.

أطفال بورسعيد.. المجنى عليهم والجلّاد!

Foto

لماذا يلجأ بعض المحافظين الآن إلى مواقع التواصل الاجتماعى لتلميع أنفسهم وتسويق إنجازاتهم الوهمية؟ ما أهم الأمور التى كشفتها قضية أطفال تهريب بورسعيد؟


فى الثالث عشر من يونيو الماضى، احتفلت البوابة الإلكترونية لمحافظة الشرقية بإنجاز عظيم من إنجازات محافظها اللواء خالد سعيد، الذى كثُرت الأقاويل عن رحيله فى حركة المحافظين الجديدة المرتقبة، وقد تمثَّل هذا الإنجاز فى ضبطه، شخصيًّا، فى أثناء جولاته فى شوارع مدينة الزقازيق، أحد الأشخاص الذين يقومون بالنبش فى الزبالة، ربما بغرض الأكل من بقاياها أو جمع ما يمكن بيعه منها، ليقوم المحافظ بالقبض عليه بنفسه، فتحتفل البوابة الإلكترونية للمحافظة بهذا الإنجاز العظيم، على الرغم من أن الزبالة تملأ جميع شوارع مدينة الزقازيق وأحيائها الراقية، بل تملأ جميع شوارع مدن ومراكز تلك المحافظة، فلا تجد مَن يكنسها أو يرفعها إلا بطلوع الروح، فضلًا عن تدنِّى الخدمات المرورية التى تكاد تكون منعدمة فى جميع شوارع الزقازيق ومدن ومراكز المحافظة، فلا توجد خدمة مرورية كاملة إلا عندما يمر المحافظ، أو المحامى العام، أو مدير الأمن، وعلى الرغم من ذلك كله لا يلتفت المحافظ إلا إلى أحد نباشى القمامة، ولا تلتفت البوابة الإلكترونية والعلاقات العامة بالمحافظة إلى تلك السلبيات، لكنها تلتفت فقط إلى جولات المحافظ التى كثُرت فى الآونة الأخيرة، خوفًا من الإقالة، فتقوم بتسويق تلك الجولات فى السوشيال ميديا، لتلميع ذلك المحافظ!

ويبدو أن محافظ الشرقية ليس وحده فى هذا الأمر، فها هو ذا محافظ بورسعيد اللواء عادل الغضبان، هو الآخر، يخطئ خطأ جسيمًا، ربما يكلفه مقعده فى المحافظة الساحلية الصغيرة، بعد إذ سمح، يوم الخميس الماضى، لمسؤولى البوابة الإلكترونية للمحافظة بنشر مقطع فيديو تظهر فيه إحدى المذيعات التابعات للإذاعة المحلية ببورسعيد، وهى تحاور سبعة أطفال ضُبطوا بمعرفة الأمن فى واقعة عُرفت إعلاميًّا باسم «أطفال التهريب»، بعد ضبطهم خلال قيامهم بتهريب بعض البضائع المستوردة غير خالصة الرسوم، وذلك عبر المنافذ الجمركية بالمحافظة، وقد أثارت أسئلة تلك المذيعة الاستفزازية التى وجهتها إلى الأطفال حالة من الاستياء العام والغضب الشديد على مواقع السوشيال ميديا، خصوصًا فى حوارها مع أحد الأطفال الذى جاء كالتالى: «المذيعة: جاى من سوهاج لبورسعيد علشان تهرَّب؟.. الطفل: آه، أعمل إيه؟.. المذيعة: اشتغل فى شركات النظافة أو فى الاستثمار.. الطفل: بـ50 جنيه فى اليوم؟ 50 جنيه تقضى مين؟.. المذيعة: إنت كده تضرّ بلدك، ليه ما بت.. الطفل: ييجى إيه جنب اللى بيتهرب؟!.. إنتو بتمسكوا الغلابة اللى زينا أبو 150 جنيه، وتسيبوا اللى بيهرب بمليون! أكسِى أمى واخواتى وأكِّلهم منين؟! أنا اتعورت علشان أجيب فلوس، علشان أروح أعيّد.. مفيش شغل فى البلد، إنت ماحسَّاش بالناس!».
كلمة «الاستثمار» أثارت حالة من السخرية واللغط، وفى الحق، لم يكن قصد تلك المذيعة الاستثمار بمعناه الواسع المعروف، وإنما كان قصدها منطقة مصانع الاستثمار بالمحافظة أو المنطقة الحرة، وهى المنطقة التى تقع فى جنوب بورسعيد وفيها عدد من المصانع، خصوصًا مصانع النسيج والملابس الجاهزة، لكن هذا لم يشفع لتلك المذيعة المعروفة جيدًا لأهالى بورسعيد، من خلال عملها كمسؤولة عن الإذاعة المحلية وتقديم النشرة المحلية للمحافظة يوميًّا، وتتولَّى وحدها التغطية الإعلامية الكاملة لجميع فاعليات محافظة بورسعيد، وهو ما جعل المحافظة تستعين بها لتصوير ذلك المقطع مع أولئك الأطفال، ما يُثبت مسؤولية المحافظ، تحديدًا، عما حدث، لا سيما أن تصوير «أطفال التهريب» بتلك الكيفية التى حدثت يُعدّ تشهيرًا يخالف قانون حماية الطفل، فليس من المعقول اقتياد أولئك الأطفال، مهما كانت جريمتهم، مقرّنين فى «الكلبشات»، دون إذن من النيابة العامة، ليتم تصويرهم فى ديوان عام محافظة بورسعيد بغرض التشهير بهم، وتلميع السيد اللواء محافظ بورسعيد، الأمر الذى أثار الغضب بصورة كبيرة، بل أثار موجة من التعاطف مع أولئك الصبية على الرغم من أنهم بالفعل قد أخطؤوا بالعمل فى التهريب، لكن لا ينبغى إهمال الأسباب الكثيرة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التى دفعت أولئك الصبية إلى العمل بالتهريب، ولعل انتماء الصبى الذى نال شهرة على مواقع السوشيال ميديا، طوال الأيام الماضية، إلى محافظة سوهاج، يفسّر بعضًا من تلك الأسباب، فمما هو معروف -لكنه ليس معروفًا لتلك المذيعة- أن محافظة سوهاج، تخصيصًا، تحتل المرتبة الأولى بين محافظات الجمهورية فى نسبة الفقر، إذ تبلغ نسبة الفقر فيها نحو 66%، كما أنها على رأس المحافظات الطاردة، ما يعنى أن وجود صبى كذلك الصبى الذى استجوبته تلك المذيعة بصورة مستفزّة، يُعدّ أمرًا طبيعيًّا، فالمذيعة استقوت عليه دون أن تعرف الظروف التى أجبرته وأجبرت زملاءه على السفر من محافظات الصعيد للعمل فى التهريب، ولو أن لديها خلفية ثقافية أو مهنية لما كان استجوابها على تلك الطريقة، بل لو كانت تمتلك أى قدر من ثقافة لرفضت بالأساس استجواب أطفال بغرض التشهير بهم، حتى تُثبت للسيد اللواء المحافظ أنها فى الخدمة دائمًا!
مما يعجب منه فى الأمر أنه فى الوقت الذى أكد فيه مسؤول العلاقات العامة بمحافظة بورسعيد، بعد إثارة القضية على مواقع السوشيال ميديا، أن المحافظة لم تخطئ فى شىء، إذا بالمحافظ عادل الغضبان يخرج مساءً على شاشة إحدى الفضائيات مقدمًا اعتذاره عن تلك الحادثة، مكتفيًا بالإشارة إلى أن المحافظة أصدرت بيانًا أشارت فيه إلى أن استخدام الأطفال فى عمليات التهريب من منافذ بورسعيد الجمركية يُعدّ أمرًا مخالفًا لحقوق الطفل، مع أن ما قامت به المحافظة نفسها وتصوير أولئك الأطفال على تلك الصورة التى شاهدها الجميع، هو الانتهاك نفسه، ولكن يبدو أن محافظ بورسعيد تنبّه إلى الأمر متأخرًا بعد أن أثار الفيديو حفيظة وغضب الملايين الذين شاهدوه، فقام بتوجيه لجنة الحماية الاجتماعية بالمحافظة لبحث حالة أولئك الأطفال وتقديم الدعم اللازم لهم، وإخلاء سبيلهم من سراى النيابة بعد دفع الغرامة المالية!
لقد كشفت تلك القضية طائفة من الأمور، أولها أن اختيار المحافظين يتم دون معايير واضحة ومدروسة، فمن الواجب أن يكون المحافظ على قدر من السياسة والقانون والثقافة، حتى يستطيع الإلمام بما يجرى حوله، والتصرف بشكل جيد إزاء القضايا والأمور المختلفة، وقد كان لافتًا للنظر استخدام كثير من المحافظين البوابات الإلكترونية عبر مواقع السوشيال ميديا، لتسويق أنفسهم وإنجازاتهم، سواء أكانت إنجازات حقيقية أم وهمية، كما هى الحال لمحافظ الشرقية الذى أشرنا فى صدر مقالنا عن كثرة استخدامه وسائل التواصل الاجتماعى فى الآونة الأخيرة بعد إذ كثرت الشائعات عن رحيله فى حركة المحافظين الجديدة، وعلى دربه سار محافظ بورسعيد هو الآخر، وأحسب أن التفات المحافظين إلى هموم ومشكلات محافظاتهم ووضع حلول لها، أفضل مئة مرة من انقيادهم إلى وسائل التواصل الاجتماعى، لتسويق إنجازات وهمية وتلميع شخوصهم التى تفتقد السياسة والكاريزما!
وثانى الأمور التى كشفت عنها تلك القضية هو تدخل الواسطة والمحسوبية فى اختيار القيادات المختلفة داخل دواوين المحافظات، فلم تكن مذيعة فيديو «أطفال التهريب» سوى موظفة بقسم العلاقات العامة بحى بورفؤاد، ثم انتُدبت فى ظروف غامضة إلى قسم العلاقات العامة بديوان عام محافظة بورسعيد، ثم نُقلت إلى الإذاعة المحلية بالمحافظة، لتتولى بعد ذلك مسؤوليتها، بل تتكلَّف وحدها -على الرغم من بلوغها الخمسين سنة- بتولى التغطية الإعلامية الكاملة لأية فاعلية فى محافظة بورسعيد، دون أن يعرف مواطنو المحافظة المؤهلات والمميزات والقدرات الحقيقية التى تتمتع بها تلك المذيعة، ويأتى هذا فى وقت «نسف» فيه المحافظ الموضوع من أساسه، عندما اعترف على شاشات التليفزيون أن محافظة بورسعيد «لا يوجد لديها كوادر إعلامية تستطيع صياغة مثل هذا الأمر!»، وهو اعتراف صريح من هذا المحافظ بأن الترقيات التى حصلت عليها تلك المذيعة داخل محافظته ليست من استحقاقها!
وثالث الأمور التى كشفت عنها تلك القضية هو نوم المجلس القومى للأمومة والطفولة فى العسل، فلم نسمع طوال الفترة الماضية عن أى نشاط أو أى قرارات احترازية يتخذها هذا المجلس للحيلولة دون استغلال الأطفال على أية صورة، ولا أدرى كيف لا يعرف مسؤولو هذا المجلس أن مدينة بورسعيد إحدى المدن التى يُستغلّ فيها الأطفال والصبية فى أعمال تهريب البضائع الأجنبية، وبيع الملابس فى الشوارع، ومع ذلك لم يتحرك ذلك المجلس التابع للحكومة إلا بعد أن أُثيرَت القضية واشتُهرت على مواقع التواصل الاجتماعى، ولو لم يحدث ذلك لما التفت أحد ولما تحرك مسؤولوه خصوصًا الدكتورة عزة العشماوى، الأمين العام!
وأما رابع الأمور التى كشفت عنها تلك القضية فهو أهمية مواقع التواصل الاجتماعى فى تحريك الرأى العام، بل فى تحريك الحكومة نفسها، فلقد أصبحت مواقع السوشيال ميديا نافذة إعلامية مهمة للغاية فى عصر التدوين الإلكترونى، ولم يعُد هنالك غنى عنها، فمنها تنتقل القضايا المختلفة إلى الفضاء العام كله، ومنها يكون التأثير، على الرغم من أن سلبياتها كثيرة، لكن إيجابياتها فى الوقت نفسه لا تُنكَر.
قضية «أطفال تهريب بورسعيد» ألقت حجرًا فى بحيرة الإهمال وغياب المعايير، ولعل الحكومة تفهم أن هذه الأمور جميعها كفيلة بهدم أى إصلاح!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات