العراقى اليهودى الذى لم تفارق عظامه أرض الرافدين

Foto

«اليهودى الأخير» يرصد الكاتب العراقى «عبد الجبار ناصر» ملامح التغيير الاجتماعى والسياسى، الذى حول العراق من مجتمع خليط من المسلمين والمسيحيين، اليهود والصابئة


كان يهود العراق قد شكلوا مجتمعًا متجانسًا، تمكن من المحافظة على هويته الجماعية، وثقافته على امتداد عدة قرون، لكنه عرف كيف يندمج فى محيطه ويتجانس فى تقاليده ولهجته، فقد كان يهود العراق، يستخدمون اللغة العربية حتى فى تراتيلهم واحتفالاتهم الدينية، يدحض ما ذهب إليه الباحثون العرب، خصوصًا أن يهود العراق لم يسجل عنهم أنهم عاشوا فى «جيتوهات» مغلقة كما كان الأمر فى أوروبا مثلًا.


فى روايته الصادرة مؤخرًا، عن الدار المصرية اللبنانية، «اليهودى الأخير» يرصد الكاتب العراقى «عبد الجبار ناصر» ملامح التغيير الاجتماعى والسياسى، الذى حول العراق من مجتمع خليط من المسلمين والمسيحيين، اليهود والصابئة، إلى مجتمع طارد متعصب، وهو ما غذته التعقيدات السياسية، ففى حى البغدادى من ستينيات القرن العشرين، كانت كنيسة أم الأحزان، تجاور الكنيس اليهودى الوحيد فى المدينة، وهناك فى حى البغدادى تقع عيادة، الطبيب اليهودى ناجى نعوم، الذى كان بعد وفاة شقيقته، آخر من تبقى فى المدينة من يهود السبى البابلى، ومع تعدد انتماءات سكان الزقاق الدينية، إلا أن أى طائفة منهم لم تهتم بتفاصيل، ديانات الطوائف الأخرى، كتاب التوراة وتعاليم الديانة اليهودية، ظلت عند المسلمين سرًّا غامضًا؛ لأنهم لم يعرفوا ولم يحاولوا معرفة طقوسها، وكذلك الأمر بالنسبة للصابئة المندائيين، وكتابهم المقدس «كنز ربا» وما تتضمنه ديانتهم من تراتيل وعبادات؛ لأن معرفة هذه التفاصيل، غير مهمة بقدر أهمية الجوار المسالم والتعاون من أجل حياة أفضل للجميع، ناجى العراقى اليهودى، كان الرجل الوحيد الذى سمح له المتشددون الدينيون، بالكشف عن أجساد نسائهم المريضات، الذى اتخذ من مقولة «رالف والدو إيمرسون»، شعارًا ونهجًا يتبعه فى حياته، فلم يسلم قلبه للأحقاد أو الضغائن، ولم يفكر حتى فى مساومة، مبجل قاسم، حاكم مدينة العمارة، الذى نكل به وأذاقه صنوفًا من العذاب حينما ألقى به فى المعتقل دون جريرة أو تهمة، لكن ناجى لم يتأخر عن واجبه المهنى والقسم الذى أقسمه، بعلاج أى مريض حتى ولو كان صاحب سلطة غاشمة، وهو الجميل الذى حفظه له مبجل، وحذره ليهرب من المدينة قبل أن يقتلوه، ناجى كان يضع أمام ناظريه سر سعادته، فى أن يكون مفيدًا وشريفًا، رحيمًا، صنع فرقًا فى حيوات المحيطين به جميعًا، طوال تاريخه، من أول «حمود» حارسه الذى لم يفارقه منذ الليلة الأولى التى استقبله فيها، واستضافه فى بيته، أو «خالدة» ابنة الجيران التى اختارت الصمت والعزلة إراديًّا، بعد مقتل خطيبها، وتحكم أولاد أعمامها وعشيرتها فيها لإرغامها على الزواج بواحد منهم، يتقرب منها ناجى، يعالجها ويجمع بينها وبين سامى جاره اليسارى فقير الأرومة، نديمه المثقف، الذى يهون عليه ليالى الوحدة الطويلة، يعالج ناجى خالدة، يكسر صمتها وعزلتها، بعدما استطاع أن يقنع والدها، بدفع مقابل مادى لعشيرتها للسماح لها بالزواج من سامى.
خلق «عبد الجبار» معزوفة فنية أدبية، ما أن تستهل بصفحاتها، حتى لا تتركها إلا بعد الانتهاء منها بسلاسة اللغة، وتدفق سردى نقل المشهد العراقى، خلال ستينيات القرن المنصرم، عبر بحبكته الروائية، عن الأفكار المتعصبة التى غزتها الديكتاتوريات المتعاقبة على الشعوب العربية، فرغم الانفتاح والتواصل والقبول بين معتنقى الأديان المختلفة، مما سمح بالتجاور والتواصل، فإن هذه الحالة الإنسانية سرعان ما انقلبت، بفعل السياسة ولاعبيها، فكما كانت حادثة الفرهود، نقطة التحول فى تهجير يهود العراق، إلا أن ناجى نعوم، أصر أن يمضى فى حياته فى العراق وطنه الذى لم يعرف غيره، رغم أنه فقد حبيبته «تمام» فى تلك الحادثة، والتى قلبت حياته رأسًا على عقب، فلم يعد له فى الحياة سوى شقيقته، بعدما رحل كل أصدقائه ومعارفه من العراقيين اليهود إلى الهند، لكنهم أودعوا لديه، مفاتيح بيوتهم على أمل العودة مرة أخرى إلى وطنهم العراق، ناجى الذى أحبه جيرانه ومرضاه، وكل أهالى مدينة العمارة، لم يتردد أحدهم من تحمل آلام الجلد والصلب ولا أن يبصق على وجهه كما أمره جلاد المعتقل، وكم كان هذا المشهد شديد الحرفية والعفوية فى آن، اليهودى الأخير وثيقة تاريخية اجتماعية قدمت طرفًا من استبداد الأنظمة العربية التى جثمت على صدور شعوبها طويلًا، عن الانقلابات التى تقلبت على العراقيين، وتوالت معها الاعتقالات والضغوط الأمنية، من ترصد وتلصص على المواطنين: «ألقى إسماعيل نظرة مطبوعة بالوعيد هاتفًا: أجهزة الأمن تعرف عن الناس أكثر مما يعرفون عن أنفسهم».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات