الحكومة الحائرة بين أنظمة عمل الموظفين!

Foto

ما أبرز سلبيات تقليص أيام عمل الموظفين بالجهاز الإدارى للدولة؟ ما الذى تتعلل به حكومة مدبولى لتقليص أيام عمل الموظفين؟ وهل تلك المبررات صحيحة وواقعية؟


يبدو أن حكومة الدكتور مصطفى مدبولى جادة بالفعل فى تنفيذ مقترحها بتقليص أيام عمل الموظفين ببعض الجهات الإدارية، أو ما يعرف باسم نظام العمل المرن، بدلا من النظام التقليدى الحالى المعمول به فى الوزارات المختلفة والهيئات الحكومية، بعد قرار الدكتور مدبولى بتأليف لجنة تختص بدراسة تقليص أيام العمل ببعض الجهات الإدارية بالدولة دون المساس بأجور الموظفين فى تلك الجهات، ودون الإخلال بالعمل الرسمى وساعاته التى لا تقل، أسبوعيا، عن 35 ساعة، ولا تزيد على 42 ساعة، فالمادة 45 من قانون الخدمة المدنية تنص على أن «تحدد السلطة المختصة أيام العمل فى الأسبوع، ومواقيته، وتوزيع ساعاته، وفقا لمقتضيات المصلحة العامة، على ألا يقل عدد ساعات العمل الأسبوعية عن خمس وثلاثين ساعة، ولا تزيد على اثنتين وأربعين ساعة».

 

حكومة الدكتور مدبولى تقوم الآن، من خلال لجنة وزارية يترأسها رئيس الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، بمخاطبة دواوين الوزارات والقطاعات التابعة لها لتحديد النظام الأنسب من بين نظامين، هما: إما تقسيم العاملين على ورديتى عمل من الساعة الثامنة صباحا حتى الساعة الثالثة عصرا، ومن الساعة العاشرة صباحا حتى الساعة الخامسة مساء، أو تقسيم العاملين لتكون أيام العمل أربعة أيام فقط فى الأسبوع وذلك من الساعة الثامنة صباحا حتى الساعة الخامسة مساء، وهو ما يعنى أن ساعات العمل الرسمية بالجهات الحكومية المختلفة ستمتد حتى الخامسة مساء، إذا ما طبق أى من النظامين!
 

تأتى تلك الفكرة فى وقت تتعلل فيه الحكومة بترشيد الإنفاق وتخفيف حدة الازدحام المرورى، لذلك كان التكليف لجهاز التنظيم والإدارة للعمل على تقديم دراسة شاملة لتخفيض أيام العمل فى الأسبوع لنحو ٥٫٦ مليون موظف بالجهاز الإدارى للدولة، وهو الجهاز الذى يضم ٨١٦ جهة ومصلحة حكومية، حسب الأرقام الرسمية، ما يؤكد أنها مجرد مسألة وقت، ويبدأ نظام العمل الحكومى الكلاسيكى فى مصر فى التغيير والانقلاب، لنبدأ عهدا جديدا ربما يأخذ وقتا ليس بالطويل للحكم على نجاح تلك التجربة من عدمها!
 

حتى الآن، الأمر ليس سهلا؛ فما تزال حكومة مدبولى حائرة بين طائفة من المقترحات؛ فأما المقترح الأول يشتمل على فكرة تقسيم ساعات العمل فى اليوم الواحد بنظام الشيفتات/ الورديات، بحيث يستمر العمل طوال اليوم فى المصالح الحكومية، بينما يخفض المقترح الثانى ساعات العمل فى اليوم، تنتهى فترة العمل الرسمية الساعة الثانية ظهرا بدلا من الثالثة عصرا، مقابل إلغاء إجازة يوم السبت.


بينما المقترح الثالث يشتمل على فكرة تخفيض أيام العمل مع تقسيمها على ورديتين، كل وردية ثلاثة أيام، وتكون ساعات العمل فى اليوم عشر ساعات تبدأ من الثامنة صباحا، وتنتهى فى السادسة مساء، ليستمر العمل طوال أيام الأسبوع، بينما ينص المقترح الرابع على خفض عدد أيام العمل، لتكون 4 أيام فقط، تبدأ الأحد وتنتهى الأربعاء، وتضاف ساعة لمواعيد العمل الحالية، لينتهى العمل الرسمى، يوميا، الساعة الرابعة، على أن تكون الإجازات الأسبوعية الرسمية ثلاثة أيام، هى: الخميس والجمعة والسبت، وفى الحق هى حيرة شديدة، و«لخبطة» تحاول الحكومة الآن تدارك آثارها النفسية على الموظفين الحكوميين، الذين يمثلون نسبة كبيرة من الشعب، تكاد تصل إلى 10%، لذلك أشرت فى صدر المقال إلى أن الحكومة بدأت ترتاح إلى نظامين من بين تلك النظم حتى تسرع فى تطبيق أيهما وانتظار نتيجة ذلك التطبيق العملية على أرض الواقع، ولا سيما أن الفكرة السائدة عن الجهاز الإدارى للدولة وموظفيه ومسؤوليه فكرة سلبية للغاية، فهذا الجهاز هو أساس البيروقراطية فى مصر، وهو أساس «تعطيل المراكب السائرة!»، فضلا عن أنه جهازٌ متكاسل، غير منتج، وموظفوه كسالى غير منتجين، وغير ملتزمين بساعات العمل الرسمية، بل غير ملتزمين بأيام العمل الرسمية، خصوصا مع اتفاق كثير من دراسات الحكومة على أن نسبة كبيرة من أولئك الموظفين ينتهزون حلول يوم الخميس للتغيب عن العمل أو الهروب فى «منتصف اليوم» على اعتبار أن يوم الجمعة الذى يليه إجازة رسمية كل أسبوع!


المشكلة فى أمر هام كهذا أن الجهاز الإدارى للدولة المصرية ضخم للغاية، فهو يكاد يقترب من نحو 6 ملايين موظف، كما أنه متشعب الاختصاصات والإدارات والقطاعات، الأمر الذى يجعل منه مثالا للبيروقراطية وتعطيل المصالح وتعقيدها، فإذا أضفنا إلى ذلك كله موضوع أيام الإجازات الرسمية التى يحصل عليها موظفو هذا الجهاز، أدركنا أن الحكومة تنظر -للأسف- تحت قدميها فقط، فمما هو معروف أن الموظفين الحكوميين يحصلون فى السنة على نحو 190 يوم إجازة، وهو ما يؤكد سلبيات هذا الجهاز الذى لا ننكر أنه عبء ثقيل للغاية على الدولة، فهو أكبر جهاز إدارى حكومى على مستوى العالم، دون وجود إنتاجية أو فاعلية له، وتلك المسألة ينبغى على اللجنة الحكومية التى تدرس المقترحات الآن أن تعيها جيدا، قبل أن تتخذ قرارها بالانتقال من النظام الكلاسيكى للعمل الإدارى بالدولة إلى نظام العمل المرن!


نية حكومة مدبولى قد تكون طيبة، فعلى الورق، فإن منح الموظفين إجازة ثلاثة أيام فى الأسبوع، يسهم فى توفير نفقاتهم الشهرية، خصوصا فى ظل ارتفاع أسعار النقل والمواصلات، كما أن تقليل أيام العمل من الممكن أن يمنحهم راحة نفسية فضلا عن الراحة الجسدية، ما من شأنه إقبالهم بعد انقضاء أيام الإجازة على العمل بأريحية ونشاط، بما ينعكس على تيسير وإنجاز الخدمات المختلفة لجمهور المواطنين المترددين على المصالح والهيئات والقطاعات الحكومية المختلفة، لكن النيات الطيبة وحدها غير كافية؛ إذ إن عقليات ومبادئ واقتناعات كثير من موظفى ومسؤولى الجهاز الإدارى بالدولة لم ولن تتغير، ما دام ذلك الجهاز لم يشمله التطوير الجاد الممنهج، وما إقرار وتطبيق أى مقترح من المقترحات التى سلفت الإشارة إليها، إلا محاولة بائسة لتجميل وضع مشين، وطلائه من الخارج فقط، أما فى داخله تكمن السلبيات المتراكمة منذ عقود!


إن تقليص أيام عمل موظفى الحكومة قد يسهم، لا شك، فى تيسير وسيولة حركة المرور فى أيام الإجازات، لكنه لن يسهم -كما تظن الحكومة- لا فى تخفيف العبء عن الموظفين ولا عن المواطنين؛ فاختزال أيام العمل إلى أربعة فقط من شأنه تكديس وتأخير وتعطيل الخدمات، كما أن نظام الشيفتات/ الورديات لن يروق لكثيرين، بل هو مدعاة إلى الاتكالية فى ما بين الموظفين بعضهم بعضا، بل مدعاة إلى «التزويغ»؛ إذ كيف لموظف اعتاد على الهروب بعد عدة ساعات من بدء عمله أن يعمل بعد امتداد الوقت به إلى عدة ساعات أخرى؟! ثم إن تيسير وسيولة حركة المرور لن تكون دائمة؛ ذلك أن الساعة أو الساعتين الفاصلتين بين تبديل الشيفتات ستشهدان زحاما مروريا كبيرا!


لا أدرى لم لا تفكر حكومة مدبولى فى علاج ذلك كله بتطوير القطاعات الإدارية فى الجهاز الحكومى للدولة، واعتماد نظم تكنولوجية عن طريق الإنترنت والتحكم الإلكترونى من بعد للتيسير على المواطنين والموظفين، معا، فى إنجاز الأعمال والأوراق والشهادات المختلفة؟!


ومما يلفت النظر بشدة، بعد الاطلاع على المقترحات التى تدرسها الحكومة أنها، كلها، لا تصلح للعاملين فى وزارة التربية والتعليم، وقطاع المعاهد الأزهرية؛ بسبب نصاب الحصص الأسبوعى الذى يلزم المعلم بعدد معين من الحصص الدراسية، التى لا يجوز ضغطها فى أربعة أيام، الأمر الذى يخل بالعملية التعليمية، ولا ينبغى أن ننسى أن عدد معلمى وزارة التربية والتعليم والأزهر يفوق 3.5 ملايين معلم، وهو أكبر قطاعات الجهاز الإدارى فى الدولة، لكن فى الوقت نفسه، فإن تطبيق نظام الورديات فى القطاعات الخدمية كالسجل المدنى، والشهر العقارى، ومكاتب التموين، وغيرها، قد يكون ناجحا، نوعا ما، ما يعنى أن هنالك قطاعات يخدمها نظام الورديات/ الشيفتات، بينما قطاعات أخرى كبيرة ومؤثرة لا يخدمها هذا النظام!
 

المسألة أخطر وأعمق مما تتخيله حكومة مدبولى، كما أنها تحتاج إلى مزيد من الدراسات العلمية والحوار المجتمعى الشامل، فلا ينبغى التعجل حتى لا نفيق على كارثة إدارية ومجتمعية تهدد مستقبل هذا الوطن، باسم العمل المرن والتطوير، فالعمل المرن والتطوير أمران يحتاجان إلى قاعدة علمية بعيدا عن موظفى ومسؤولى الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات