.

«ماما ميا».. استغلال تجارى بحت

Foto


ليس عيبا أن يصنع المنتجون أجزاء ثانية من أفلامهم الناجحة، استغلالا لها ولإدرار المزيد من الأرباح، لكن المشكلة الحقيقية أن نسبة معقولة من هذه الأجزاء الثانية غالبا ما تكون مجرد استنساخ للقديم بلا أى روح، لكن صناع الجزء الثانى لفيلم «ماما ميا» لم يقعوا فى هذا الخطأ الفادح، بل فى آخر ربما يعتبر أكثر فداحة.

يمكن مقارنة هذا الفيلم بالجزء الثانى من «كينجزمان» الذى تم عرضه العام الماضى تحت اسم Kingsman :The Golden Circle حيث إن كلا الفيلمين اتبع نفس المنهاج، وهو استنتاج عوامل نجاح الجزء القديم ومن ثم التركيز عليها وتقديمها بصورة أكثر إبهارا فى الفيلم الجديد، قد يبدو هذا نظريا أمرا رائعا بحق ولكن فى الحقيقة هو لا يقدم سوى أفلام تبدو مذهلة من الوهلة الأولى ولكنها فجة فى الحقيقة، ففى كينجزمان زاد طول الفيلم ليتعدى الساعتين، مع إضافة عدد أكبر من المطاردات ونقل الأحداث للولايات المتحدة وإدخال عدد كبير من النجوم بلا داعٍ لنجد الفيلم فى النهاية عملا «مبالغا فيه» يمل المشاهد فيه من تكرار الصراعات بذات الطريقة خصوصا بعدما زالت طزاجة الجزء الأول.
وتكرر ذلك فى «Mamma Mia! Here We Go Again» فنجاح أغانى الجزء الأول والرقصات التى زادت من خفته جعلت هذا الفيلم سلسلة طويلة من الغناء ولكن من دون حبكة تربط الأغنى ببعضها البعض، فأتى سيناريو الفيلم مترهلا بصورة مفجعة، لدرجة أن التريلر الخاص به أكثر تماسكا ومنطقية من العمل ذاته!
تنقسم أحداث الفيلم إلى خطين زمنيين، الأول يقع فى الزمن بعد الجزء الأول بخمسة أعوام، حيث توفت الأم دونا «ميريل ستريب» وتقوم ابنتها بإعادة افتتاح الفندق مرة أخرى وتقيم حفلا كبيرا بهذه المناسبة وتعانى من بعض المشكلات مع خطيبها، بينما الزمن الآخر هو الماضى، بالتحديد عام 1979، حيث نتعرف على دونا الشابة المتخرجة حديثا التى تقرر الذهاب فى رحلة تستكشف فيها نفسها والعالم، وخلالها تتعرف على الآباء الثلاثة المحتملين لابنتها التى دار الجزء الأول حول أزمة الفتاة فى تحديد أيهم أبيها الحقيقى.
أول عيوب الفيلم الانتقال بين الزمنين، حيث نجده مفاجئا وغير سلس على الإطلاق، خصوصا أن الجزء الذى فى الزمن الحديث أحداثه غير مثيرة مثل الماضى، والهدف منها هو دفع الفيلم للأمام للوصول إلى لحظة النهاية والتلاقى بين الأم والابنة. النقطة الثانية هى عدم وجود أزمة من الأساس، ففى الجزء الأول كانت العقدة التى يدور حولها الفيلم حضور الآباء الثلاثة إلى الجزيرة ومحاولة الابنة اكتشاف الأب الحقيقى ثم اللقاء الذى يتجدد بعد هذه الأعوام بين دونا وأحبابها السابقين، فى هذا الفيلم لا يدفع المشاهد لإكمال الفيلم سوى الفضول لمعرفة كواليس تعرف دونا على الأشخاص الذين غيروا مسار حياتها، بينما أحداث الابنة والافتتاح والمشكلات بينها وبين خطيبها لم تحتوِ أيضا على أى عقد، بل غلب عليها الصدف الميلودرامية الرخيصة، فنجد عاصفة تقوم من العدم ليتأخر الافتتاح يوما ويحضر آباؤها الغائبون، أو تظهر الجدة الغائبة منذ قبل حمل دونا الشابة وتعثر على حبها الضائع منذ الستينيات على الجزيرة حتى تقدم المغنية «شير» أغنيتين إضافيتين فى الفيلم.
بعيدا عن عيوب السيناريو القاتلة نجد أننا أمام فيلم ممتع بصريا، سواء من حيث مناطق التصوير الخارجى والتى وقعت فى جزيرة كرواتية نائية أو الملابس المبهجة التى ارتدتها البطلة خصوصا فى الخط الزمنى بالسبعينيات، أو تصميم الرقصات فى ذات الخط الزمنى، أما من الناحية السمعية فقد احتوى على أغانٍ كثيرة جيدة، ولكن كثرتها عيب وليس ميزة، لأنها حرمت المشاهد من القدرة على الاستمتاع والتمييز فى ما بينها، وإضافة «شير» الغنائية جاءت مميزة.
أما من الناحية التمثيلية فقد تألقت «ليلى جيمس» فى شخصية دونا الشابة، فقد امتلأت حيوية وخفة ظل بصورة أحيت الدور مرة أخرى، وسواء أحببت «ميريل ستريب» فى الجزء الأول أم لا ستجد نفسك واقعا فى غرام هذه الفتاة الجميلة والذكية والمفعمة بالحياة، وقدمت الأغانى والاستعراضات بصورة مميزة وكان اختيارها للدور ممتازا بالفعل، وأسهم هذا الاختيار فى إظهار الأدوار الرجالية لأحبابها الثلاثة بصورة باهتة للغاية، فلم يستطيعوا مضاهاة أدائها بالإضافة إلى أن أدوارهم جاءت قصيرة مبتسرة.
فى النهاية «ماما ميا» ليس أكثر من استثمار ناجح للجزء الأول، استطاع حصد إيرادات تعدت ميزانيته بعد عرضه بأسبوع، ليحقق الفائدة الاقتصادية منه، ويمكن اعتباره ليس أكثر من فيلم مسلٍّ للمشاهد الذى يرغب فى نسيان حرارة الصيف وإشباع عينيه بالمناظر الطبيعية المبهجة مع زحام من الأغانى والرقص، ولكن غير ذلك هو عمل فنى متواضع للغاية امتلأ بعيوب السيناريو المزعجة وأتت قصته شديدة السذاجة حتى بالنسبة لفيلم غنائى رومانسى خفيف.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات