.

طبعة جديدة لـ«زوربا» الساخر الأبدى من الكهنة

Foto

إن هذه الرواية هى بحق إحدى روائع الإبداع الروائى فى القرن العشرين، رؤية نافذة لمعنى وجوهر الحضور الإنسانى، واكتشاف لطبقات الوعى الحيوية المنسية تحت ركام التفاصيل اليومية


«لو أننى أردت أن أذكر الأشخاص الذين تركوا أثرًا أعمق فى نفسى، فلعلنى أذكر بصفة خاصة أربعة، هم: هوميروس، برجسون، نيتشه، زوربا». هذا ما يؤكده «نيقوس كزانتزاكس» فى روايته «حياة ألكسيس زوربا» الصادرة فى طبعة حديثة فى سلسلة «آفاق عالمية» فى هيئة قصور الثقافة، وبترجمة دقيقة من اللغة اليونانية للدكتور محمد حمدى إبراهيم.


إن هذه الرواية هى بحق إحدى روائع الإبداع الروائى فى القرن العشرين، رؤية نافذة لمعنى وجوهر الحضور الإنسانى، واكتشاف لطبقات الوعى الحيوية المنسية تحت ركام التفاصيل اليومية الصغيرة والأفكار الثابتة المتداولة، وهى فى نفس الوقت إعادة لاعتبار البديهة والفطرة الإنسانية التى لم يشوّهها الافتعال والتصنع الحضارى.


وزوربا فى الغالب شخصية حقيقية، التقاه المؤلف فتأثر به أشد ما يكون التأثير، فكتب عنه هذه الرواية البديعة.

ولكن مَن زوربا هذا الذى يجعل كاتبًا بحجم كزنتزاكس يكتب عنه هذه الرواية الضخمة؟!
إننا فى حقيقة الأمر سوف نندهش عندما نكتشف أن زوربا ليس شخصية مؤثرة فى المجتمع، وليس من أصحاب الجاه أو السلطان، وإنما هو مجرد عامل بسيط بلغ من العمر أرذله، لكن قامته دائمًا منتصبة وصوته صاخب قوى. ويؤكد كزانتزاكس من خلال وصفه له أنه متناقض معه تمامًا، فالفعل عند زوربا أسبق من الفكر؛ ولذا فهو يضيق ذرعًا بمن يفكرون أو يتأنون مليًّا قبل اتخاذ القرار، أما كزانتزاكس فإنه يعترف بتردده فى اتخاذ قراراته وفشله أمام المشكلات العويصة.


إذن، فإن المؤلف يصوّر شخصية زوربا بأنه مُقبل على الحياة، يعشق الطعام والشراب، ومولَع بالعزف على آلة القانون وبالرقص الذى تهتز فيه كل خلية من خلايا جسده، ونحن نجده يعبر عن ذلك قائلاً: «كلما عضّنى الفقر بنابه أرتاد المقاهى وأعزف وأغنى ألحانًا مقدونية قديمة سمعتها فى ما مضى فى مسقط رأسى».


لقد أدرك المؤلف حين قابل زوربا أن هذا هو الإنسان الذى يبحث عنه زمنًا طويلا، ومن هنا فلم ينقطع الحبل السرى بينهما؛ لأن جوهر الفن عند كزانتزاكس هو عشق الجمال والعاطفة الجامحة، لذا كنا دائمًا ما نلمس انبهاره حينما كان يرى زوربا وهو يقبض بيده على المعول ليبحث عن الفحم الحجرى، إنهما يدان تعملان بكد وتعزفان فى مرح، يدان زاخرتان بالبثور والتشققات، ولكنهما حالمتان مشبوبتان بالأمل والمغامرة.


وقد كان لزوربا آراء غريبة حول الدين، فهو يرى أن أفعال الناس وشرورهم تجعل عالمنا أقرب إلى الشيطان من الله، وبغض النظر عن عدم إيمانه فهو ينفر ممن يتمسحون بتعاليم الأديان، أو يتسربلون بأردية الكهنوت.

وهو يعتقد أيضًا أن البشر قادرون على التسفُّل لدرجة أنهم يصبحون بهائم تستمرئ الأوحال، أو ذئابًا مفترسة تقتات على اللحوم وتسفك الدماء.


هذه الجرأة ربما تصدم القارئ للوهلة الأولى، لكن المؤلف هنا يصور زوربا وكأنه قادم من اليوتوبيا، شخص نظيف لا يعانى من انفصام الشخصية، وليس ممن يغلفون ذواتهم الحيوانية بقشرة هشّة من غلالة التحضر أمام الناس، إنه إنسان ظاهره مثل باطنه، فقد بتر إصبعًا من أصابعه أمام الماكينة التى يعمل عليها؛ لأنه -فى ظنه- قد أعاقه عن ممارسة حرفة الخزف التى يعشقها إلى درجة الجنون.


إنه شخصية تذكرنا بملحمة الأوديسا، حيث يحلق طيفه كما تحلق أطياف الموتى كى تنهل من وعاء الدم وهى مسحوقة القلب، رغبةً منها فى أن تحظى بالحياة السعيدة الخالية من الشرور والآثام.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات