.

Mission: Impossible - Fallout.. كيف أصبح توم كروز «نمبر وان»؟

Foto

كيف حافظت سلسلة الأفلام على مستواها الفنى طوال 22 سنة؟ هل نجح السيناريو فى صنع توازن بين الدراما ومشاهد الحركة؟


كان إعجاب الصبى توم كروز بالمسلسل التليفزيونى Mission: Impossible «مهمة مستحيلة» بالغًا، كان متيمًا بهذه الحلقات المثيرة التى كانت تدور فى عالم الجاسوسية، وتحكى مغامرات فريق سرى من عملاء المخابرات الأمريكية، ينفذون مهام مستحيلة ضد الحكومات الديكتاتورية والمنظمات الإرهابية، ويعملون دون حماية الجهاز الرسمى، ومن أهم شروط عملهم أنه فى حالة سقوطهم فى يد الأعداء لن يعترف الجهاز بتبعيتهم له.

كانت تلك الحلقات تُعرض بين عامَى 1966 و1973، وهى فترة الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتى، وحينما بدأ كروز مشواره كممثل كان يحلم بنقل هذا العمل من شاشة التليفزيون إلى عالم الأفلام، وحينما امتلك كنجم هوليوودى الإمكانيات المادية، كان تحويل المسلسل إلى فيلم هو أول مشروعات شركته الخاصة للإنتاج، بالتعاون مع شركة «باراماونت».
فى الجزء الأول من سلسلة أفلام «مهمة مستحيلة»، إنتاج عام 1996، كانت خطة الانتقال بالقصة من عالم التليفزيون إلى عالم السينما بسيطة للغاية، وهى قتل كل أفراد طاقم قوة المهام المستحيلة «IMF»، فى أثناء قيامهم بمهمة تبدو سهلة، باستثناء شخصية إيثان هانت، التى يجسدها توم كروز، وأسهم هذا فى صناعة شخصية بطل هوليوودى جديد، فمهمة إعادة الفريق للعمل كانت على عاتق هذا الشخص الذى كان يسعى إلى الانتقام لزملائه، وكشف ملابسات ما حدث له، فى ظل حالة غموض، وتخلِّى جهاز المخابرات عنه، ومطاردته بتهمة خيانة فريقه، والتسبب فى قتلهم، ومن خلال هذه الحبكة المعقدة نشأت شخصية إيثان هانت، وبدأت سلسلة أفلام أكشن ومغامرات تنافس أهم سلسلة أكشن وجاسوسية صنعتها السينما، وهى سلسلة أفلام جيمس بوند.
لم تكن مغامرات «مهمة مستحيلة» بقالبها التليفزيونى تناسب بطل الأكشن توم كروز، فهو أصغر من أن يقوم بدور قائد المجموعة، الرجل ذى الشعر الرمادى، وأشهر من القيام بدور جزئى ضمن فريق عمل يتساوى أفراده فى الأهمية، فالسيناريو التليفزيونى يعتمد على البطولة الجماعية، والبطل المحورى هو القائد الذى يُحرك الجميع، ولكن الإطار السينمائى كان يؤسس لبطل جديد من نوع خاص، ويأتى عمل الفريق المساعد مكملًا له.
كانت تلك فكرة المخرج سيدنى بولاك الذى كان مُكلفًا بخلق المهمة المستحيلة السينمائية الأولى، قبل ذهاب العمل للمخرج بريان دى بالما، الذى أخرج الفيلم الأول، وحافظ على فكرة بولاك، بمعاونة ديفيد كويب، وروبرت تاونى، ولم تكن شخصية إيثان هانت مجرد عميل سرى بارع، يمتلك القدرة البدنية على القتال والدفاع عن النفس، ولم يكن بطل فيلم أكشن تقليدى، ذكى وقادر على المراوغة والخداع، ويمتلك ذلك الماضى القاتم الذى يجعله شخصية تمتلك الشجاعة التى تصل درجة التهور، هو بالفعل يمتلك كل تلك الصفات النمطية للعميل السرى البطل، باستثناء شىء واحد يشير السيناريو إليه أكثر من مرة، وهو الجانب الإنسانى الذى يصل إلى تفضيله حماية زملائه أو الأبرياء الذين يتصادف وجودهم وسط الأحداث، حتى لو أدى ذلك إلى فشل المهمة.
الجزء الأخير وصل إلى مرحلة مرتفعة على مستوى صورة الأكشن على الشاشة، ووضع كروز «56 عامًا» على قمة نجوم أفلام الأكشن، كما لملم السيناريو كثيرًا من الخيوط الدرامية غير المكتملة من أجزاء سابقة، وأعاد شخصيات اختفت سابقًا، وصنع حلولًا منطقية سينمائيًّا لمشكلات تبدو مستحيلة.
يبدأ الفيلم الأخير بعملية يفشل فى تنفيذها إيثان هانت وفريقه، ويصبح الفريق مُطاردًا من خلال وكالة المخابرات الأمريكية، التى تشك فى ولاء أفراد الفريق، بعد ضياع عدد من القنابل النووية، ووصولها إلى منظمة متطرفة، تضم عملاء سريين منشقين، يؤمن قائدهم بأن تحقيق السلام العالمى يبدأ بعملية تطهير مؤلمة، من خلال ضربة نووية كبيرة وموسعة تستهدف الحكومات الديكتاتورية فى العالم.
من خلال فشل مهمة فريق المهمات المستحيلة يدخل الفيلم فى إطار من الخيوط الدرامية المعقدة، نتيجة الجرعة المكثفة الغامضة، والحكايات المتضاربة حول ولاء وأهداف الشخصيات، ولا يبقى أمام المشاهد إلا الثقة فى نوايا إيثان هانت، والتعاطف مع فشله، الذى يأتى غالبًا بسبب اهتمامه بسلامة أعضاء فريقه، أو حتى سلامة شرطية فرنسية شابة تعرضت إلى الإصابة فى وسط الأحداث.
المخرج كريستوفر مكيورى شارك فى كتابة السيناريو، وهذا هو الفيلم الثانى من إخراجه، من نفس السلسلة، بعد فيلم Mission: Impossible – Rogue Nation «مهمة مستحيلة - أمة مُنشقة»، والفيلم يضم أعضاء الفريق الذين ظهروا فى معظم أفلام السلسلة، وأصبحوا فريق إيثان هانت الأكثر تجانسًا وتفاهمًا: فينج رامس فى دور لوثر ستيكل، وسيمون بيج فى دور بنجى خبير التقنية، وريبيكا فيرجسون فى دور إلسا، عميلة جهاز المخابرات البريطانى MI6، وهى شخصية يميل إليها هانت رومانسيًّا، وإن تقاطعت خططهما وأهدافهما، وأخيرًا يعود شين هاريس بشخصية سولومون لين، شرير الفيلم، لإكمال مشروعه الإرهابى، وانتقامه من هانت الذى قبض عليه، ووضعه فى السجن.
الفيلم يعيد تقديم تيمة تغيير الوجوه، وهى من أكثر تيمات السلسلة ضعفًا، فأى شخص يمكن أن يكون أى شخص آخر بقناع يرتديه عضو الفريق، بالإضافة إلى جهاز تعديل نبرة الصوت، ولكن ربما يكون تقديم هذه المشاهد جزءًا من الحنين إلى الشكل الأصلى للسلسلة، وهو نفس الحنين الذى أعاد شخصية جوليا، زوجة هانت السابقة (ميشيل موناهان)، لتشارك فى أحداث الفيلم، وإن كان الهدف الأعمق هو وضع كلمة النهاية لهذا الغموض الذى تركه اختفاء شخصيتها فى الجزء الثالث، وإشاعات قتلها على يد جماعة إرهابية فى الجزء الرابع، ورغم أن قصة حب وزواج إيثان هانت لم تأخذ حظها من السرد الدرامى، فإنها تبرز شخصية إيثان هانت الإنسان، الذى يحلم بتكوين أسرة بسيطة، وأن يعيش بصحبة زوجته بعيدًا فى مكان هادئ، وهو حلم هانت الذى يبدأ به الفيلم، ويتحول إلى كابوس.
شخصية العميل إيثان هانت، الذى يسعى لحماية العالم من الأشرار، تطغى على شخصية الزوج المحب، الذى يسعى لحماية زوجته، وحينما يجد أنها نقطة ضعف يستغلها أعداؤه ضده، يقرر تركها ليحميها، وهذه واحدة من النقاط التى أوضحها سيناريو هذا الجزء، وتنضم تلك التفصيلة الرومانسية لترسم ملامح شخصية البطل الذى تجذبه المهام المستحيلة، وتعوقه عواطفه وإنسانيته، وهذا الضعف يمنح شخصيته الملامح الإنسانية التى تجعله مقصرًا من وجهة نظر رئيسه «ألك بالدوين»، وفى الوقت نفسه يعتمد عليه، لأنه أكثر شخص سيحميه وقت الخطر، حتى ولو على حساب المهمة.
الفيلم على مستوى حبكة الأحداث قدم ببساطة ودون غموض خيوطًا متعددة للحكاية نجحت فى تقديم بناء ثرى تقوم عليه مشاهد الأكشن، وهذا منح إطارًا ومبررًا لكل مشهد حركة باهر على الشاشة، وكانت المهمة الأصعب هى صنع مشاهد الأكشن بصورة تبدو مختلفة على الشاشة، سواء من خلال سيناريو حركة سلس ومقنع وجذاب على الشاشة، فجزء كبير من الحبكة يعتمد على ما تفعله الشخصيات فى المعارك والمطاردات على الشاشة، وانتقال الأحداث بسرعة وسلاسة فى عدد من الدول: فرنسا وبريطانيا والنرويج ونيوزلندا والإمارات.
الخلطة الرئيسية لهذا الجزء كانت تقديم الإبهار بشكل جديد، وإعادة تقديم المألوف فى هذه السلسلة كجزء من التحية لسلسلة سينمائية ناجحة، وربما كان هذا الجزء بتفاصيه الثرية، ووصول بطله وأحداثه إلى ذروة اللياقة الفنية أليق أن يكون الجزء الأخير للسلسلة، ولكن للنجاح فى هوليوود حسابات أخرى، ومن الصعب على توم كروز التخلى عن إيثان هانت، حلم الصبا، فى وقت قريب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات