رهان الجماعات الإسلامية على صناعة القُبح وتصديره

Foto

لماذا يهتم الإسلاميون بنشر مفاهيم القُبح فى المجال العام؟ لماذا يفرض الإسلاميون على المرأة قيدًا من القُبح؟ ما موقف الإسلاميين من الفنون؟


استطاعت الجماعات الأصولية أن تصدر للمجال العام العديد من مظاهر القُبح المعرفى، فحسبما عبر أحد الباحثين فإن الدفع بمحاولات تستهدف أسلمة العوام وسلفنة المعرفة بصوغ تصورات لها من منظور دينى تمخض عنه ترسيمات نيئة تحت لافتات إسلامية، فعلى مستوى أسلمة المجال العام تنامى استخدام الرموز الدينية فى لغة الخطاب اليومى، وإطلاق مسميات دينية على الوحدات السكنية، اللاهوت التليفزيونى، الملصقات والجداريات، والوعظ فى وسائل النقل، تصاعد دعاوى الحسبة لمطاردة المبدعين، وعلى المستوى الشخصى تعاظم الهوس بإطلاق اللحى، ارتداء الجلاليب البيضاء القصيرة، تزايد أعداد المرتديات للنقاب، كثرة المطبوعات والكتب الإسلامية المرتبطة بها فضلا عن رعاية وتمويل شكل مشوه للثقافة الدينية يقوم على مقولات النقل والاتباع ويركز على مظاهر شكلية للتدين مثل مضاعفة عدد المساجد، وتشجيع ارتداء الحجاب والنقاب، وتوزيع الكتب المجانية التى تدعو إلى السلفية.

وفى ما يتعلق بالفنون والإبداع فقد استطاعت التيارات الأصولية أن تزرع العديد من الأفكار الكارهة والمحرضة ضد هذه الأنماط الإبداعية، وحسبما عبر أحد الباحثين فإن السر فى عداء جماعات الإرهاب الدينى للفن والأدب والإبداع يكمن فى عدائها الشديد للحرية وتخوفها من كل ما يبهج أو يمنح للحياة قيمة، فهذه الجماعات تسعى إلى تفريغ العالم من مضمونه وقيمته الجوهرية من أجل تعزيز قيمة المقدس، وهى تنجذب للفناء وتنتشى لرائحة الموت وتعشق قوى الظلام وتستمد قوتها ومصدر طاقتها من التذكير الدائم بالموت وعذاب القبر وأهوال الثعبان الأقرع وغيرها من الخطابات التى ترتكز على الجانب السوداوى.
ومهما يكن من أمر فقد قامت هذه التيارات بنقل الآراء المتشددة المعادية للفنون، فانتشرت أقوال ابن تيمية المتعلقة بالغناء والموسيقى حيث يقول ابن تيمية فى حكم الاستماع للموسيقى: «المعازف خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس… وإن من اعتاد سماع الغناء واغتذى به لا يحن لسماع القرآن، ولا يفرح به ولا يجد فى سماع الآيات كما يجد فى سماع الأبيات، بل إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لهية وألسن لاغية، وإذا سمعوا المكاء والتصدية خشعت الأصوات وسكنت الحركات وأصغت القلوب».
أما ابن قيم الجوزية تلميذ ابن تيمية النجيب فيقول عن الغناء: «إنه رقية الزنا، وشرك الشيطان، وخمرة العقول، ويصد عن القرآن أكثر من غيره من الكلام الباطل لشدة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه»، حتى إن أحد هؤلاء الفقهاء ويدعى «ابن حجر الهيتمى» قد وضع كتابا فى هذا الصدد ويكفى أن نعرف عنوانه لندرك كم الكوارث التى يحويها، وهو بعنوان «كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع»، فيتحدث فى مقدمته قائلا: «وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيهم المبرئين من سفساف أهل الحظوظ والشهوات... والرد على المبطلين الذين ضلوا سواء السبيل، واتخذوا مزامير الشيطان شفاء للغليل، وسنوا سننا سيئة مصحوبة بالإلحاد والعناد، فباؤوا بوزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم يرون جزاء ذلك على رؤوس الأشهاد، أعاذنا الله من أمثال هذه القواطع».
وفى ما يتعلق بالمرأة فقد حاولوا إبراز نموذج المرأة القبيحة من خلال التأكيد على تحريم التبرج والتأكيد على أحاديث بعينها مثل «لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله».
وفى سياق آخر فمن المثير للدهشة أن المرأة التى شكلت حجر الزاوية فى قوة وممارسات الإخوان يُنظر إليها دائما نظرة منقوصة داخل أسوار الجماعة، تلك النظرة التى بدأت منذ أيام حسن البنا، فها هو يقول فى رسالة المرأة المسلمة إن المرأة ليست فى حاجة للتبحر فى اللغات المختلفة، وليست فى حاجة الى الدراسات الفنية الخاصة، وإنها للمنزل أولا وأخيرا، وليست المرأة فى حاجة الى التبحر فى دراسة الحقوق والقوانين، ووظيفتها التى خلقها الله لها تدبير المنزل ورعاية الطفل، بل وطالب بضرورة إعادة النظر فى مناهج تعليم البنات ووجوب التفريق بينها وبين مناهج الصبيان فى كثير من مراحل التعليم، وهى نفس الأفكار التى دعى لها سيد قطب بعد ذلك.
وفى نفس ذلك المنحى فإن تلك النظرة الحبلى بالدونية للمرأة قد تجلت أيضا فى الرؤية الاجتماعية لحسن البنا، فالاختلاط حتى لو كان فى مجال العمل أمر يعمل على إشعال الشهوة، ويقرر أحكاما عامة منها أن المرأة التى تخالط الرجال تتفنن فى إبداء ضروب زينتها ولا يرضيها إلا أن تثير فى نفوسهم الإعجاب بها.
وبذلك فقد راهن الإسلاميون دائما وأبدا على صناعة القبح وتصديره ونشره وكأن تعليماتهم الباطلة لا تنمو إلا فى بيئة قبيحة وفى مجال عام أكثر قبحا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات