إجراء الانتخابات المحلية بوابة مواجهة الفساد

Foto

كيف ألقى السيسى بالكرة فى ملعب مجلس النواب فى مؤتمر الشباب الأخير؟ ما الأسباب وراء تأخير صدور قانون الإدارة المحلية؟


بينما تتواصل أنباء القبض على مسؤولين فى مواقع متعددة فى قضايا فساد مختلفة، وهو الجهد الرئيسى الذى صارت هيئة الرقابة الإدارية تتصدره خلال السنوات الماضية، لتكشف عن حجم مهول من قضايا الفساد فى مختلف القطاعات، فإن الملاحظة الأساسية تدور حول هذا الحجم من الفساد المستشرى فى المحليات بمختلف أنحاء ومحافظات الجمهورية، خصوصا فى ظل غياب أى رقابة سياسية أو شعبية مباشرة على المسؤولين فى الأجهزة والوحدات المحلية، وهو ما سوف يظل مستمرا فى ظل غياب مجالس محلية منتخبة تلعب دورها الرقابى عبر متابعة ومحاسبة المسؤولين فى المحافظات والوحدات المحلية.

 

المجالس المحلية الغائبة منذ ثورة يناير والتى تقاعست كل السلطات التالية عن تنظيم إجراء انتخاباتها، لا تزال حتى الآن محلك سر، رغم الصلاحيات الواسعة الممنوحة لها بنصوص دستور 2014، والتى تكفل دعم اللا مركزية فى الإدارة المحلية، وتنص على أن من صلاحياتها متابعة تنفيذ خطط التنمية ومراقبة أوجه النشاط المختلفة وممارسة أدوات الرقابة على السلطة التنفيذية وصولا إلى سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية، وهى المجالس التى يضمن الدستور استقلال موازناتها وأعضائها ويعتبر قراراتها نهائية ولا يجيز تدخل السلطة التنفيذية فيها. 


ورغم وعود متكررة من السلطتين التنفيذية والتشريعية بإجراء الانتخابات المحلية لأكثر من مرة، فى 2016 ثم 2017، وهو ما لم يتم، والمبرر عدم الانتهاء من مناقشة قانون الإدارة المحلية الجديد، رغم سيل القوانين والتشريعات التى أقرها ووافق عليها المجلس طوال دورات انعقاده السابقة، ومع ذلك فلا يزال قانون الإدارة المحلية غائبا، رغم الدور الرئيسى الذى يمكن أن تلعبه المجالس المحلية، ليس فقط فى مواجهة قضايا الفساد والرقابة على الأجهزة التنفيذية المحلية، ولكن كذلك فى تحسين مستوى الخدمات المحلية المقدمة للمواطنين. 


إشارة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى المؤتمر الأخير للشباب بجامعة القاهرة لهذا الأمر ودعوته لمجلس النواب الذى يتجدد انعقاده فى شهر أكتوبر المقبل للانتهاء من القانون كخطوة ضرورية لتنظيم إجراء الانتخابات المحلية، تدفعنا للتساؤل الجاد حول أسباب كل هذا التأخير، وإذا كانت هناك إرادة جادة بالفعل للتقدم فى هذا الملف أم إبقاء الوضع على ما هو عليه، وإن كان هناك بالفعل معوقات أو خلافات تمنع القانون من الصدور طوال تلك الفترة، أم أن هناك أسبابا أخرى متعلقة بانتظار الانتهاء من بعض الترتيبات الجارية على قدم وساق منذ فترة طويلة فى إعداد قوائم والاتفاق مع مرشحين لخوض تلك الانتخابات، فى استمرار لظاهرة التدخل المباشر من بعض الأجهزة فى ملفات الانتخابات العامة فى البلاد، وهو ما قد ينذر بتكرار نموذج مجلس النواب فى المجالس المحلية المقبلة، بما يفقدها واقعيا إذا اكتمل هذا السيناريو وتم تشكيلها مسبقا عبر قوائم مدعومة من الدولة أو أجهزة محددة فيها، الكثير من صلاحياتها الدستورية التى لن تمارس فعليا فى حال كون الاختيارات بهذا الشكل، وفى ظل تغييب للحضور الشعبى الذى عادة ما يكون أقل اهتماما بالانتخابات المحلية عن مثيلتها البرلمانية أو الرئاسية، وأيضا فى ظل القتل العمدى والتجريف الكامل لمنابع الحياة السياسية التى يمكن أن تفرز تنافسا جادا بين قوائم ومرشحين متعددين من مختلف القوى والاتجاهات. 


واحد من أهم النصوص الدستورية التى تميز تشكيل المجالس المحلية المقبلة هو النص على أن يكون ربع عدد مقاعدها للشباب وربعها للمرأة، وهو ما يفتح منافذ لمشاركة واسعة من تلك الفئات فى الانتخابات المقبلة إذا سارت بشكل طبيعى دون تدخلات وتحكمات واتفاقات من الأجهزة التى تتدخل فى العملية السياسية، ورغم دعوات سابقة من السيسى نفسه للشباب والمرأة بضرورة المشاركة الواسعة فى انتخابات المجالس المحلية فى فترات سابقة، فإن هذه الدعوات تراجعت تماما فى الفترة الأخيرة، وهو ما قد يكشف بدرجة عن إدراك أنه لا أمل فى إجراء تلك الانتخابات فى مدى زمنى قريب أو منظور، أو عن تراجع فى إطلاق مثل تلك الدعوات العامة للشباب والمرأة وترك الأمر لترتيبات أطراف وأجهزة لإعداد القوائم المطلوبة التى تضمن عدم إزعاج السلطة التنفيذية بمجالس محلية مستقلة ومنتخبة شعبيا بشكل حقيقى. 


لكن مع عودة مجلس النواب للانعقاد فى دوره المقبل سوف يتضح مدى أولوية إنهاء هذا القانون، ومن ثم مدى الجدية فى الدعوة لإجراء الانتخابات المحلية من عدمه، أم قد يكون هناك اتجاه لإبقاء الوضع بهذا الجمود لفترة أطول، سواء لضمان عدم وجود أى مساحات لعمل أو حراك سياسى حتى ولو على المستوى المحلى، أو لتأجيل ذلك الملف ووجود أولويات أخرى، مثل الحديث المتصاعد مجددا عن تعديل الدستور، والذى اتخذ موجة جديدة من التصاعد بإعلان رؤساء لجان نوعية ورؤساء هيئات برلمانية فى مجلس النواب بتأييدهم لتعديله خلال الفترة المقبلة، خصوصا فى ما يتعلق بعدد سنوات الفترة الرئاسية، وهو ما قد يمتد لنصوص ومواد دستورية أخرى، قد لا يكون مفاجئا أن تشمل أيضا بعض النصوص المتعلقة بصلاحيات المجالس المحلية والحد منها. 


ولعل إجراء الانتخابات المحلية فى مدى زمنى قريب، حتى وإن كانت بعض الأطراف وطرق التفكير النافذة فى تركيبة السلطة الحالية قد تعتبره تهديدا بدرجة ما أو مساحة لكرة ثلج قد تكبر إذا شهدت إحياء لمفاهيم السياسة والتنافس وما إلى ذلك، إلا أنه فى الحقيقة سيمثل منفذا مهما ومكسبا حقيقيا بدلا من حالة الموات الحالية التى تخفى تحتها الكثير، كما أنها ستفتح مساحة لرقابة جادة فى حال السماح بتمكين تلك المجالس منها فعليا، على الفاسدين والمقصرين فى الأجهزة التنفيذية المحلية، فضلا عن تخفيف العبء على جهاز الرقابة الإدارية الذى صار الجهة الوحيدة تقريبا التى تلاحق قضايا الفساد، وحتى على مستوى الشكل الذى تهتم به السلطة من استكمال بنية مؤسسات الدولة فلا شك أن الأجهزة المحلية هى واحدة من أهم تلك المؤسسات إذا كنا نرغب فعلا فى استكمالها ولو من حيث الشكل.


الشهور المقبلة إذن سوف تجيبنا بشكل أوضح حول نوايا السلطة فى التعامل مع ملف الانتخابات المحلية المؤجلة، وسوف تحدد إذا ما كانت إشارة السيسى الأخيرة بإلقاء الكرة فى ملعب البرلمان هى مجرد تمرير للمسؤولية عن هذا الأمر وستظل وعدا آخر لم يتحقق أم سوف تشهد البلاد قبل نهاية العام الحالى صدور قانون الإدارة المحلية تمهيدا لإجراء الانتخابات المحلية خلال 2019، وهو ما قد لا يكون واردا إذا كانت هناك نوايا جادة لتعديل الدستور خلال ذلك العام نفسه، فهذه سلطة أبعد ما تكون عن الإقدام على دعوة الجماهير لانتخابات محلية ثم لاستفتاء على الدستور فى مدى زمنى قصير ومتقارب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات