.

عندما تتحول المصادفة إلى مصير

Foto

ويُعرف الكاتب الأمة بأنها جماعة سياسية متخيلة، وهى متخيلة لأن أفراد أى أمة بما فيها أصغر الأمم، لن يمكنهم أبدًا أن يعرفوا معظم نظرائهم أو أن يلتقوهم


لابد لكل متابع لما يحدث بعالمنا المعاصر من قراءة كتاب «الجماعات المتخيلة.. تأملات فى أصل القومية وانتشارها»، للكاتب البريطانى العظيم «بنديكت أندرسن» والصادر عن دار «قدمس» للنشر والتوزيع بلبنان، فهو يتناول قضية القومية وجذورها ومشكلاتها فى كثير من دول العالم الحديث.


ويوضح المؤلف فى البداية أن «القرن الثامن عشر فى أوروبا لم يكن فجر عصر القومية وحسب، بل كان أيضًا قَرن التنوير والعلمانية العقلانية، وهذا جلب معه ظلامه الحديث الخاص، والمعاناة التى لعب الإيمان الدينى دورًا فى تكوينها لم تختفِ بانحسار هذا الإيمان، فإذا ما كان الفردوس قد تفكك، فإن ذلك قد جعل القضاء اعتباطيًّا على ذلك النحو الذى لا يفوقه أى شىء آخر، وإذا ما كان الخلاص سخفًا وتخاريف، فإن ذلك يجعل قيام نمط آخر من الاستمرار أمرًا ضروريًّا على ذلك النحو الذى لا يفوقه فيه أى شىء آخر.

وما كان مطلوبًا عندئذٍ هو تحويل علمانى للقضاء إلى استمرار، والاعتباط إلى معنى.

وسوف نرى أن قلة من الأشياء وحسب هى التى كانت -ولا تزال- تلائم هذه الغاية أكثر من فكرة الأمة، فإذا ما كانت الدول -الأمم- تُعد على نطاق واسع جديدة وتاريخية، فإن الأمم التى تعبّر عنها هذه الدول -الأمم- سياسيًّا تبدو على الدوام من ماضٍ موغلٍ فى القِدَم، والأهم من ذلك أنها تبدو منزلقة إلى مستقبل لا حدَّ له. وسحر القومية هو ما يحوّل المصادفة إلى مصير».


ويُعرف الكاتب الأمة بأنها جماعة سياسية متخيلة، وهى متخيلة لأن أفراد أى أمة بما فيها أصغر الأمم، لن يمكنهم أبدًا أن يعرفوا معظم نظرائهم أو أن يلتقوهم، أو حتى أن يسمعوا بهم، مع أن صورة تشاركهم تعيش حية فى ذهن كل واحد منهم.


ويضرب الكاتب مثالاً قويًّا برمز مهم من رموز الثقافة القومية الحديثة، وهو أضرحة الجنود المجهولين، وما تناله هذه النصَب من إجلال طقسى عام لا سابق له فى الأزمنة القديمة، وهو يعود على وجه الدقة إلى كونها فارغة عن قصد، أو إلى أن أحدًا لا يعلم مَن الذى يرقد فى داخلها. ولكى يتحسس المرء قوة هذه الحداثة ليس عليه سوى أن يتخيل ردة الفعل العامة التى يمكن أن تواجه الفضولى الذى يكشف اسم «الجندى المجهول»، أو يصر على ملء الضريح ببعض العظام، فعلى الرغم من خلو هذه القبور من أى بقايا فانية أو أرواح خالدة يمكن تحديدها، فإنها مليئة بالتخيلات القومية الشبحية.


كما يتناول الكتاب الجماعات الدينية وتصوراتها الكلاسيكية عن أنها فى مركز الكون، عبر وسيط لغة مقدسة مرتبطة بنظام «فوق أرضى»، ويشير الكاتب إلى أن للجماعات الكلاسيكية التى تترابط من خلال اللغات المقدسة خاصية تميزها عن جماعات الأمم الحديثة المتخيلة، ويتمثل أحد الفروق الحاسمة فى ثقة الجماعات القديمة بقدسية لغاتها الفريدة، وتظهر تلك الأزمة الخاصة باللغة فى التقاليد الإسلامية، فقد ظل القرآن حتى فترات قريبة، غير قابل للترجمة الحرفية؛ لأن الحق الإلهى عند كثير من الفقهاء لا يمكن النفاذ إليه إلا عبر علامات اللغة العربية المكتوبة الصحيحة.


يأخذنا الكتاب فى رحلة عبر قوميات وإثنيات مختلفة، فمن الصين وفيتنام إلى بلاد المسلمين، ويعود مرة أخرى إلى أوروبا حيث يضرب أمثلة عديدة بالقوميات الحديثة، وتظل الأهمية الكبرى فى كل ذلك فى تفسيرات علاقات التأثير والتأثر بين القومية والعنصرية، وخطورة ذلك على الإنسانية جميعًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات