.

حان وقت نقد القيم الريفية.. كيف تم استغلال عيوب المجتمعات الريفية؟

Foto

لماذا ينظر الريفيون إلى الاقتصاد كأمر محدود الخيارات؟


إن المجتمعات الريفية لديها سمات متشابهة فى كل المجتمعات بمختلف أعراقها وأديانها وخلفياتها الثقافية، ولكن المختلف فى مصر أن القيم السلبية الناتجة عن المجتمع الريفى يتم تمجيدها ووضعها فى إطار رومانسى فى العقل المصرى. ولكل فئات المجتمع مميزات وعيوب، المشكلة تحدث عندما يتم تمجيد العيوب وبناء ثقافة عامة وقوانين حولها، كما أن تمجيد العيوب الثقافية والاجتماعية يزيد من تفاقمها، والمجتمعات الريفية تم استغلال عيوبها سياسيًّا فى عدة حقب، فى مصر فى الحقبة الناصرية وخارجها، وعلى سبيل المثال فى الاتحاد السوفييتى. واليوم يتم استغلال تلك العيوب لتجنيد إرهابيين من الريف المصرى، هذا بالإضافة إلى مساهمة تلك الثقافة فى التخريب الاقتصادى، ولكن لن نستطيع علاج تلك المشكلة دون البحث عن جذورها.

أبحاث الأنثروبولوجيا، أى علم الإنسان، اللا نهائية التى اختصت فى دراسة المجتمعات الريفية لاحظت أنه بسبب طبيعة الفلاحة تتم مصاحبتها بإطار معين فى السلوك والتفكير والتوجه المعرفى لكل الأمور، فبسبب محدودية إجراء الزراعة، المبنى على قطعة محددة من الأرض وإنتاج محدد من المحصول، ينظر الفرد الريفى إلى الاقتصاد على أنه إجراء محدود الخيرات.
فى بحث لعالم الأنثروبولوجيا جورج فوستر، فى جامعة بركلى فى كاليفورنيا، بعنوان «المجتمع الريفى ونظرة محدودية الخير» عن النظرة الريفية إلى الاقتصاد على «أنه ناتج عن حظ وعن قضاء وقدر»، وفى الوقت نفسه يكون وضع الفلاح الاجتماعى مليئًا بـ«الخلافات العائلية، ويصعب عليه العمل الجماعى، ويفتقر بشكل قوى إلى التطلع للتحقق والنجاح، لأن الحاجة إلى التفوق النجاح قد تنتج عن ترك الزراعة ليلتحق بالعالم المتقدم».
ويقول دكتور فوستر إنه بسبب محدودية الخيارات فى الزراعة «تتسرب تلك النظرة إلى سلوكياته المجتمعية والاقتصادية وإلى نظرته إلى طبيعة الكون، حيث كل ما يتطلب من أرض وثراء وسلطة وتأثير وأمان، فقط متاح بحدود ودومًا غير كافٍ»، ويضيف أن النظرة الريفية إلى تلك الأمور ليس فقط أنها محدودة، ولكنه «ينظر إليها الفلاح على أنها أمور ليس باستطاعته الحصول عليها. فينظر إلى الخيرات على أنها مثل الأرض فى الطبيعة، متوارثة ويمكن تقسيمها، وإعادة تقسيمها إذا لزم الأمر، ولا يمكن زيادتها».
ولذلك نجد أن الغالبية العظمى من الحوارات السياسية والمجتمعية حول الاقتصاد خارجة من النظرة الريفية البدائية المرتبطة بمحدودية الخيارات، وتقدم لها حلولًا أيضًا بدائية، لتقسيم الثروة لا لخلقها.
ويتم النظر إلى النجاح على أنه ما يسميه د.فوستر «متلازمة الحظ والقدر»، وليس عن ملكات وجهد الفرد، ولذلك يتم التقييم للشخص «الذى استحوذ على أكثر من نصيبه فى الخيرات الاقتصادية، فى هذا الإطار، ويتم النظر إليه على أنه يشكل تهديدًا للجماعة، حيث ينظر إلى الأفراد والعائلات التى خرجت عن دائرة الاعتياد المقبولة على أنهم يشكلون خللًا»، ويتم استهدافهم بمشاعر الغيرة والحقد والغضب تجاههم على أنهم «محظوظون» دون وعى أو اعتبار، لأنهم يعملون باجتهاد ولديهم رؤية أو مهارة.
وبسبب المناخ العام الريفى من الحقد والغيرة والتنافسية، يتم تمجيد قيم الفتونة، لأنها تكون حامية فى غياب القدرة على العمل الجمعى، ولقد فهم منظّر الشيوعية كارل ماركس، أهمية استخدام الفلاحين لخلق مناخ تناحرى بين طبقات المجتمع من أجل هدمه، لقد قال كارل ماركس فى «برومير الثامن عشر للويس بونابرت»:
«العملية الإنتاجية للفلاحين تعزلهم بعضهم عن بعض بدلًا من أن تجعلهم يتلاحمون فى علاقة تبادلية، فحقلهم الإنتاجى يمنعهم عن تقسيم العمل أو تصنيعه، ولا يحتاجون إلى تطبيق علمى فيه، ولذلك يوجد لديهم أبعاد للتطور أو التعددية أو المهارة، وليس لديهم زخم فى العلاقات الاجتماعية، لأن العائلة تكفى نفسها من خلال الإنتاج المباشر لحاجتها. فهم مجموعات من العائلات المنفصلة التى تشكل القرية». ويضيف ماركس أن «عزلتهم عن الحياة العامة واهتماماتها وثقافتها عن باقى طبقات المجتمع، تضعهم فى مواجهة مع باقى الطبقات الأخرى.. وبما أن طبيعتهم واهتماماتهم لا تنتج نسيجًا مجتمعيًّا أو تلاحمًا وطنيًّا، ويفتقرون إلى التنظيم السياسى بعضهم مع بعض، فهم لا يشكلون طبقة مجتمعية، ولذلك لا يستطيعون أن يمثلوا أنفسهم، ولكن يجب أن تتم الإنابة عنهم، ويجب أن يكون مَن يمثلهم سيدًا عليهم ويتسلط عليهم من خلال سلطة غير محدودة للدولة، لتحميهم من الطبقات الأخرى. وحينئذ، سلطة الفلاح السياسية ستعبر عن نفسها من خلال السلطة التنفيذية التى فى النهاية ستخضع المجتمع كافة».
ولذلك عندما قامت الثورة البلشفية فى روسيا عام ١٩١٧، استخدم قادتُها الريفيين كعسكريين من خلال دراسة ماركس ومنظرى الشيوعية لنقاط ضعفهم، من أجل تجنيدهم ضد الدولة. ولكن ككل العلاقات التى تبنى على التدمير المشترك، هذه الديناميكية فى كل مرة تدمر نفسها بنفسها. وبعد نحو عام من الثورة البلشفية، توجه طمع فلاديمير لينين وأعوانه إلى أراضى الفلاحين الصغار وانقلبوا على أعوانهم ممن ساعدوهم على قيام الثورة، وقاموا بتأميم كل محاصيلهم، ولذلك خرج الفلاحون فى عصيان فى مقاطعة بنزا فى روسيا خوفًا من الموت جوعًا، فأصدر لينين حكم إعدام شهيرًا مسمى تاريخيًّا بـ«أمر إعدام لينين»، حيث أمر لينين فيه بإعدام الفلاحين الذى أطلق عليهم لفظ «كولاك» أى البخيل، وأمم محاصيلهم وقتلهم.
فهذا مثال واحد لخطورة اللعب على نقاط ضعف أية فئة مجتمعية، فمحاولة تمجيد العيوب إن كانت عن حسن نية وعدم وعى أو لأسباب تآمرية تدميرية، يسهل استغلال تلك العيوب فى التدمير كما فعل الشيوعيون ويفعل الآن الإسلاميون، فيجب أن نتعرف على عيوبنا المجتمعية، لأنه لا يمكن تغيير ما لا ندركه، ونحن لدينا كارثة ثقافية فى تمجيد عيوبنا، خصوصًا الخارجة من القيم الريفية بحكم الحنين إلى البدائية فى وسط تحديات الحداثة، ولذلك بدلًا من أن تهاجر قيم الحضارة إلى الريف، يتم تصدير قيم الريف إلى المدينة، فى ظل إهمال القرى والريف، وتعويض الإهمال برومانسنة العيوب بسخف، نجد نسبة رهيبة من الإرهابيين والمتطرفين والإخوان خارجين من الريف المصرى. ولذلك، حان وقت مواجهة وفحص القيم التى جرَّفت الأراضى الزراعية وأضاعت القيمة الأصلية للفلاحة ومنعتها من التطور، وحولتها إلى بؤر تجنيد إرهاب وعدوانية وأحقاد وأصبحت عبئًا سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات