.

سهم المؤلفة قلوبهم ليس رشوة لاعتناق الإسلام

Foto

هل كان النبى يخاف أبا سفيان؟ ما المعنى الحقيقى للمؤلفة قلوبهم؟


كثير من الأمور الفقهية التى تتعلق بالمال وتوزيعه لا يتبع المسلمون فيها ما جاء فى القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة المطهرة، فالقرآن عبّر عن العدل بالميزان المعنوى الروحى، فهو يشترط إحياء ضمير المواطن المسلم فيعطى زكاة ماله للمستحقين، ولكنه أيضًا يلزم الدولة الإسلامية بالإشراف على توزيع المال المأخوذ من الزكاة، ولكن الخلافة الإسلامية انسحبت من الإشراف على أخذ الزكاة منذ انتهاء الحروب التى عُرفت بحروب الردّة فى زمن الخليفة الأول أبى بكر الصديق، وتركت الأمور لضمير هذا المسلم أو ذاك.

وبالعودة إلى الآية القرآنية التى تحدد أوجه صرف الزكاة، نجدها فى سورة «التوبة- 60»: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم»، وهى أوجه صرف معتمَدة إسلاميًّا ونبويًّا، ولكن ما يحدث فى عصرنا الحالى -مثلًا- عند إنفاق أموال الزكاة من صناديق النذور أو فى المستشفيات وغيرها، يقوم المسؤولون بضم أسهم «فى الرقاب والمؤلفة قلوبهم وابن السبيل» لسهم العاملين عليها، أى أنهم يقومون بمصادرة نصف المال لصالح المشرفين على أوجه التبرعات والنذور، فقد قالوا إنه مع مرور الزمن لم تعُد بعض الأوجه موجودة، فلم يعُد هناك وجود لعتق الرقاب بعد تحرير العبيد، واختلط اليتيم بالفقير بابن السبيل، ولم يعد بينهم فروق، وهو أمر يحتاج إلى قراءة تالية، لأننا نكتب عن سهم «المؤلفة قلوبهم».
لقد فسّر الفقهاء سهم «المؤلفة قلوبهم» بأنهم المسلمون الذين يضعف اعتقادهم بالدين، أو الكفار الذين يراد استمالتهم للإسلام أو للاستعانة بهم فى أمر جهادى، فيعطون لأجل ذلك من الزكاة، ويسمى المعطى سهم المؤلفة قلوبهم، ولم يعتبروا النساء ممن تؤلف قلوبهم، وهو تمييز ذكورى، ثم قالوا إن عمر بن الخطاب ألغى سهم المؤلفة قلوبهم لأنه اعتبر أن الإسلام صار عزيزًا، وهو ما يُفهَم منه أن السهم عبارة عن رشوة مالية يمكن دفعها لاستجلاب مسلمين جدد، خصوصًا من الأثرياء دون الفقراء، رغم أن الإسلام ينحاز للفقراء، وهو ما نشك فيه كثيرًا، فنتوقف عند ما زعموه من أن الرسول أعطى زعماء قريش إبلًا وجِمالًا بعد انتصاره على هوازن وثقيف فى معركة حنين؛ قال ابن إسحاق كما جاء فى سيرة ابن هشام‏:‏ «وأعطى رسول الله المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافًا من أشراف الناس، يتألفهم ويتألف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب مئة بعير، وأعطى ابنه معاوية مئة بعير، وأعطى حكيم بن حزام مئة بعير، وأعطى الحارث بن الحارث بن كلدة أخا بنى عبد الدار مئة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مئة بعير، وأعطى سهيل بن عمرو مئة بعير، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبى قيس مئة بعير، وأعطى العلاء بن جارية الثقفى حليف بنى زهرة مئة بعير، وأعطى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر مئة بعير، وأعطى الأقرع بن حابس التميمى مئة بعير، وأعطى مالك بن عوف النصرى مئة بعير، وأعطى صفوان بن أمية مئة بعير، فهؤلاء أصحاب المئين، وأعطى دون المئة رجالًا من قريش، منهم مخرمة بن نوفل الزهرى، وعمير بن وهب الجمحى... بعضهم أخذ خمسين أو عشرين جملًا»، وبحسبة بسيطة نجد أن النبى أعطى أكثر من ثلاثة آلاف جمل لزعماء قريش، وهو عدد أكثر مما كان لدى هوازن وثقيف فى الأصل، ثم زعموا أن النبى أعطى الأشراف القرشيين دون الفقراء، ثم زعموا أيضًا أنه منع الأنصار ثم استرضاهم بعد ذلك، وهو توزيع طبقى نعفُّ النبى عن فعله، ثم إن الأمر الذى يعنينا هو أن كل هؤلاء المؤلفة قلوبهم كانوا من الذين حاربوا الدعوة المحمدية؛ مثلًا «أبو سفيان» مارسَ كل أنواع الحروب ضد النبى: حصار اقتصادى شنيع فى مكة- حروب هجومية فى بدر وأحُد- تحالف خليجى يهودى أو صهيونى فى حرب الأحزاب، ولم يسلم هو وغيره إلا بعد فتح مكة، فكيف يعطيهم النبى ليسترضيهم وهم ضعفاء لم يعودوا قادرين على الحرب؟ وهنا نشك كثيرًا فى تلك الرواية، فأبو سفيان نفسه عندما رأى هزيمة المسلمين فى بداية المعركة قال: «ألا قد بطل السحر اليوم»، وعرف النبى ما قال، فكيف إذن تألّفه؟! ولكنها السياسة التى غيّرت معالم الدين، فأبو سفيان صار أبًا لخليفة هو معاوية، فبيّض المؤرخون وجهه فى صورة إسلام أبى سفيان، وأن النبى كان يخشاه فأعطاه وأعطى معاوية، وهى أقوال لا يمكن تصديقها، ومن الأمور الغريبة فى هذا الصدد ما حدث فى المدينة المنورة فى عام المجاعة فى عهد عمر بن الخطاب فى ما عُرف بعام الرمادة، لم يطلب عمر شيئًا من أغنياء قريش وهم مُبشرون بالجنة، ولم يطلب من هؤلاء الذين تألفت قلوبهم فدخلوا فى الإسلام بعد رشوتهم، ولكن عمر استغاث بوالى مصر «عمرو بن العاص» وكتب له يقول، كما جاء فى تاريخ الطبرى وغيره: «من عبد الله أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص.. سلام عليك، أما بعد فترانى هالكًا ومن قبلى، وتعيش أنت ومن قبلك، فيا غوثاه.. ثلاثًا. وسرعان ما كتب له عمرو: لأبعثنّ لك بعيرًا أولها عندك وآخرها عندى. فبعث له بالطريق البرى ألف بعير بالدقيق والمؤن، وبعث له بالطريق البحرى عشرين سفينة محملة بالغذاء»، ولو حدث يكون قد أُخذ بالسخرة وعنوةً من الفلاحين المصريين، فلا الغذاء جزية ولا هو مأخوذ عن رضا، هو أمر نعفّ عمر منه، لأنه لو حدث يكون سحتًا أو مالًا حرامًا، يفتخر به الخطباء دون فهم أو إدراك.
على أية حال، نعود للمفهوم القرآنى لسهم المؤلفة قلوبهم، فنجد أن التأليف يمكن أن يكون الإبداع، فمؤلف الكتاب هو صاحبه وكاتبه، كما أن التأليف بين القلوب هو الانصهار فى المحبة، والتأليف بين القلوب يعنى ترقيق المشاعر إنسانيًّا دون أى ضغط ضميرى أو فكرى على المؤلف قلبه، قال الله تعالى فى سورة «آل عمران- 103»: «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألَّف بين قلوبكم»، فتأليف القلوب يكون إيجابيًّا معنويًّا روحيًّا إنسانيًّا، بصرف النظر عن العرق أو الدين، وكذلك يكون المعنى أن من أبواب الزكاة منح الفقير غير المسلم إحسانًا به وبرًّا عليه، وليس دعوة للإسلام فقط، ولو وُجدت الدولة الإسلامية الحقيقية لأشرفت على رُكن الزكاة، ويمكن لها أن تنفق كل أسهم الزكاة، فسهم المؤلفة قلوبهم يمكن إنفاقه على الشعوب المنكوبة بالمجاعات أو الفيضانات، ويمكن لسهم عتق الرقبة أن يحارب البغاء وتجارة الرقيق الأبيض، فضلًا عن محاربة الفقر فى البلاد الإسلامية، حيث شعوبها أكثر الشعوب فقرًا وضعفًا، ولكنها كلها أمور تحتاج إلى اجتهاد جديد شريطة أن لا يقوم به رجال الدين المحكومون بالتراث الفقهى الذى لا يمُت لدين الله بصلة، والله فى النهاية أعلى وأعلم بالمراد.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات