امرأة تسقى ورجل يرعى واستعمار ينهب الأرض

Foto

والد المؤلف عمل مذيعًا فى «محطة الإذاعة البريطانية»، وتزوج سيدة إنجليزية، ودفعته ظروف الحرب العالمية الثانية إلى لندن، حيث هاجر إلى الولايات المتحدة لاحقًا


يسعى كتاب «فلسطين تاريخ شخصى» للكاتب الإنجليزى كارل عيسى صباغ للكشف عن الظلم الذى وقع على أسرته وشعبه الفلسطينى بكلام مقتصد، يخالطه الأسى والاحتجاج، ولدى الغرب بسلطته السياسية، تتحضر عندما تريد، وتتوحش بلا اقتصاد، الكتاب صادر عن المركز القومى للترجمة 2015 فى 340 صفحة من القطع الكبير، والذى نقله إلى العربية المترجم محمد سعد الدين زيدان.


والد المؤلف عمل مذيعًا فى «محطة الإذاعة البريطانية»، وتزوج سيدة إنجليزية، ودفعته ظروف الحرب العالمية الثانية إلى لندن، حيث هاجر إلى الولايات المتحدة لاحقًا، بعد أن منع من العودة إلى فلسطين، إثر «قيام دولة إسرائيل عام 1948» لقد جعل كارل صباغ من مآل عائلته مرآة للمأساة الفلسطينية، إذ ما تبقى فى «الوطن» يدمره الإسرائيليون، وإذ ما أخرج من الوطن تعطيه الغربة صياغة موجعة.


حين يتذكر أمه، التى انفصلت عن أبيه، بعد سنوات قليلة يقول: «لم تعرف أمى شيئًا البتة عن الشرق الأوسط، ولم تحسن فى حياتها أن تنطق اسم والدى الأول». ثم يكمل: «كنت عادة ما أتساءل عما تعنيه فلسطين لأمى، ومن هم على شاكلتها من الطبقة تحت المتوسطة على الأغلب». إن الصراع العربى الإسرائيلى قد تحول فى أيامنا هذه إلى عناوين إخبارية لا أكثر.


ويعد الفصل الخامس «حكايات الرحلة» من الفصول الأكثر تأثيرا فى الكتاب، فقد أشار فيه كارل صباغ إلى الرحالة، الذين زاروا فلسطين فى القرن التاسع عشر، ونشروا فى كتبهم فكرة ثابتة مفادها أن سكان فلسطين لا اعتبار لهم ولا شأن بأرض فلسطين، وما هم إلا جمع فولكلورى من البشر، له علاقة بالصدفة الطارئة، وجوهه رجل يرعى أغنامه، وامرأة تسحب الماء من البئر، وخيمة و«المرأة صاحب الخدر» لإنسان «أقل» يشبه البشر ولا يشبههم فى آن واحد، ينتمى إلى زمن بدائى بعيد من «الحضارة».


أفضى اختراع الماضى اليهودى فى فلسطين إلى اختراع حاضرهم فيها، وأفضى الاختراعان إلى محو الزمن العربى – الفلسطينى، وإلى نظر تطبيقى يدمر فلسطين العربية والفلسطينيين. تم الربط بين «أدب الرحالة الغربيين» وعلم الآثار «اليهودى»، قبل ترجمة الوحدة العضوية بينهما إلى وعد سياسى وقنابل ومندوب سامىّ ومطاردة للفلاحين الفلسطينيين الثائرين، الذين قصفتهم بريطانيا بــ«البراميل المتفجرة» خلال ثورة 1936 – 1939.


السؤال الذى يطرحه كارل صباغ هو، ما معنى التحضر وما معنى التوحش فى سياق استعمارى منتصر؟ والجواب فى العرف الاستعمارى بسيط: «يساوى التحضر قوة الطرف الذى يقول به، ويساوى التوحش ضعف الإنسانى الذى يعتبر متوحشًا». فلا أخلاق إلا أخلاق القوة، التى تفصل بين الحقائق والأكاذيب. وبسبب القوة العارية، التى تناقض الأخلاق، يستطيع العالم الصهيونى أن يكون كاذبًا، وهو يبحث عن «شعب مخترع»، ويكون الرئيس الأمريكى ولسن كاذبًا، الذى منع عن الفلسطينيين حقوق الإنسان، والأمر على حاله مع عالم الآثار، الذى ينقب عن آثار يهودية فى فلسطين إلى ثلاثة آلاف عام.

ولن يختلف حال رجل الدين، اعتمادًا على كذب متواتر جعل من فلسطين هبة إلهية. ولهذا قال شارون «هذه الأرض لنا والرب أعطانا صكوك الملكية»، ناسيًا صناعة الإرهاب التى كرس لها حياته كلها.


بعد سؤال التحضر والتوحش يأتى سؤال العقل الحداثى: كيف يجمع رئيس أمريكى، يدعى الحضارة والديمقراطية والعقلانية بين القيم الحداثية والقبول بأساطير يهودية؟ والسؤال له علاقة بالعنصرية المطلقة التى تنظر إلى العرب كجنس متدنٍ بين الأجناس البشرية، لا يعرف معنى الوطن والسياسة أو الدولة، ولا يستطيع إدارة مجتمعه والتعامل مع الحضارة.

أنجز صباغ بحثًا عن تاريخ فلسطين الحديث، معتمدًا مادة وثائقية واسعة، وأدرج فيه بعدًا روائيًّا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات