.

سباق التسلح فى فيسبوك.. كيف اعترف زاكربرج أن فيسبوك يركز على الإيجابيات أكثر من السلبيات؟

Foto

لماذا اعترفت فيسبوك بمشكلات فى روسيا والبرازيل مؤخرًا؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز»

 

دعونى أولا أقول إننى فى الواقع معجبة بمارك زاكربرج وقد أعجبت به منذ التقيته من أكثر من ١٢ عاما.

ولكن دعونى أيضا أقول إن زاكربرج وفيسبوك، الشبكة الاجتماعية العملاقة التى بدأها فى الكلية، يضغطان على آخر ما تبقى من أعصاب إنسانية لفترة قد طالت الآن.
كل أسبوع حاجة، وليست أبدا جيدة.
وكانت هذا الأسبوع الكشف عن أن روسيين -أو بمعنى أدق، مجموعة من البلطجية المهاويس بالكمبيوتر الذين يتصرفون بذات الطريقة التى تعامل بها مجموعة من الروس عندما عبثوا بالانتخابات الأمريكية عام ٢٠١٦ على فيسبوك- ما زالوا يتسللون عبر المنصة ويخلقون المشكلات قبيل الانتخابات النصفية.
ولا يأتى هذا كمفاجأة لأحد فى هذه اللحظة، ربما باستثناء الرئيس ترامب. وأفترض أنه ينبغى أن نمتن لأن هذه المرة إدارة فيسبوك هى التى كشفت الأخبار فى انصراف عن موقفها السابق بمقاومتها العنيدة لضغط الحكومة والإعلام عليها لتصبح الشركة أكثر شفافية. وعلى مدار الشهور الماضية اعترفت الشركة بالمشكلات فى البرازيل والمكسيك وروسيا وهذه علامة جيدة غير أن تقريرا يوم الأحد من البرلمان البريطانى وبخ الشركة لكونها «غير مستعدة أو غير قادرة على تقديم إجابات وافية لأسئلة اللجنة».
وفى منشور عن أحدث حملات التضليل قالت الشركة بشأن التحديات الأمنية: «نواجه خصوما عازمين وممولين جيدا لن يستسلموا أبدا ودائما ما يغيرون من تكتيكاتهم. إنه لسباق للتسلح ونحن أيضا بحاجة للتحسن باستمرار».
واستعارة سباق التسلّح جيدة لكن ليس للأسباب التى انتواها «فيسبوك». فهكذا أرى الأمر: فيسبوك، إضافة إلى تويتر وكذلك يوتيوب جوجل قد أصبحوا تجار الأسلحة الرقمية فى العصر الحديث.
كل هذه الشركات بدأت بعقيدة شفافة لتغيير العالم، ولكنهم فعلوا ذلك بطرق لم يتخيلوها، من خلال تسليح تقريبا كل شىء قابل للتسلح، وغيروا فى التواصل الإنسانى بحيث كثيرا ما أصبح الاتصال بين الناس بوضعهم فى منافسة ضد بعضهم البعض، وعززوا الشقاق بمحركات توربو ليصل إلى حجم غير مسبوق ومدمر.
لقد جعلوا من التواصل الاجتماعى سلاحا، وجعلوا من التعديل الدستورى الأول «الخاص بحرية الرأى والتعبير» سلاحا، وجعلوا من الخطاب المدنى سلاحا، وأكثر من أى شىء آخر جعلوا من السياسة سلاحا.
ولذلك يستمر الفاعلون الحاقدون فى التلاعب بالمنصات، وحتى الآن لا نرى حلا حقيقيا فى أى وقت قريب، وهذا لأن المنصات قد بُنيت لتعمل بالضبط على هذا النحو. ومنذ ذلك الحين نمت وكأنها نوع خبيث من نبات كشت اليابانى وتغلبوا على أفضل جهود مستثمريهم للسيطرة. ببساطة انسحق المخترعون أمام مخلوقاتهم مما أدى إلى ما لا أستطيع وصفه إلا بالإهمال غير المبالى، الأمر الذى أدى إلى ما نحن فيه الآن.
فعلى سبيل المثال فى جلسة أسئلة وأجوبة قمت بها مؤخرا لدى يوتيوب قال لى أحد الموظفين إن عمله كان يدور حول الجدل بشأن فيديوهات القطط، أما الآن فقط انحطوا إلى جحيم يومى من المجادلات الأخلاقية حول مصير الإنسانية.
وعلى الأقل تقدم زاكربرج كثيرا فى الاعتراف بالمشكلة وقال أكثر من أى رئيس تنفيذى لشركة رقمية إنه نادم على عدم اتخاذه إجراءات فى وقت مبكر.
وبالتأكيد لم أستبشر الأمر أنا الأخرى عندما التقيته للمرة الأولى فى خريف ٢٠٠٥ على الرغم من أنه بالنظر الآن إلى الوراء يتبين أن دلالات أنه سيخطئ تماما كانت أمامى مباشرة.
كان قد تخطى لتوه الـ٢١ عاما -وبالطول والنحافة التى تتخيلونها له- عندما تسلل فى هدوء إلى الغرفة المكتظة بمقر فيسبوك المهترئ حينها فى وسط مدينة بالو ألتو بكاليفورنيا.
كانت الشركة المنشأة حديثا جذابة وممولة جيدا ومثيرة للاهتمام غير أن زاكربرج كان قد اكتسب سمعة بأنه متعالٍ، وكان ذلك جزئيا لوضعه «من إنتاج مارك زاكربرج» أسفل الموقع وبسبب بطاقة عمل كُتب عليها «أنا الرئيس التنفيذى يا كلاب».
ولم أعجب بذلك ومزحت مع أحد موظفيه التنفيذيين قائلة إن زاكربرج يبدو شخصا أحمق. فبالطبع كان أول شىء قاله لى بعد ترحيب محرج: «سمعت أنك تعتقدين أننى وغد».
وأسجل أننى لم أصفه بذلك أبدا حتى بعدما صاحبته فى تمشية عبر المدينة. وكانت التمشية ولا تزال الشىء الغريب المعروف به زاكربرج، فلكل مؤسس شركة تكنولوجية شىء ما غريب يُعرف به. (إذ يُعرف جيف بيزوس بالمكاتب المصنوعة من الأبواب وتلك الضحكة، ويُعرف سيرجى برين ببنطلونات اليوجا والأحذية الغريبة، ويعرف إيلون ماسك بالكثير من الأشياء وجميعها مبدع إلى حد بعيد).
وفى أثناء تلك النزهة القسرية كانت هناك كلمة واحدة ظل يعود إليها زاكربرج وهى أن فيسبوك «خدمة». وكان اختياره لتلك الاستعارة مثيرا للفضول لأن فيسبوك لم يكن الصورة العصرية بلا جهد الخاصة بمنافسه آنذاك ماى سبايس، وكذلك لم يكن حفلة ويلى وانكا (صاحب مصنع الشيكولاتة فى رواية «تشارلى ومصنع الشيكولاتة» لرول دال) متعددة الألوان المقامة فى جوجل. وبالتفكير فى الأمر مرة أخرى نجد أن فكرة فيسبوك المملة الزرقاء المفيدة صاحبة أسلوب «ما بنطفيش النور حضرتك» كانت منذرة.
وهذا لأنه أُسس فى الفكرة أن فيسبوك حميد فى نهاية الأمر. والأسوأ هو أن زاكربرج أمسك على هذا المزيج من الجدية الشديدة والسذاجة المتعمدة لمدة طالت كثيرا.
وهذا لأن ما لم يستطع إدراكه أبدا حينها هو أن الشركة التى خلقها كان مقدرا لها أن تصبح نموذجا للإنسانية بأكملها كانعكاس رقمى لجماهير عريضة عبر العالم، بما فى ذلك -وبشكل خاص- السيئون.
هل كان ذلك لأنه دارس للكمبيوتر ترك الكلية فى وقت مبكر ولم يحضر ما يكفى من فصول الآداب التى ربما لكانت حذرته من الجوانب الأبشع فى الطبيعة الإنسانية؟ ربما. أم هل كان ذلك لأنه منذ ذلك الحين غرق فى إيجابية سليكون فالى المتصلبة حيث يحظر تخيل نتيجة سيئة؟ وارد. وهل ممكن أنه بينما كان هدفه «الاتصال بين الناس» لم يتوقع أبدا أن المنصة ستكون مسؤولة عن أولئك الناس عندما يسيؤون التصرف؟ آه، نعم. وأخيرا هل أعماه تفكير فيسبوك المقصور على ارتفاع الأرقام يمينا فى الرسوم البيانية عن الطرق المختصرة التى تتبع فى خدمة النمو؟ بكل تأكيد.
كانت لا تزال هذه الموضوعات مطروحة على الملأ فى مقابلة مدونة صوتية أجريتها مع زاكربرج منذ بضعة أشهر. وقد تتخيل أن كل هذا الوقت وكل المال والسلطة التى جمعها قد جعلته حكيما.
ليس كثيرا. للأسف سرعان ما تحول الحوار إلى إحدى المناظرات الليلية فى غرف سكن طلاب أولى جامعة بينما تعثر فى جدال صنعه بنفسه باستخدامه ناكرى المحرقة وأخطائهم الفادحة كمثال على حجم التراهات التى ينبغى السماح بها على المنصة.
وفى الوقت الذى ابتلع فيه هذا التصريح كل الأخبار دهشنى شىء آخر. فقد ظللت أضغط على زاكربرج حول شعوره الشخصى تجاه الأذى الذى تسبب فيه اختراعه. هل كان قد بدأ يدرك القوة الممسك بها وأن العالم الذى يسيطر عليه ليس هذا المكان الوردى؟
واعترف بأن فيسبوك «على الأرجح» كان «يركز بشدة على الإيجابيات فقط ولا يركز بما يكفى على بعض السلبيات».
وهذا عدل كافٍ غير أنه كان مستحيلا جعله يقر بأى ألم شخصى سواء كمخترع أو مدمر، إذ قال: «أعنى أن شعورى هو إحساس عميق بالمسؤولية لمحاولة إصلاح المشكلة»، متابعا: «فى إدارة شركة إذا كنت تريد أن تكون مبتكرا وتدفع الأمور إلى الأمام أعتقد أنه ينبغى أن تكون مستعدا للخطأ فى بعض الأمور، ولكننى لا أعتقد أنه من المقبول أن تخطئ فى نفس الأمور مرارا وتكرارا».
كانت إجابة «تشمير كمام» كلاسيكية لمهندس فى سليكون فالى والتى لا تثير اهتمام الكثيرين عندما يأتى الأمر مثلا للتلاعب بالديمقراطية. إن التصدى لفاعلين سيئين مثل الروس مكلف وستزداد تكلفته غير أن فيسبوك كان يستطيع القيام بأكثر بكثير مما قام به وبالتأكيد بحاجة للقيام بأكثر مما يقوم به.
ويحاول زاكربرج الآن التصدى للحديث فى واشنطن عن تنظيم شركته كما وصفها لى ذات مرة، كخدمة. كما أمضى الشهر الماضى فى مقابلات على العشاء مع مجموعة من الخبراء الأكاديميين فى حرية الرأى والدعاية وغيرها فى محاولة لفهم إلى أين يذهب من هنا.
سموه تعليم مارك زاكربرج وسليكون فالى إلا أنه على حساب العالم. وكم كلف -وسيكلف- ذلك على الأرجح لا حدود له.

 

...

كارا سويشر
كاتبة صحفية أمريكية متخصصة فى مجال التكنولوجيا، عملت فى «وول ستريت جورنال» من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠٣، وأسست عددا من المواقع والمؤتمرات التكنولوجية. تصفها «نيوزويك» و«نيويورك مجازين» بأنها أهم وأخطر صحفية تغطى «سليكون فالى». أعلنت فى ٢٠١٦ نيتها للترشح لمنصب عمدة سان فرانسيسكو عام ٢٠٢٣.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات