.

عزف إدوارد سعيد المتأخر

Foto

يتساءل إدوارد سعيد فى كتابه، إن كان المرء يزداد حكمة مع تقدمه فى السن؟ وهل هناك مؤهلات فريدة فى الرؤية والشكل يكتسبها الفنانون بسبب العمر فى الفترة المتأخرة من سير حياتهم؟


هذا الكتاب الأخير الذى ألفه «إدوارد سعيد» دون أن يتمه أو يراه منشورا.

نشر الكتاب عام 2006 باللغة الإنجليزية، بعد وفاته بثلاثة أعوام وبجهد مشترك بين زوجته وبعض أصدقائه خصوصا الناقدين الأمريكى «رتشارد بواريير» والإنجليزى «مايكل وود».

وترجمه إلى العربية «فواز طرابلسى» ونشرته مؤخرا دار الآداب ببيروت، تحت عنوان «عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب ضد التيار». يحتوى الكتاب على سبعة فصول، هى: «اللا زمنى والمتأخر»، «عودة إلى القرن الثامن عشر»، «مدرسة العشاق، عند الحدود»، «عن جان جينيه»، «نظام قديم يتباطأ»، «العازف المُعجز مثقفا» و«لمحات من الأسلوب المتأخر».

يسبقهما مقدمة بعنوان «الموسيقى هى منفى اللغة» لمايكل بى ستاينبرغ، ومقدمة عن الأسلوب المتأخر «لمايكل وود» الذى يسرد حكاية جمع المحاضرات فى كتاب، وبعدها مقدمة لمريم سعيد -زوجة الراحل- تدور فى الفلك نفسه.


يتساءل إدوارد سعيد فى كتابه، إن كان المرء يزداد حكمة مع تقدمه فى السن؟ وهل هناك مؤهلات فريدة فى الرؤية والشكل يكتسبها الفنانون بسبب العمر فى الفترة المتأخرة من سير حياتهم؟ يشير سعيد إلى أنه -ولأسباب شخصية بديهية- الفترة الأخيرة أو المتأخرة من الحياة، فترة تحلل الجسد واعتلال الصحة أو حلول عوامل أخرى؛ تحمل إمكانية النهاية قبل الأوان حتى لمن لم يتقادم به العمر، مركزا فى هذا الكتاب على كبار الفنانين وكيف اكتسى كلامهم وفكرهم فى نهاية حياتهم لغة جديدة وهو ما سوف يسميه «الأسلوب المتأخر».

متوقفا عند مسرحية «عندما يستيقظ الموتى» لهنريك إبسن، ومشيرا إلى أن «مسرحيات الكاتب النرويجى الأخيرة، توحى بفنان غاضب مضطرب، توفر له واسطة المسرح مناسبة لاستثارة المزيد من القلق والعبث غير المسبق بإمكانية الختام تاركا المشاهدين أكثر حيرة واضطرابا من ذى قبل».

يعلق سعيد: «هذا النوع من التأخر، بما هو أحد العوامل الفاعلة (المؤثرة) فى الأسلوب -الإبداعى للفنان- هو ما أجده بالغ الإثارة، إن قلة من الفنانين والمفكرين فقط يأبهون بما فيه الكفاية بمهنتهم للاعتقاد بأن المهنة تشيخ هى أيضا وعليها أن تواجه الموت بأحاسيس وذاكرة فاشلتين».


إدوارد يتحدث عن مؤلفين وعازفين ومؤلفين موسيقيين لتوضيح ما يعنيه، فاستشهد بنص لـ«غاستون باشلار»: «يجب أن يعاد للعقل البشرى وظيفة العدوانية المقلِقة، فإذا لم يخاطر المرء برجاحة عقله فى أى تجربة يخوضها، فإن هذه التجربة لا تستحق أن تخاض.

ثم إن المخاطرة بالعقل يجب أن تكون مطلقة. وإن خصيصتها المميزة هى أن تكون مطلقة. كل شىء أو لا شىء.

فكل اكتشاف جديد يقود إلى منظومة فكرية جديدة، ويجب عليه أن يدمر منظومة سابقة. بعبارة أخرى، الوقاحة هى المنهج فى ميدان الفكر. يجب أن نمضى بأسرع ما يمكن فى أقاليم الوقاحة الفكرية».


يرصد إدوارد سعيد خلفية الأسلوب المتأخر عند مبدعين متفاوتين أمثال الروائى الإيطالى «لامبيدوزا» ترجع إلى انهيار الأنظمة القديمة فى أوروبا تحت ضربات الثورات الشعبية، القومية منها والاجتماعية.

فرواية «الفهد» «لامبيدوزا» التى حولها المخرج الشيوعى الإيطالى الكبير «فيسكونتى»، ذى الأصل الأرستقراطى، إلى أحد روائع أفلام السينما الإيطالية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تصور تصويرا ملحميا التفكك الاجتماعى لإيطاليا فى القرن التاسع عشر.


لم يغفل المفكر إدوارد سعيد فى كتابة أسلوب الموسيقى والموسيقيين المتأخر فنجده يستعرض أقصوصة «موت فى البندقية» للألمانى «توماس مان»، التى تحولت إلى أوبرا، للموسيقى البريطانى «إدوارد بريتن».

فهى نتاج «الأسلوب المتأخر» «لبريتن»، بل هى آخر أعماله. تروى الأوبرا قصة وفاة البطل، الفنان الألمانى المتوحد «ڤان آشنباخ»، دون أن يستطيع التواصل مع، أو الوصول إلى الفتى البولندى الذى افتتن به. المكان فندق فى البندقية، المدينة الإيطالية المشتهاة، المتعددة الهويات، التى يضربها وباء آسيوى غامض ترفض الاعتراف بوجوده.


ومن الأوبرا إلى العزف، ينتقل إدوارد مع عازف البيانو الأميركى اللامع «غلين غولد»، «العازف المثقف»، على حد تعبير سعيد، الذى يشكل عزفه النقيض من العزف الموسيقى الاستهلاكى، ليس يؤدى القطعة الموسيقية تأدية، يحلل النص الموسيقى تحليلا.

ويذكر أسلوب «غلين غولد» المعاصر سعيد بالفيلسوف والمؤرخ الإيطالى «جيانباتيستا فيكو»، فى مفهومه عن «الابتكار». والابتكار هنا هو: «العثور على تِيمة وتطويرها على نحو طِباقى بحيث يمكن إحياء كل ما تنطوى عليه من إمكانات ضامرة والتعبير عنها وتطويرها».


الحقيقة أن كتاب «عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب ضد التيار» من الكتب التى تستحق وقفة طويلة إما لطرافة تفاصيلها أو لعمق رؤى إدوارد سعيد ومن يتناولهم فيها، أو للسببين معا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات