.

نهاية العالم والأمان المفقود

Foto

يعد كتاب «مجتمع المخاطر العالمى.. بحثًا عن الأمان المفقود» لعالم الاجتماع أولريش بيك، من أهم الكتب الأكاديمية التى تفسر ظواهر المجتمع الإنسانى فى زمن العولمة المفترسة


فى بدايات القرن الحادى والعشرين، عايشنا مولد مجتمع المخاطر العالمى، متمثلًا فى التهديدات الكونية، بدءًا من الإرهاب ووصولًا إلى التغير المناخى، الأمر الذى يوضح لكل منا أن الجميع الآن، يتعين عليهم اتخاذ قرارات تنطوى على مخاطرة من شأنها أن تحدد موقف الإنسانية فى الحاضر والمستقبل.


يعد كتاب «مجتمع المخاطر العالمى.. بحثًا عن الأمان المفقود» لعالم الاجتماع أولريش بيك، من أهم الكتب الأكاديمية التى تفسر ظواهر المجتمع الإنسانى فى زمن العولمة المفترسة، والذى نقلته عن الألمانية علا عادل وهند إبراهيم وبسنت حسن والصادر مؤخرًا عن المركز القومى للترجمة.


ويسعى المؤلف إلى التوسع فى نظرية المخاطرة وعلم اجتماع المخاطرة السائدة حتى الآن من خلال ثلاث خطوات على الأقل أولًا: من خلال منظور العولمة.. ثانيًا: من خلال منظور التصوير والإخراج.. وثالثًا: من خلال منظور المقارنة من ثلاث منطقيات للمخاطرة، لا سيما المخاطر العالمية الإيكولوجية والاقتصادية والإرهابية.


من يبحث فى أمر تصوير المخاطر وإخراجها يبدو أنه سيسقط فى فخ النسبية، حيث يطرح السؤال حول الأفق المعيارى لمجتمع المخاطر العالمى والإطار المعيارى المنسحب على سوسيولوجيا مجتمع المخاطر، إذ تقول الفرضية: إن المخاطرة العالمية تطلق «لحظة لا قومية، كوزموبوليتانية» تاريخية عالمية غير مرغوب فيها، كما أن المخاطر العالمية تطلق دفعات أخلاقية وسياسية من أجل توازن العولمة السياسية والثقافية بشكل عابر للحدود؛ لأن بهذه المخاطر يصبح التكهن بالموت الجماعى جزءًا من الحياة اليومية، فهى تشكل خلفية تشريعية للمؤسسات السياسية والحركات الاجتماعية التى تلح فى المطالبة بتحول العولمة إلى الإنسانية، الأمر الذى لا يستبعد بالطبع أن يستخدم هذه اللحظة اللا قومية أيديولوجيًّا.


كيف نفسر الانفجارية السياسية العالمية للمخاطر العالمية؟ هنا يمكننا اختيار إجابتين: إننا ليس لنا أى علاقة هنا بما ادعاه صامويل هانتجتون من صدام حضارات دينية بعينها، بل بصدام حضارات المخاطرة.. فى الرأى العام العالمى يلتقى فى ذلك الجدل والاختلاف حول المخاطر العالمية وعدم اليقين المنطلق منها والمنطوى على أخطار، تلتقى مختلف حالات اليقين الحضارى وأكثرها تقاطعًا واعتراضًا، فالبعض ينظر إلى إرهاب القاعدة بعين دينية ويرى تأكيد اقتراب نهاية العالم، بينما لا تصعد المخاطر إلى المسرح العالمى بالنسبة للآخرين إلا عندما يسمح لها الله بذلك، وهكذا يتحول وعى المخاطر العالمية إلى وعى دنيوى، يضيف إلى الكوارث العالمية فاعلية، أما الإجابة الثانية فهى تتوسع فى الفرضية التى مفادها أن القوة السياسية العالمية للمخاطر الكونية تعزى إلى تقاطع وتماس الحالة الطبيعية مع الاستثنائية.


يرى الكاتب، أن ما يخافه الناس ويفزعون منه فى الشرق الأوسط ليس تكرار ما حدث فى حربى 1967 و1973، أى الحرب بين الجيوش مسلحة بقوة، فالفلسطينيون لا يملكون جيشًا والدول العربية لن تشارك فى حروب تقليدية عن وعى وإدراك، وما يملكه الفلسطينيون من تقدم العنف المخصخص يظل باقيًا تحت مظلة الحرب، لكن لأن العنف لا يقع تحت النظام الرسمى، فإن السلام غير ممكن.


وعن إرهاب الانتحار يقول الكاتب ربما سيصبح الحادى عشر من سبتمبر 2001 إشارة فى تاريخ البشرية إلى عجز اللغة عن التعبير بالنظر إلى هذه الصدمة الكوزموبوليتانية فكلمات «حرب»، «جريمة»، «إرهاب» مصطلحات تتفتت فى الفم مثل الفطر المتعفن.


لا نستطيع تنظير وبحث انهيار المبادئ الأساسية للحداثة دون أن نشقى، فحرية القيمة تشترط سريان واتساق قيمى، فمن الممكن بحث الكوارث المقصودة والمنظمة ومعسكرات التعذيب والإبادة والهجمات الإرهابية باشمئزاز فحسب، لكن هل من الممكن استمرار البحث؟


وفى الخاتمة.. يقول أولريش بيك: يكمن مأزق نظرية مجتمعية نقدية لمخاطر عالمية فى سؤالين.. الأول: أليس التنوير بمناهضة الحداثة ساذجًا لأنه يمهد الطريق لمناهضة الحداثة؟ أما السؤال الثانى فهو: أليس عدم التنوير عن الرؤيات المنذرة بمناهضة الحداثة ساذجة؛ لأنها تمهد الطريق لحداثات مناهضة؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات