.

جولة فى تاريخ الأدب الروسى

Foto

وفى الكتاب يحكى أحمد صلاح الدين على تردّى العلاقات بين الكنيسة وتالستوى، لاعتقادها أنه خرج عن تعاليم الدين المسيحى، فى الوقت الذى كان يتبادل فيه مع الإمام محمد عبده


حين تبدأ فى قراءة الصفحات الأولى من كتاب «ورثة تالستوى: على جسر كوزنيتسكى»، الصادر من مكتبة أطياف، أحمد صلاح الدين 2015، تظن من خلال شغف الكاتب به، أن العمل يتناول سيرة حياة تالستوى، فقد أفرد صفحات من الكتاب لسرد حياته الشخصية وتاريخه الأدبى، الذى ربما لا يعلمه الكثير.

مثل شغفه بحياة الفلاحين المعدمين وإشفاقه عليهم، فكان يقوم بكل أعمالهم ويعاملهم بلطف مبالغ، ورغم حبّهم له فإن هذا لم يمنعهم من أن يطلقوا عليه السيد غريب الأطوار، وقبل وفاته تنازل بإرادته عن جميع أملاكه واختار حياة الزهد.


وفى الكتاب يحكى أحمد صلاح الدين على تردّى العلاقات بين الكنيسة وتالستوى، لاعتقادها أنه خرج عن تعاليم الدين المسيحى، فى الوقت الذى كان يتبادل فيه مع الإمام محمد عبده، مفتى الديار المصرية، الرسائل الودية، كما ذكر الكاتب عشق تالستوى للأدب العربى، خصوصًا «ألف ليلة وليلة»، والتى كان يحفظ أجزاءً منها. فجاءت رواية «أنا كارنينا» بنكهة شرقية، ولاقت رواجًا كبيرًا فى البلاد العربية.


لم يتوقف الأدب الروسى عند «الأب الروحى» تالستوى، بل ضمّ أيضًا العديد من الأسماء المهمة والتى عددها الكاتب، ورتبها تبع فترات ظهورها، مثل «تشيخوف» أبى القصة القصيرة المعروف بتواضعه، إذ إنه لا يعطى مَن يجلس بجواره سوى الشعور بالراحة، وقد راعى موهبة «مكسيم جورجى» وتبناها، وربطتهما صداقة قوية. ثم انتقل الكاتب «لبوريس باسترناك» صاحب الرواية المشهورة «دكتور جيفاجو»، التى تحكى عن نضال فرد وانتصاره لما يؤمن به ويصدقه مهما كلّفه الأمر، ذاع صيت العمل، وأسهمت المخابرات البريطانية فى تحويله إلى فيلم بطولة النجم المصرى «عمر الشريف»، ويرجع هذا الاهتمام إن أحداثها تمثل تيارًا معاكسًا لأيديولوجية الاتحاد السوفييتى، مما جعل الرواية بمثابة ضربة قاصمة له.
ولا يمكننا أن ننسى الشاعرة «أنا أخماتوفا» عند ذكر الأدب الروسى، فقد نشرت العديد من الدواوين الشعرية، كما أسَّست حركة تسمى «الأكمييزم»، تناهض استخدام الرمزية التى كانت مسيطرة على الشعر فى ذلك الوقت.


كما سرد الكتاب أهم اللحظات الفارقة فى تاريخ روسيا، والتى أثرت على الأدب الروسى، مثل الضغوطات التى مارستها السلطة السوفييتية على المبدعين، وحكمها على العديد منهم بالسجن والإعدام، حتى إنها سيطرت على المطابع والمواد المنشورة، مما أدَّى إلى ظهور أدب جديد وهو «أدب المهجر»، منح أدباء المهجر اهتمامًا كبيرًا، ووجهت إليهم الدولة دعوات للعودة إلى بلادهم مرة أخرى.


ثم انتقل لذكر أهم أدباء المهجر، مثل «فلاديمر نابوكوف» الذى قامت معظم أعماله على أدب المهجر وكانت أشهرها رواية «لوليتا»، وكان يتميز بقدرة خاصة على رسم شخصيات أبطاله، وهناك أيضًا «أيفان بونين»، و«مارينا تسفيتايفا» التى انتقلت بين برلين وبراغ وفرنسا، لكنها لم تشعر بالراحة سوى فى بلادها.
على مشارف التسعينيات ظهر مصطلح «المخدرات الأدبية» نتيجة غزو الكتب الأجنبية المليئة بحكايات الجرائم والأغلفة البراقة، دون احتوائها على مضمون، لاقت هذه الكتب رواجًا كبيرًا، واتجه الناشر الروسى لتحصيل أكبر قدر من المكاسب المادية عن طريق تلبية احتياجات السوق، ورأى كافكا أن الروايات البوليسية «نوع من المخدرات» التى تزيِّف الحقائق وتشوّه الحياة. واللافت جدًّا أن أغلب مَن يكتب هذا النوع من الأدب هم السيدات، أمثال ألكساندرا مارينينا، وداريا دانتسوفا التى كانت أعمالها مطعمة بالفكاهة، ومارينا سيروفا التى أعمالها عرضت نوعًا مختلفًا من البطلات ذات القدرات غير العادية، والتى لاقت رواجًا، وذاع صيت الكاتبة فى فترة قصيرة.


يذكر الكتاب فترات مختلفة من تاريخ روسيا أثَّرت على الأدب الروسى، فقد شهدت نهاية القرن العشرين تراجعًا ملحوظًا فى نتاج الأعمال الروسية، ولكن بدخول القرن الواحد والعشرين ظهر ما يسمى الواقعية الجديدة، وأقيمت الدولة المركزية، وظهر أول كتاب مطبوع وهو «كتاب الرسل».


سرد الكاتب فى هذا العمل تاريخ روسيا السياسى، وسقوط الاتحاد السوفييتى الذى أثر بشكل أو بآخر على نتاجها الأدبى، وقد مرَّ بفترات من التردّى صاحبت الأوضاع السياسية المتأزمة، ولكن رغم ذلك هناك العديد من الأصوات التى ظهرت مؤخرًا على الساحة الأدبية، حملت ورث «تالستوى».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات