بشتاك وأسس مكانها قصره فصار من أعظم مبانى القاهرة، ارتفاعه فى الهواء أربعون ذراعًا وأساسه فى باطن الأرض مثل ذلك، فضلاً عن أن الماء كان يجرى بأعلاه، ومن فوقه كانت تظهر القلعة والنيل والبساتين فى منظر خلاب طالما تغزل فى حسنه المؤرخون، وأكدوا أنه كان من أبدع وأضخم قصور القاهرة.


والأمير بشتاك بنى فى مواجهة الجامع مباشرة خانقاه «وهى مكان مخصص لخلوة أتباع الطرق الصوفية»، ووصل بينه وبين الجامع بمعدية، غير أن هذه الخانقاه اندثرت بفعل الإهمال والسرقة، ومكانها الآن سبيل أنشأته الأميرة ألفت هانم قادن زوجة إبراهيم باشا ووالدة فاضل باشا.


وبعد مقتل صاحب الجامع ومؤسسة الأمير بشتاك ظل مهملاً طوال حكم المماليك والعثمانيين، حتى أنقذته الأميرة ألفت هانم وقامت بترميمه عام 1277هـ، وعهدت بذلك إلى وكيلها نيازى بك، فأعاد بناء جميع أجزائه ما عدا بابه القديم ومئذنته التى تعد الآن من أبرز مآذن القاهرة الأثرية التى بقيت على حالتها المعمارية الأصلية.


وألفت هانم بعد ترميم الجامع على خير وجه لم تجد أى حرج من محو اسم صاحبه الأصلى بشتاك؛ لتثبت أنه موعود بعدم تحقق أحلامه، فأثناء حياته حرمه قوصون من ملك مصر، وفى مماته حرمته الأميرة ألفت هانم من اسم جامعه، وأطلقت عليه اسم ابنها مصطفى باشا فاضل شقيق الخديو إسماعيل ووريثه الشرعى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات