.

جميعنا كفار إذن

Foto

كيف ظهر الكره للاختلاف بين طيات آراء الفرق الإسلامية المختلفة؟


كُلنا كفار.. هذا ما نصل إليه كنتيجة حتمية إذا ما طالعنا كتب التراث، الكل يُكَفِّر الآخر، والكل يقدح ويفسد إيمان الآخر، نُكَفِّر الشيعة بينما يُكَفِّرنا الشيعة، نُكَفِّر المعتزلة والمتصوفة وأصحاب المقامات. هذا ما فعلناه بأنفسنا وما كسبناه بعقولنا القاصرة، احتكرنا الصواب وامتلكنا اليقين وأقمنا حربًا بين الله وخلقه، هكذا بكل تبجُّح، تآمرت عقولنا علينا فصار أتباع كل مذهب يوقنون أنهم يمتلكون الحقيقة بينما غيرهم ضال كافر. من أين يأتيهم هذا اليقين ومن أين لهم امتلاك الحقيقة؟ يأتون بها من أفواه المشايخ الذين ينقلونها من كتب التراث كما هى، والناس تصفق وتصدق وتهلل وتنتشى، كلهم منتشون وكفار لا يؤمنون إلا بما ورثوه، أما عقولهم فهرطقة.. المجد للنص والشيخ والمنبر، هكذا تعلمنا وكبرنا وصار تغييرنا أمرًا مرًّا كمرارة النصوص والحكايات التراثية الساذجة التى أضفت عليها الوراثة أكوامًا من القداسة المزيفة، ولنعتبر بالأمثلة.

قال ابن حديد إن الشيعة من أسبق الناس فى وضع الأحاديث، حيث قال «إن أصول الأكاذيب فى أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة»، شرح نهج البلاغة جـ3 صـ26.
هذا مجرد مثال لكيفية تناول الفرق نصوصَ الفرق الأخرى، وهو الأمر الذى يستشيط له السُّنة غضبًا إذا ما واجهناهم به ورفعنا العقل والمنطق فى وجوههم، لنخبرهم بكذب أحاديثهم وما جاء فيها من فظائع مفتراة على الرسول وعلى الإسلام، لكنهم فى الوقت ذاته يكذبون أحاديث الشيعة بكل أريحية وثقة فى الوقت الذى تملؤهم خلاله الثقة فى أحاديث أئمتهم، كلٌّ يرى إمامه المعصوم وكأنه المخلص، ليس فقط الشيعة ولكن السُّنة أيضًا، ولعل ما جاء فى رسالة ابن الجوزى مثال بسيط على هذا المعتقد الراسخ الذى لم يتزحزح بعد كل هذه القرون التى طالت، بينما قصُر تفكيرنا وعلا صخب صوت تكفير بعضنا بعضًا.
«فإن الشيعة ينسبون للأئمة صفة العصمة فى كل حياتهم، فهم فى نظرهم لا يرتكبون صغيرة أو كبيرة ولا يجوز عليهم خطأ ولا نسيان، بل إنهم يوحى إليهم» رسالة ابن الجوزى صفحة 57.
وكأن «السُّنة» لا تنسب العصمة إلى خلفائها الراشدين وأئمتها وعلمائها، وكأنهم لا يزعمون أن الشيطان يغادر أى مكان فيه عمر، هذا الزعم الذى لم ينسبوه إلى رسول الله نفسه، فهل يغادر الشيطان لوجود عمر بينما يبقى فى وجود محمد؟!
كلما دخلوا أكثر فأكثر إلى عمائم أئمتهم تحوَّلت أوطانهم إلى بحور من الفرق والتيارات الدينية السنية والشيعية، الدعوية والجهادية، وكل منها يمارس تعصبه الإسلامى المخدر بنوع من «نوستالجيا» القرون الغابرة وما لها من أمجاد مزيفة تلطخت أيامها بالدم المقدس والفتاوى التى تحض على كراهية العالم وتكفيره، بينما تطالب ذات الأفواه بالتوقف عن التمييز ضد المسلمين فى الوقت الذى لا يختلف أحد فيه على وجود التعصب ضد الإسلام والمسلمين فى أنحاء العالم، وهى نتيجة بديهية إثر ما يقوم به المسلمون المتشددون والذى خلق نوعًا من الحساسية لدى العالم، هذه الحساسية المفرطة ليست سوى مجموعة أفعال غير نابعة من إرادة بل هى ردة فعل تصيب الإنسان والمجتمعات، وكأنها نوع من الفوبيا خلقتها نصوصنا وحروبنا ودواعشنا وتكفيرنا وكرهنا لأنفسنا، فها نحن بعد ما تسببنا فى أمراض العالم بفوبيا وجودنا نطالبه بأن يتوقف عن هذا الخوف ونظل نردد أن كل ما تسبب فى خوفه لم يكن فى يوم من الأيام من الإسلام.. لكن هذا الطرح الساذج لا يعالج العالم ولا يوقف خوفه منا ولا يعالجنا أيضًا.
يلزمنا الكثير من القبول والكثير من الاستغناء عن ميراث الكره والتكفير والنصوص التى تجلب الدماء والحروب وتنتهك الأنفس والأوطان، ما يشفى العالم ليس تنصل الشيعة من السُّنة وتنصل السُّنة من الشيعة وتكفير هذا لذاك، ما يشفى العالم هو تنصُّل المسلمين جميعًا من النصوص التى تتكئ عليها الحروب ويتكئ عليها «داعش» وإخوته والإرهاب.. عندها فقط سنُشفَى قبل أن يُشفى العالم.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات