العالم العربى مجرد «طشارى»

Foto

إن الكاتبة تؤكد أنها لم تخترع بطلا لكى تمرر من خلاله أفكارها عن عراق لم يعد له وجود على أرض الواقع


بطلة رواية «طشارى» الصادرة مؤخرًا عن «دار الجديد» ببيروت تكبدت عناء الرحيل إلى باريس، لا من أجل الالتقاء بمؤلفة الرواية «إنعام كجه جى» التى ستصنع من حياتها مادة لرواية مثيرة، بل من أجل أن تلتحق بقافلة اللاجئين الفارين من العراق المنكوب، الذين تحولوا إلى مجرد طشار «مفردة شعبية عراقية تشير إلى ما لا يمكن جمعه»، وهى رمز للعراق المتشرذم بصفة خاصة وللعالم العربى على وجه العموم.


إن الكاتبة تؤكد أنها لم تخترع بطلا لكى تمرر من خلاله أفكارها عن عراق لم يعد له وجود على أرض الواقع، حيث «وردية إسكندر» بطلة الرواية التى لا تهبنا صورة عن عظمة المرأة العراقية فى نضالها من أجل بناء وطن يكون فى حجم كرم أهله وتسامحهم وأريحيتهم فحسب، بل إنها أيضا تضعنا فى قلب التاريخ المعاصر لذلك الوطن من النواحى الاجتماعية والثقافية التى تشظت وصارت جزءا من الماضى.


فوردية ولدت فى الموصل شمالا لتدرس الطب فى بغداد، لتمارسه نهاية خمسينيات القرن الماضى فى الديوانية جنوبًا، هكذا كان يفعل العراقى دائما، يضع الخريطة تحت إبطه ويحلّق بجناحين مستعارين، لذا فسوف يُفجع عراقيو اليوم بعد أن يقرؤوا هذه الرواية لأنهم سيكتشفون أن بلادهم تسبق الأديان والمذاهب والأعراق فى تجليات خيالها وسعة صدرها ومرونتها.


تروى إنعام سيرة وطن فى فترة حساسة من تاريخه، فبعد هدوء مضلل ساد فى العهد الملكى قفز العسكر إلى السلطة، ومعه بدأت الأحزاب تتقاتل، كل حزب يرغب فى أن تكون الغنيمة له وحده، غير أن حياة العراقيين، فى نسيجها الاجتماعى الأساسى لم تتأثر بذلك الصراع الذى بدا كما لو أنه يقع على السطح، لقد ترك العسكر والأحزاب ثوابت الحياة العراقية كما هى ولم يخدشوها إلا عن طريق الخطأ، كان صراعهم النفعى المغطى ببريق العقائد الزائف لا يصل إلى درجة محاولة تمزيق المجتمع واللعب على أوتار المذهبية والطائفية، كان هناك فى أعماق كل عراقى شعور عميق بالفخر بما كان يسمى بالموزاييك العراقى.


إن كجه جى، وهى ابنة ذلك المزاج، استطاعت أن تقدم جالية من اللاجئين العراقيين وقد صاروا يرتادون مقبرة افتراضية لا تضم قبور آبائهم فحسب، بل وأيضا قبورهم، لقد صنعت من خلال تلك المقبرة وهمًا بحجم بلد، حينها قرر اللاجئون فى لحظة يأس أن يكونوا فى مكانين فى الوقت نفسه، باريس باعتبارها منفى، والمقبرة الافتراضية باعتبارها وطنا محصنا بالأدعية، شىء من هذا يحدث كل لحظة لكل لاجئ عراقى، بغض النظر عن الوقت الذى أمضاه فى بلد لجوئه، كانت عائلة وردية إسكندر قد توزعت بين بلدان اللجوء فكانت نموذجا مثاليا للعائلة العراقية التى تشظت فصارت «طشار»، وصارت العوائل العراقية تلتقى، لكن فى أحد بلدان اللجوء، حتى لقاؤها صار يعبر عن تشردها حين يعيدها إلى الفراغ الكونى الذى أصبحت تدور فيه.


سيجد كل عراقى شيئا من مزاجه الأصيل فى هذه الرواية التى لم تتخيل الكاتبة شيئا فيها، خيالها كان جزءا من ذلك المزاج الذى صنع أمة مضطربة لا تزال تحلم بمستقر لها، أو كما عبرت الكاتبة «كنا يهودا فى بابل، ومسيحيين فى الحيرة، ومسلمين فى الكوفة، ولدينا مراقد لأنبياء، لسنا متأكدين من ديانتهم بدءا من إبرهيم وانتهاء بعزرا، كنا مناذرة وعربا وكردا وسريانا وأشوريين وكلدانا وتركمانا وأرمنا وهنودا، كانت بابل تضمنا، لغات وأجناسا وألعابا فلكية وأحلام دمى تلهم حراس الليل الصبر، لكن ذلك كله صار جزءا من الماضى».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات