جامع قطز قاهر التتار الذى قُتل فى عز مجده

Foto

السلطان سيف الدين قطز الذى كان بطل واحدة من أكثر قصص التاريخ مأساوية وغرابة، ظهر فيها أشبه بعريس قُتل فى يوم عرسه.


جامع قطز حديث، سواء على مستوى هوية المنشئ أو التاريخ أو أسلوب العمارة، ويقع فى حى مصر الجديدة، وفى مدينة بعمر القاهرة وضخامة وقدم مآذنها يصبح الحديث عن تاريخ جامع مثله نوعا من العبث، وسبب ضمه لهذا الكتاب يرجع أول ما يرجع لسيرة صاحبه الملك المغدور به «قطز».


السلطان سيف الدين قطز الذى كان بطل واحدة من أكثر قصص التاريخ مأساوية وغرابة، ظهر فيها أشبه بعريس قُتل فى يوم عرسه.

ولد فى إحدى مقاطعات آسيا الصغرى لأسرة كانت تتوارث الملك ولكنها أبيدت على أيدى التتار، وبعدما سقط عرش أسرته ودمرت قصورها مر قطز بفترة عصيبة، تنقل فيها بين يدى تجار الرقيق الغليظة إلى أن استقر به المقام بين مماليك الأمير عز الدين أيبك فى أثناء واحدة من أحلك فترات تاريخ مصر، وهى فترة مداهمة القوات الصليبية للأراضى المصرية وأفول الدولة الأيوبية وتأسيس دولة المماليك.


شارك قطز فى طرد الصليبيين ولم يكن بعيدًا عن مؤامرات المماليك التى تمخضت عن تنصيب سيده عز الدين أيبك على عرش مصر، غير أن دوره كقائد محنك وشجاع لم يحتل صدارة المشهد السياسى سوى مع وصول رسالة من العدو الذى دمر أسرته ولم تشهد الإنسانية مثل فظاعته ودماره وهو جيش التتار، تلك الرسالة وقعها هولاكو قائد التتار وأرسلها إلى حاكم دمشق ويقول فيها: «الذى يعلم به الملك الناصر أنَّا قد فتحنا بغداد بسيف الله تعالى، وقتلنا فرسانها وهدمنا بنيانها وأسرنا سكانها كما قال الله تعالى فى كتابه العزيز (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)».


فى ذلك الوقت كانت مصر تمر بظروف عصيبة، فقد نجحت شجرة الدر فى الإطاحة بالسلطان عز الدين أيبك عن عرش مصر ومن الحياة ذاتها، غير أنها لم تتمكن من العرش وقتلتها زوجة أيبك شر قتله، واجتمع المماليك حول المنصور بن أيبك ونصبوه سلطانا للبلاد، وكان المنصور فوق أنه صبى صغير يعانى من عته واضح. ورغم كل ذلك لم يجد حاكم دمشق ملجأ غير مصر، فأرسل سفيره برسالة هولاكو المشار إليها.

والغريب أنه بمجرد أن وصل إلى مشارف القاهرة هبت مصر عن بكرة أبيها لحماية الإسلام والمسلمين من ويل التتار.


والصاحب كمال الدين سفير حاكم دمشق استقبله أمراء المماليك فى القلعة وعقدوا فى حضوره مجلس حرب للرد على تهديد هولاكو حضره الملك الصغير المعتوه المنصور وقاضى القضاة والفقهاء وكبار قادة الجيش.


وفى هذا الاجتماع الذى لولاه لتغير تاريخ الإنسانية برمته انطلق صوت قطز، وكان صوتا جهورا قويا استطاع أن يجمع الناس على كلمة واحدة، وكان له مفعول السحر فى الاندفاع، بل التضحية بالنفس فى سبيل طرد التتار، فبينما كانت مناقشات الاجتماع منصبة على البحث عن رد مناسب على رسالة هولاكو، نقل قطز الكلام إلى شىء آخر.. شىء داخلى، أعلن أنه يجب أولا وقبل التفكير فى مواجهة التتار تنحية الملك المنصور لأنه صبى صغير ولا يعرف تدبير الأمور فى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ مصر والمنطقة، وأنه لا بد من سلطان ماهر محنك يسارع بمنازلة الأعداء.


ونجح قطز فى ذلك الاجتماع فى عزل الملك المنصور وتولى سلطنة مصر، وسهل الأمر عليه، فضلا عن عته السلطان الصغير، شجاعته وحرصه وغيرته على البلاد ورغبته فى الانتقام من عدوه القديم، وأعلن أن الملك لا يعنى لديه سوى التمكن من مقاتلة التتار وأنه لو تيسر له ذلك دون ملك ما طلبه وأنه «إذا نازلنا العدو وكسرناه فالأمر مرده لكم لتقيموا فى السلطنة من شئتم».


ومبادرة سيف الدين قطز وزهده فى أى غرض شخصى من الملك شحذ همم القوم وأجج حماسهم لملاقاة قوات التتار، ورفع الروح المعنوية لدى أمراء الشام بمن فيهم الذين جبنوا عن حرب التتار، فقد سارعوا للانضواء تحت لواء السلطان الجديد. وجمع الجنود والقادة من المدن المصرية واستعد الجيش المصرى فى وقت جد قصير لخوض غمار حرب فاصلة مع التتار.


وقاد السلطان سيف الدين قطز هذا الجيش إلى الصالحية، حيث انضم إلى القوات الشامية، وهناك حاول أمراء الشام أن يعدوا له استقبالا ضخما يليق به كسلطان جديد ولكنه رفض إهدار أى مبلغ فى تكريمه أو ضيافته، ووجه كل جهوده فى توفير الأموال اللازمة لتدبير العتاد الكفيل بقهر العدو، وأخذ يخطب فى الأمراء شارحا لهم واجبهم الذى أنيط بهم بينما هم ينظرون إليه على أنه رجل الساعة الذى جاء خصيصا لإنقاذ العالم من شرور التتار، ومما كرس هذه النظرة أن قطز أعلن وسط مجلسه الحربى أنه هو ولا أحد سواه سيكون أول من يخرج لقتال التتار، وأنه قادر على ذلك حتى لو واجههم بمفرده، فهو لن يتردد فى أن يضحى بنفسه فى سبيل الوقوف أمام سيل التتار الكاسح ليلقى ربه بنفس مطمئنة وضمير مرتاح، وانتقلت روح الحماسة من قطز إلى سائر الأمراء فانتفضوا مصممين على ملاقاة التتار.


وبينما كان قطز يتجول بين صفوف جيشه المتحمس، وصلته رسالة موقعة باسم هولاكو، وهى رسالة تهديدية عنيفة ومتغطرسة تتميز بأسلوب أدبى قوى وعنيف ومهدد بالويلات، ويبدو أنه استفاد كثيرا من أسلوب أبى حيان التوحيدى، وبلاغتها تثبت -عكس قول المؤرخين- أن كاتبها ليس هولاكو أو أى واحد من قادة التتار، وإنما أحد المثقفين العرب البلغاء الخونة الذين سارعوا للانضمام إلى جيش التتار بعد سقوط بغداد كما هى عادة المثقفين الخونة على مر التاريخ، وتقول كلماتها: «من ملك الملوك شرقا وغربا، القان الأعظم، باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء.

يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، إنا نحن جند الله فى أرضه، فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب وعلينا الطلب، فأى أرض تأويكم، وأى طريق ينجيكم، وأى بلاد تحميكم، فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، فلا تطيلوا وأسرعوا برد الجواب قبل أن تضرم الحرب نارها، وترمى نحوكم شرارها، فلا تجدون منا جاها ولا عزا، ولا كافيا ولا حرزا، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منا خالية، فقد أنصفناكم إذا راسلناكم، وأيقظناكم إذا حذرناكم، فما بقى لنا مقصد سواكم، والسلام علينا وعليكم وعلى من أطاع الهدى، وخشى عواقب الردى».


تلك الرسالة المتغطرسة على عكس ما توقع هولاكو أشعلت قلب قطز ضد التتار، وأججت رغبته فى قتالهم مهما كانت النتائج، فأمر بقتل كل رسل هولاكو الذين حملوها فى الحال، وتحرك تجاه الشام.


خرج جيش السلطان المظفر سيف الدين قطز لملاقاة التتار فى شهر رمضان عام 658هـ- 1260م، وفاجأ الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى الذى تولى طليعة الجيش قوات التتار فى مدينة غزة، ثم تابع سيره إلى مدينة عكا متخذا طريق الساحل، وقد كان بمدينة عكا بقايا من قوات الصليبيين، وعندما عرض قادتهم على قطز المساعدة فى حربه ضد التتار رفض بشدة وأعلن أن الدفاع عن السلطنة العربية يتولاه أبناؤها.


خطة المظفر قطز قامت منذ البداية على مباغتة جيش التتار بهجوم سريع فى مواقعه قبل أن ينتبه ويتحرك، وبناء عليها أمر الأمير ركن الدين بيبرس بمواصلة مهاجمة قوات التتار المبعثرة فى أنحاء فلسطين، فأثبت بيبرس مهارة فائقة وشتت أطرافهم ومركز جيشهم وقيادتهم.


وتابع قطز سيره بالقوة الأساسية من الجيش حتى انضم إلى بيبرس عند «عين جالوت» التى تقع بين بيسان ونابلس، وهناك وحد قيادة جيشه بدمج القوات المصرية بالشامية، وفى يوم الجمعة الخامس عشر من شهر رمضان عام 658م التقت مقدمة القوات العربية بقيادة السلطان قطز بطلائع جيش التتار وأنزلت بها هزيمة فادحة.

غير أن التتار فى صبيحة اليوم التالى استطاعوا تنظيم صفوفهم واحتلوا منطقة جبلية تشرف على ميدان القتال، واصطدم الجيشان مرة أخرى، وهنا ظهرت مواهب قطز ليس كقائد وسلطان ولكن كمحارب ماهر وشجاع، فقد اشترك بنفسه فى القتال وعندما أصيب جواده، ترجل عنه وواصل القتال على قدميه، ولما اشتد القتال ألقى قطز خوذته على الأرض وصاح بأعلى صوته: «وا إسلاماه»؛ فازداد حماس جنوده وحملوا على التتار بشدة أطاحت برأس قائدهم الأعلى وسطرت بداية انهيار أسطورة جيش التتار للأبد.


وبعد الانتصار على التتار خرج سيف الدين قطز من دمشق عائدا إلى القاهرة، وواصل سيره حتى وصل إلى القصير وهى إحدى قرى مركز فاقوس بمحافظة الشرقية، وفيها انتظر مع بعض خواصه وأمرائه وأمر جيشه بالتوجه للصالحية.


وفى ذلك الوقت كان الأمير بيبرس قد عقد العزم على قتل السلطان المنتصر، وذلك لأنه كما يروى لم يمنحه نيابة حلب، وتظاهر بيبرس بأنه يبغى تقبيل يد السلطان وقبض عليها حتى تمكن أحد مشايعيه من طعن قطز فى صدره ليلفظ أنفاسه الأخيرة وهو فى أوج مجده، ويدفن فى قبر متواضع يقع فى سفح المقطم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات