.

عندما هتفوا تعالوا نحرق الكتب

Foto

لماذا تلجأ الدول الغازية والأنظمة المستبدة إلى استهداف الكتب وتدميرها بشكل وحشى ومنظم؟ ما الثمن الذى دفعته ألمانيا النازية لتفقد نصف كتبها خلال الحرب العالمية الثانية؟ وكيف تسبب غياب المكتبات فى تفكك دولة مثل الصومال؟


كان القرن العشرون هو القرن الأكثر دموية فى مسيرة الإنسان المعاصر فى ما تنقله إليه سجلات الموتى والحرائق. لكن الأمر لم يكن يتعلق فحسب بعدد القتلى أو دوىّ القنابل وأصوات الغارات والجثث الملقاة فى الطرقات.

الكتب أيضًا دفعت الثمن غاليًا فى هذا القرن الدموى.
يسجل هذا الكتاب الموجع «إبادة الكتب»، إصدار سلسلة عالم المعرفة الكويتية، من تأليف الباحثة الأمريكية «ربيكا نوث» وترجمة «عاطف سيد عثمان»- جانبًا من ذلك التاريخ المرعب المعاصر لنظرية «تقتلون شعبًا؟ إذن احرقوا الكتب»، وهى نظرية سادت لسنوات طويلة فى القرن الفائت، وربما تغيرت أساليبها بعض الشىء فى القرن الحالى، وإن بقى غرضها قائمًا، خصوصًا فى ظل وجود أنظمة استبدادية تدّعى أنها ترتدى ثوب ديمقراطية عصريًّا.
قد يبدو للبعض أن استهداف المكتبات هو أثر جانبى للقتل الذى يطول الإنسان فى ظل الحروب بين الدول أو الحروب التى تشنها بعض الأنظمة القمعية على شعوبها. القراءة الظاهرية السريعة للأمر تؤيد ذلك فعلًا، لكن الأمر ليس كذلك بالقطع.
تخدم المكتبات التاريخ الذى يدعو إلى التحليل والنقد، التاريخ الذى يملكه الجميع ولا يحوزه فرد بمفرده؛ ولهذا فإن استهداف المكتبات والكتب بحرقها يتيح للسلطة أن تصبح هى وحدها صاحبة الرواية الواحدة والمطلقة للتاريخ، تروى التاريخ كما تحب أن ترويه لا كما جرى.
تقول المؤلفة: «بإمكان نظام سياسى متطرف فى بلد يتمتع بتطور ملحوظ فى مكتباته أن يسىء استغلال المكتبات لترويج ذاكرة جمعية تخدم أغراضه، بينما أغلب المكتبات فى الدول المتقدمة تؤدى دورًا بوصفها قوة مناوئة للراديكالية». هذا يعنى أن المكتبات والكتب يجرى استخدامها فى إعادة بناء التاريخ وتلفيق الأساطير، خصوصًا أن الأسطورة التى تولدها الذاكرة الجمعية (ماذا لو كانت هذه الذاكرة الجمعية مشوهة أو موجهة وفقًا لدماغ السلطة؟!) سمة عاطفية وسحرية.
فى الأنظمة الثورية والقومية المتطرفة يُنظر إلى المكتبات بوصفها مؤسسة تضفى شرعية على السلطة الحاكمة عن طريق غرس معتقدات وقيم «قومية» بشرط أن تخضع هذه المعلومات للسيطرة بغرض تشكيل مجتمع يمتثل لتصورات وقرارات السلطة. هذا يوضح -مثلًا- لماذا تُلزم وثيقة اتحاد المكتبات الأمريكى التى تحمل عنوان «إعلان المكتبة للحقوق» القيمين على المكتبات بتقديم صورة متوازنة وغير متحيزة للقضايا فى مقتنيات الكتب التى يحوزونها فى المكتبات، وذلك من أجل تهيئة القارئ لاتخاذ قرار مستقل.
الكتب تحفظ التاريخ إذن. غابت الكتب فإن التاريخ يظل مشوَّهًا.
فى ثمانينيات القرن العشرين أدرك الطالب الشاب أرون لانسكى أن أكوام النفايات وحاوياتها الكبيرة فى شرق الولايات المتحدة كانت تلتهم آلاف الكتب المكتوبة باللغة «اليديشية»، وهى لغة يهود أوروبا، التى كان يتحدث بها خلال الحرب العالمية الثانية ما يقرب من 11 مليون شخص، لكنهم اندثروا للنصف تقريبًا، وهاجر معظمهم إلى أمريكا وتخلوا عن لغتهم. لكن لانسكى بدأ بجمع الكتب اليديشية من مراكز النفايات عبر دراجته الهوائية، وسرعان ما اكتسب زخمًا مكَّنه من قيادة شاحنة وتأسيس مركز الكتاب الوطنى اليديشى، الذى يضم نحو مليون كتاب.
رواندا -على سبيل المثال- لأن أغلب تاريخها شفهى وغير مسجل فى كتب أو مجسد فى مكتبات يمكن الرجوع إليها، فتوجد حالة من التشكيك المتبادل بين الأطراف هناك لا تزال تسرى حول جذور العلاقة بين الهوتو والتوتسى فى مرحلة ما قبل الاستعمار، ولا يوجد تاريخ مشترك متفق عليه، لأنه لا كُتبَ توثق ذلك.
ليس هذا فحسب، بل إن الكتاب يذهب إلى حد اعتبار أن التفكك الدائم والانهيار المستمر لدولة مثل الصومال يرجعان بالأساس إلى غياب قاعدة معرفية كتابية عن تاريخ الصومال وجغرافيته وقوانينه وثقافته الموروثة، لأن وجود «كتب» تسجل هذا التاريخ سيكون حائط صد ومقاومة ترفعه «الأمة الواحدة» فى مواجهة «مجتمع القبائل المتناحرة». الأمر يمكن اختصاره فى أن أى شعب يتم التعرف عليه عبر «ثقافته المشتركة» بينما الصومال يتم تمييز أهله رجوعًا إلى «القبائل».
فى ظل حرب الإبادة التى شنها الصرب على المسلمين فى البوسنة فى منتصف التسعينيات من القرن الماضى، خرج مواطن بوسنى مسلم ليقول: «ليس السؤال مَن سينجو، بل ضرورة أن ينجو أحدنا.. لكى تقتل شعبًا يجب قتل ذاكرته، يجب تدمير كل شىء ينتمى إلى هذا الشعب».
ينقل الكتاب عن باتريشا كنيدى، الخبيرة فى جهود أوكرانيا لإعادة المكتبات القومية بعد الاستقلال عن روسيا: «لا يمكن الإجابة عن سؤال ما إذا كانت أى أمة لديها تاريخ أم لا إجابة شافية من دون الرجوع إلى أرشيفها، لأن أرشيف الأمة هو السجل الملموس والصورة المجردة لتطور تاريخها».
فقد الألمان ما بين ثلث ونصف كتبهم من جراء القصف الذى شنه الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، ربما تبدو هذه الأرقام مرعبة، لكنها فى نظر آخرين هى «قصاص عادل» لما فعله النازيون فى كل الدول التى احتلوها خلال الحرب العالمية الثانية.
ينسب الكتاب أول عملية لتدمير وحرق الكتب فى القرن العشرين لألمانيا. لا، لم تكن نازية بعد، لقد حدث هذا فى الحرب العالمية الأولى، حينها محا الألمان مكتبة الجامعة فى لوفين ببلجيكا وقد كان عمرها قرونًا. الحقيقة أن الألمان دمروا المدينة بأكملها خلال ستة أيام من الحرق والنهب والإعدامات وأخذ الرهائن، ثم أحرقوا المكتبة التاريخية التى كانت تضم 230 ألف مجلد. كان حرق المكتبة استعراضًا دمويًّا ورسالة تحذير ألمانية قوية مفادها أن السيطرة على المستقبل تعنى حصار الحاضر وحرق الماضى.
عقب نهاية الحرب، أجبرت ألمانيا على دفع تعويضات وإعادة بناء المكتبة، وبعد هذا التاريخ بنحو 20 سنة اندلعت الحرب العالمية الثانية، وكرر الألمان، الذين صاروا نازيين هذه المرة، فعلتهم، وأحرقوا المكتبة ذاتها مرة أخرى!
فى ذروة الحرب ذاتها، وعقب قيام أهالى نابولى بقتل جندى ألمانى، جاء رد النازى قاسيًا.. تم سكب البنزين فى أركان مكتبة الجمعية الملكية بنابولى، ثم جرى إحراقها أمام أهلها بدم بارد، فدُمر ما يقرب من 200 ألف كتاب ومخطوطة فى هذه الواقعة، والرسالة كانت واضحة: الثقافة أولى بالحرق.
السؤال المهم هنا، كيف يمكن للشعوب أن تتوافق مع رغبات حكامها المجنونة فى حرق المكتبات وتحويل التاريخ إلى رماد؟
يفسر الكتاب ذلك عبر أكثر من محور، بعضها يمكن استخدامه لتفسير الهجمات الشعبوية التى تظهر بين الحين والآخر للهجوم على «الصحافة» وما تمثله من رأس حربة لكتابة التاريخ الآنى فى مجتمعات متعثرة سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، مثل العديد من الدول العربية. تقول المؤلفة: «عندما يرى الأفراد أن الأمن والرفاه وتصورهم عن الذات ورؤيتهم للعالم، بل الحياة نفسها موضع تهديد، تتدفق مشاعر الغضب والسخط واليأس، ويتحول الناس إلى رؤيات بديلة؛ مثل النزعة القومية أو الشيوعية، إذ تمثل هذه الرؤيات تجسيدًا للوعود بشأن الهوية والأمل والتحكم فى مجريات الأحداث»، ليس هذا فحسب، تضيف المؤلفة: «ثمة آثار نفسية مفيدة لتحديد عدو فى أوقات الفوضى عندما لا يُرى بغاة واضحون». العدو هنا يمكن أن يكون «قومية» أخرى، شعبًا آخر، أو فصائل بعينها داخل الشعب نفسه.
ببساطة، إن ترسيخ شعور القلق والخوف على الحياة نفسه لدى الناس من قبَل السلطة يجعلهم أكثر ميلًا لتنفيذ رغبات وتطلعات هذه السلطات، حتى ولو كانت هذه التطلعات متطرفة أو شاذة ووصلت إلى حد حرق كتب أو تصفية معارضين.
حرق الكتب -إذن- هو نفس الطريق الذى يؤدى إلى قتل الأشخاص، كلاهما يمكن أن يتم بدعم شعبى جارف فى ما يمكن وصفه بـ«إغواء الجماهير».
فى الأنظمة المستبدة والمتطرفة تنظر السلطة إلى القراء والبحث باعتبارهما «نشاطًا سياسيًّا»؛ ولهذا يجب أن يبقيا تحت السيطرة، حتى لا يجد المواطن نفسه مؤمنًا بأفكار خارج تلك التى تنتجها أو تراعيها الدولة، أو فى أسوأ الأحوال (بالنسبة للدول المستبدة بطبيعة الحال) مُطلعًا على معلومات لم تمر على أجهزة الدولة.
هذا يفسر -مثلًا- تحوُّل حرق الكتب فى ألمانيا النازية إلى «طقس احتفالى» إلى حد أن جوزيف جوبلز، وزير الدعاية النازية الشهير، خرج ليلقى كلمة احتفائية عقب قيام الشعب الألمانى بحرق الكتب التى تؤرخ لألمانيا ما قبل هتلر، قائلا: «لقد أبليتم (أيها الطلاب) بلاءً حسنًا فى هذه الليلة بإلقاء آثار الماضى فى قلب النيران. هذا استعراض مفعَم بالقوة وعظيم ورمزى، الماضى يرقد هنا فى قلب النيران».
عندما احتل الألمان بولندا خلال الحرب العالمية الثانية، تم تفريغ كل المكتبات العامة البولندية من الكتب ونقلها إلى برلين، بما فى ذلك مكتبة البرلمان البولندى، وأصدرت الحكومة الألمانية مرسومًا يقضى بأن يسلم كل مواطن بولندى الكتب التى تضمها مكتبته الخاصة! وتم استخدام هذه الكتب كمواد خام فى مصانع الورق، أما كتب مكتبة «كاليس العامة» فتم استخدامها لسد مجرى مياه الأمطار! وأُصدر قانون بعدم السماح للأطفال البولنديين بالتعلم إلا لبضع سنوات فقط بما يكفى لكتابة أسمائهم والعَد إلى رقم 500. وتوقفت صناعة النشر تمامًا فى بولندا، فلمَن ستُنشر الكتب إذا كان الشعب محرومًا من القراءة بالأساس؟ وإذا كان هذا هو حال العامة فلك أن تتخيل ما طال الأساتذة والجامعيين من جحيم، خصوصًا أن هتلر قالها صراحةً: «لا يمكن لسيدين أن يقفا جنبا إلى جنب، لهذا السبب يجب أن يُقتل جميع أفراد طبقة المفكرين البولنديين». فقدت بولندا 40% من الأساتذة الجامعيين خلال الحرب، ويقدّر مؤرخون أن بولندا خسرت 90% من كتبها خلال سنوات الاحتلال النازى.
عقب الثورة البلشفية فى روسيا عام 1917، وسيطرة الشيوعية على البلاد، اتجهت السلطة مباشرة إلى المكتبات لـ«تطهرها»، ومع انتصاف عام 1918 كادت تصبح أرفف المكتبات خاوية تقريبًا، إذ أرسلت الكتب إلى مصانع الورق أو إلى المخازن، وفى عام 1924 ظهرت قوائم الكتب التى يجب «محوها»، وتضمنت كل الكتب فى مجالات الفلسفة والدين والعلوم الاجتماعية وتاريخ الأدب والتاريخ والجغرافيا وحتى كتب الأطفال، وأزيلت أعمال كانط وأفلاطون وتولستوى ودوستويفسكى، ويمكن تلخيص ما جرى من مذبحة للمكتبات والكتب فى هذه السنوات عبر ما قالته «كروبسكايا» زوجة الزعيم الروسى لينين، وقد كانت واحدة من الرقباء على المطبوعات! قالت كروبسكايا مدافعةً عن منهجها: «لن يقرأ رجل من جماهير الشعب كانط، أما الكتب الأخرى فهى خبيثة ومهلكة لأنها تتحدث عن الدين أو هراء أنظمة الحكم التقليدية أو موضوعات ولَّى زمنها».
لاحظ طريقة التعامل مع الكتب باعتبارها عدوًّا صريحًا.
تطور الأمر ليصبح أكثر دموية فى عهد ستالين، خليفة لينين.
يقول أحد المؤرخين عن هذه الحقبة السوداء: «كان النظام الستالينى يتخلص من الأشخاص، وكان يتعين إخفاء كل شىء يمت لهم بصلة، بما فى ذلك كل كلمة كتبوها، كتبهم ومقالاتهم وأحاديثهم صارت كتبًا لم تُسطر، ومقالات لم تُكتَب، وأحاديث لم يُتفوه بها، مثلما صاروا هم أشخاصًا لم يولدوا»!
عقب موت ستالين عام 1953، ظهرت فى روسيا حملة أخرى تستهدف تصفية كل المكتبات من كل الكتب التى تمجد فى تاريخ ستالين!
وعندما اندلعت حرب البوسنة فى عام 1992، بدا أن الصرب كانوا امتدادًا أكثر وحشية للنازية. قام الصرب بمحاولة محو أى آثار أو أدلة تثبت وجود المسلمين والكروات الممتد عبر قرون فى الأراضى المتنازع عليها، وجاء ذلك عن طريق تدمير الكنائس والأديرة والمساجد والمدارس وأى مؤسسة تحوز توثيقًا مطبوعًا، بما فى ذلك سجلات المواليد ووثائق ملكية الأرض، فاستهداف المساجد وقصفها وتسويتها بالأرض لم يكن رمزيًّا بغرض كسر همة المسلمين، بل ربما كان غرضه الرئيسى هو انتزاع تاريخ المسلمين من هذه البقعة فى شرق أوروبا، إذ إن المساجد وما كان يلحق بها من مؤسسات دينية وتاريخية كانت تضم الوثائق والسجلات التى تثبت ترسُّخ المسلمين هنا منذ خمسة قرون وأكثر. بحسب الكتاب فإن الصرب قد دمروا ما يُقدّر طوله بـ481 ألف متر من سجلات المواليد والوفيات وعقود القران وعقود الملكية والأعمال التجارية وحياتهم الثقافية والدينية. ربما كان أكثر ما قيل دقةً فى هذا الأمر ما كتبه الصحفى البريطانى البارز «روبرت فيسك»: «يستغرق الأمر بضع لحظات حتى يدرك المرء ماذا يعنى هذا. إنهم يقتلون الموتى كما يقتلون الأحياء».
وقد كان الأمر يستدعى بالطبع قصف وحرق المكتبة الوطنية فى سراييفو، وقد كانت تضم 1.5 مليون مجلد و155 ألف كتاب ومخطوطة نادرة و600 ألف مطبوع مسلسل.  استمرت النيران مشتعلة فى المكتبة عقب قصفها لثلاثة أيام متصلة، ولم ينجُ منها سوى 10% من الكتب فحسب. رفض الصرب الاعتراف بأنهم قصفوا المكتبة عمدًا، بل إنهم قالوا إن المسلمين هم من أحرقوها لأن الطراز المعمارى للمكتبة كان مسيحيًّا!
بحلول عام 1938 تخلصت مكتبات ميونخ العامة من 76% من الكتب التى كانت بحوزتها عام 1934، ومقارنةً بعام 1932 تراجع عدد زوار المكتبات العامة فى ألمانيا عام 1938 من 100 ألف إلى 39 ألفًا فقط، أى أن المكتبات خسرت ثلثى زوارها.. مَن هذا الذى بحاجة إلى القراءة والمعرفة وهو يعيش تحت ظلال الفوهرر؟!
جنون حرق الكتب وحصار المفكرين أخذ أشكالًا عدة كما يرد فى الكتاب. غزو العراق للكويت استهدف تصفية 43% من مكتبات المدارس فى الكويت، وتدمير البنية الثقافية المعلوماتية للبلد المحتل، والصين خلال فترة الحكم الشيوعى ما بين عامى 1950 و1956 صنفت الشعب إلى طبقتين، إحداهما البروليتاريا، والأخرى أعداء طبقيون. هذه الطبقة الأخيرة صُنفت بدورها إلى 9 طبقات شريرة، أدناها «الكلاب الرأسماليون» ويتبعهم «المفكرون»! وفى عام 1966، فى ذروة سيطرة الثورة الثقافية لماو تسى، تم انتزاع 4 ملايين كتاب من أرفف المكتبات الصينية لأنها تُعتبر «عشبًا سامًّا».
والآن وعقب سنوات بعيدة من دموية الثورة الثقافية التى يتراوح عدد قتلاها ما بين 10 و20 مليونًا، لا تزال السلطة فى الصين ترفض «فتح جراح» هذه المرحلة، وتفرض تعتيمًا واضحًا على أى محاولات للبحث فى هذا التاريخ الدموى، لكن العبرة تقول إنه «لا تعتيم يدوم أبدًا».
لا يفرق كتاب «إبادة الكتب» كثيرًا بين الغزو الخارجى والاحتلال الوطنى من قبَل القادة، كلاهما يعتبر الكتاب عدوا ينبغى التخلص منه، بل ربما يذهب الكتاب إلى اعتبار أن «السلطة المستبدة» هى الأكثر خطرا، لأنها حينما تنتهى من التهام الكتب فى بلدها، تلتفت فى جوع إلى البلدان المجاورة بحثًا عن المزيد من الكتب لحرقها. تقول المؤلفة: «تنزع الأنظمة السياسية العنيفة إلى الاصطفاف خلف أيديولوجيا متطرفة تسوغ إبادة أى شىء يعترض سبيلها، وفى النهاية يفترس هذا النظام شعبه نفسه وثقافته، وشعوبًا أخرى وثقافتها، وهذه الوحشية لا تهدد الأفراد أو ثقافات بعينها وقعت ضحية لها فحسب، بل كل شعوب العالم فى النهاية».
المسألة -إذن- تبدأ بترويض الوحش فى الداخل، وهو أمر -بكل تأكيد- ليس هيّنًا على الإطلاق.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات