كيف انتقل الدكتور محمد غنيم بتجربته فى النجاح من المستوى الشخصى إلى المؤسسى؟

Foto

لماذا كانت تجربة محمد غنيم تجسيدًا لأفكاره وقناعاته؟ ما الترابط الوثيق بين تجربة غنيم المهنية ومواقفه الوطنية والسياسية؟


تبدو قصص النجاح والنبوغ فى مصر أقرب إلى الأساطير، ودائمًا ما ترتبط بقصة نجاح شخصى لا مؤسسى، وعادةً ما تكون الإشارة إلى أن العيب فى النظام السائد فى سياق الدولة والمجتمع معًا؛ ولذلك تكون أغلب قصص النجاح مرتبطة بالسفر إلى الخارج تعلُّمًا وعملاً، لكن الدكتور محمد غنيم ينسف كل ذلك فى تجربته المدهشة والثرية، التى لم تقتصر على نجاحه كشخص فى أن يصبح واحدًا من أعظم الأطباء فى مجاله، ولا فى أن ينشئ مؤسسة ناجحة تقدم خدماتها على مدار أكثر من ثلاثة عقود حتى الآن لعموم المصريين من البسطاء والفقراء، وتوفر لهم رعاية وخدمة صحية احترافية، ويزرع تجربته تلك فى قلب دلتا مصر، وينطلق بها من المحلية إلى العالمية بعدما وفّر لها شروط النجاح والاستمرار فيه، مُوظفًا خبراته العلمية والعملية التى اكتسبها فى خدمة وطنه وأهله، بل ومؤسسًا نظامًا صارمًا ودقيقًا، يأخذ بمبدأ الثواب والعقاب، ويطوّر من إمكانيات هذه التجربة التى كانت منذ نشأتها تُعرف باسم مؤسسها غنيم، قبل أن يتحول مركز الكلى والمسالك البولية بالمنصورة رسميًّا إلى اسم مركز محمد غنيم قبل عام ونصف العام فقط، وبعد سنوات طويلة من ترك غنيم إدارته رسميًّا بعد بلوغه سن المعاش.

قصة نجاح د.محمد غنيم الباهرة لا تحقق معنى النجاح الشخصى فحسب، الذى برز فيه ولمع اسمه كطبيب ناجح، استفاد من تعليمه الجيد فى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضى، وطوّر خبراته التعليمية والعملية، وأصقلها بالسفر للعمل فى مستشفيات إنجلترا وأمريكا وكندا، ونقل أساليب العمل المنظم والاحترافى والتطور العلمى بعد عودته إلى مصر، ولا تتوقف عند حدود إدراك الدور الشخصى فى المسؤولية عن نقل نجاحه إلى مجتمعه، بعد أن نجح فى إجراء أول عملية زرع كلى فى مصر والمنطقة كلها فى ثمانينيات القرن الماضى بأقل الإمكانيات المتاحة وقتها، فانطلق ساعيًا لتأسيس مركز مستقل لعلاج أمراض الكلى والمسالك البولية، لخدمة فقراء وبسطاء المصريين، ووضعَ نظامًا دقيقًا وصارمًا، يضمن توفير الرعاية الصحية اللائقة مجانًا لمرضاه، وفى نفس الوقت لا يخضع للمحاباة ولا الوساطة ولا غيرهما من تلك التقاليد السائدة، بل ويفرض هذا النظام حتى على مرضاه وأسَرهم.

فى كتابه البديع الأخير الذى عاد به مع عملَين أدبيين آخرين، والذى حمل عنوان «مع الدكتور محمد غنيم.. السعادة فى مكان آخر»، ينقل الدكتور محمد المخزنجى عن غنيم قوله إنه «رغم ما يقال عن المصريين بأنهم لا يعرفون النظام ولا يحبّونه ولا يعتنون بالنظافة ولا يحترمون القواعد، فإن المرضى وأهلهم بدؤوا بالتدريج، وعندما أيقنوا أن هناك نظامًا احترموه والتزموا به»، ورغم أن هذه الكلمات كثيرًا ما تتكرر ردًّا على اتهام الشعب المصرى بأنه غير قابل للنظام واحترام القواعد، فإن الفارق أننا هنا أمام كلمات ناجمة عن تجربة ثرية وطويلة، والأهم أنها لا تزال مستمرة، وهو بُعد آخر أضاف كثيرًا من قيم ومعانى النجاح لتجربة غنيم ومركزه.

لم يقرر الدكتور غنيم إنشاء عيادة خاصة له، يقدم فيها خبراته الطبية ويعالج المصريين من خلالها، ويبحث فى نفس الوقت بحثًا مشروعًا عن مصدر للرزق والدخل، بل أصر على التفرغ الكامل للمركز الذى أسسه واستمر فى إدارته حتى خروجه للمعاش بعد أن تم المَد له ثلاث سنوات انتهت عام 2002، ولم يكن الأمر فى تجربة محمد غنيم مجرد انحياز لقناعاته وأفكاره الشخصية حول دور المؤسسات الصحية والطبية فى توفير الخدمة لعموم المصريين دون تفرقة، وبغض النظر عن مستواهم المادى وقدرتهم على تحمل تكاليفه، بل استمر ليؤكد قناعته بضرورة تفرغ الأساتذة الجامعيين، معتبرًا ذلك أحد شروط النجاح لأى تجربة مماثلة لمركز الكلى، بل ومؤكدًا أن استمرار نجاح تلك التجربة ذاتها يحتاج إلى عدة شروط، من بينها تعديل قانون الجامعات الحالى، وهى الفكرة التى يدعو إليها غنيم طوال السنوات القليلة الماضية، ويسعى إلى تحقيقها من خلال موقعه الحالى فى المجلس العلمى الاستشارى لرئاسة الجمهورية.

الموقع الحالى للدكتور غنيم، الذى يمكن للبعض أن يأخذه عليه باعتباره حرصًا دائمًا على أن يكون مستقلا، وهو بنفسه يؤكد فى حوار صحفى له مؤخرًا أنه لم ولن يقبل أى منصب رسمى فى الحكومة، إلا أنه لم يجعله قط يتراجع فى أى موقف عن استقلاله فى رأيه وموقفه السياسى، ولا تزال آراؤه ومواقفه المعارضة لما يراه خطأ معلنة وواضحة دون مواربة، وليس آخرها موقفه المدافع عن مصرية جزيرتى تيران وصنافير، ولا تصريحه بأن السلطة لديها حساسية مفرطة من أى نقد، ولا رفضه الحديث عن احتمالات تعديل الدستور، ولا دعوته لوقف تخوين المعارضين وفتح الباب لحياة سياسية صحية ومناخ حقيقى تشارك من خلاله الأحزاب، فضلاً عن اختلافه مع أولويات المشروعات القومية التى يتساءل عنها فى أحد حواراته الصحفية، قائلاً: «إذا كنا نعانى من فقر شديد فكيف فى نفس الوقت نقوم بإنشاء مشروع فى هضبة الجلالة ومدينة مليونية فى العلمين فى الوقت الذى يعانى فيه الناس من ظروف معيشية صعبة؟».

محمد غنيم يسارى الهوى والميل، الذى نشأ فى القاهرة، وسافر إلى الخارج بعد استكمال تعليمه الجامعى فى مصر، وعاد لينقل خبراته وتجربته، ويؤسس واحدًا من أهم المراكز الطبية فى المنصورة، ويضع نظامًا يسرى على الجميع دون استثناء، ويستخدم سياسة الثواب والعقاب دون انحراف، ويتفرغ تمامًا لدوره المهنى، ويخوض المعارك دفاعًا عن تأسيس المركز وعن استقلاله الإدارى والمالى. ربما كان يكفيه، مع كل ذلك النجاح الشخصى والمؤسسى، ما حققه ليعيش حياة هادئة هانئة بعد وصوله إلى سن المعاش، لكن الرجل لم يتوقف عن أبحاثه العلمية، ولا يزال يبحث مع فرَق من الأطباء والباحثين الشباب عن المزيد من السبل العلمية لعلاج الأمراض التى تهاجم المصريين، وآخرها ما أعلن عنه الشهر الماضى عن التوصل إلى تحويل الخلايا الجذعية المشتقة من النخاع العظمى البشرى إلى خلايا منتجة للأنسولين بشكل ثابت ومستمر بما يسهم فى التوصل إلى علاج فعال لمرض السكر، ويتعفف عن ذكر فضله فى كثير من الإنجازات بنسبته لرفاقه فى المسيرة منذ كان طبيبًا شابًّا وحتى الآن.

«العمل السياسى جزء من الحياة اليومية، قد يكون العمل السياسى لأستاذ فى ألمانيا أن يذهب ليُدلى بصوته فى الانتخابات، لكن فى مصر وفى ظروفنا هذه فإن العمل السياسى يتطلب أكثر من ذلك». هكذا يقول الدكتور غنيم ضمن ما نشره المخزنجى فى كتابه الأخير؛ لذا لم يكن غريبًا أن الرجل الذى لم ينخرط فى الحياة السياسية بالمعنى المباشر على مدار تاريخه، رغم علاقته بتجارب سياسية ويسارية قريبة من حزب البعث فى الستينيات، لم يتأخر عن دعم بعض التجارب الحزبية، وانخرط فى صفوف الجمعية الوطنية من أجل التغيير عندما تشكلت قبل شهور قليلة من ثورة يناير، وكان فى طليعة قادة ثورة يناير فى شوارع وميادين المنصورة، بعد سنوات من كتابته ورقة مطوّلة حول ضرورة الإصلاح الدستورى والسياسى، ولم يتوقف غنيم عند ذلك، بل شارك فى تأسيس تحالف انتخابى بعد ثورة يناير، نجح فى حصد عدد من المقاعد التى كان أغلبها بفضل شعبية غنيم وسمعته لدى جمهور المصريين، وانحاز فى انتخابات الرئاسة عام 2012 لمحاولات التوحد وراء مرشح واحد للثورة، ورفض الاختيار بين خيارين، كلاهما مر، فى جولة الإعادة، وواصل دوره بعدها، سواء فى محاولات تأسيس ما كان يسمى بتحالف الوطنية المصرية قبل أن تتطور الأحداث لتتشكل جبهة الإنقاذ التى كان غنيم طرفًا فيها وقائدًا أساسيًّا لها فى المنصورة ومحافظة الدقهلية.

معارك غنيم امتدت بعد ذلك للدفاع عن ما يؤمن به من حقوق للمصريين، سواء فى مجال الحريات والديمقراطية، أو فى حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، أو دفاعًا عن وجود نظام ضريبى تصاعدى عادل، وحول ذلك كله مع غيره من أعضاء لجنة الخمسين بالدستور إلى نصوص دستورية ملزمة، ستظل علامة مضيئة رغم تجاوز وانتهاك السلطة لها.

«التنمية والشفافية والقضاء على الفساد» هى سبل الخروج من أزمات مصر الراهنة وفقًا لرؤية غنيم، ولا تنمية فى رأيه إلا عبر التعليم والبحث العلمى؛ لذا يدافع الرجل عن ضرورة تطوير قانون الجامعات الحالى، والتزام الدولة بالنسب الدستورية المحددة للإنفاق على التعليم والبحث العلمى والصحة، وينادى بإنشاء مفوضية عليا للتعليم فى مصر، تكون مسؤولة عن وضع الخطط الاستراتيجية لتطوير التعليم.

تجربة محمد غنيم فى النجاح تستحق التوقف أمام كثير من ملامحها وتفاصيلها، والأهم دلالاتها، التى تقدم لنا الكثير من الدروس حول تجاوز ما هو شخصى لما هو عام، وترابط ما هو مهنى بما هو وطنى وسياسى، والانحياز للأفكار والقناعات فى التجربة والممارسة العملية، والقدرة على النجاح رغم كل المعوقات والصعوبات، والانطلاق من المحلية إلى العالمية، والبناء المؤسسى القادر على الاستمرار حتى بعد مغادرة مؤسسه، والقدرة على تقديم نموذج لانضباط المصريين والتزامهم بالنظام وقواعده متى كان يهدف لتحقيق الصالح العام، والحفاظ على استقلال الرأى والقرار مهما كان موقع صاحبه، والقدرة على النقد ومراجعة الأخطاء والتعلم منها.

كل هذه المعانى والقيم التى يعبر عنها الدكتور غنيم وتجربته، سواء على المستوى الشخصى أو فى تجربة مركز الكلى بالمنصورة، أو فى مواقفه الوطنية والسياسية، ورغم كونها فريدة من نوعها، فإنها تؤكد يقينًا أن فى مصر مَن يقدرون على النجاح، وعلى تقديم نماذج حية للتقدم والتطوير، وتجسيد الأفكار والقناعات فى تجارب واقعية، وهى قائمة تطول لتشمل مئات وآلاف الأسماء، التى ربما لا نعرف الكثير منها، لأننا -بكل أسف- نعيش فى مناخ يتصدر فيه الفشل باعتباره إنجازًا، وتروَّج الأوهام على أنها حقائق، وينخفض سقف الأحلام بدولة مدنية ديمقراطية حديثة إلى مجرد أن تبقى دولة بدلاً من استمرارها كشبه دولة، لكن المؤكد أن تجارب غنيم وغيره تثبت أن مصر قادرة وقابلة للنجاح، وليس مفروضًا عليها أن تعيد استنساخ تجارب الفشل بنفس المعطيات وإن اختلفت الأسماء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات