.

«غزو مصر».. بين طموح عمرو بن العاص وتخوُّفات عمر بن الخطاب

Foto

لماذا أهمل عمرو بن العاص خطاب عمر بن الخطاب الذى يأمره بالرجوع عن غزو مصر؟ ما المأزق الذى وجد ابن العاص نفسه فيه على أبواب بلبيس وكاد يفتك بجيشه؟ كيف يقول الرسول إن جنود مصر خير أجناد الأرض فى حين أنهم ليسوا أهل قتال أصلًا؟


لا تستطيع أن تتحدث عن «غزو مصر» دون أن تربطه بالتطلعات السياسية لعمرو بن العاص، فالأخبار تقول إن عمر بن الخطاب كان مترددا فى غزوها لأسباب كثيرة، منها أن العرب لم يكونوا قد استقروا بعد فى الأمصار التى دخلوها فى الشام والعراق، وهو ما يستدعى إرسال جند كثيرين لهذه المناطق القلقة، بشكل يصعب معه توفير أعداد أخرى لمصر، كما أن ميزانية بيت المال قد أُرهقت وقتها بسبب الصرف على هذه الحروب، إضافة إلى عام الرمادة وطاعون عمواس عام 18 هجرية، وهو نفس عام بداية الغزوة على مصر، كما كان يتخوف من الحاميات البيزنطية فيها، لكن ابن العاص زين له الأمر كنزهة سهلة، لأن جنود البيزنطيين قليلون، ولأن المصريين ليسوا أهل قتال، وبالتالى لن يشاركوا فى الحروب، ولأن فىء مصر الذى يأخذه البيزنطيون كفيل بحل مشكلات الموازنة الإسلامية، وفوق كل ذلك فإن احتلال مصر سيحرم البيزنطيين من منصة أخرى يستطيعون منها الإغارة على مركز الخلافة فى الحجاز، عبر البحر الأحمر، ذلك أن قادتهم فى الشام قد فروا إليها بعد هزيمتهم هناك، إلى جانب حلم عمرو أن يُؤَمَّر عليها، فقد كان يعرفها من سفراته المتعددة إليها قبل الغزو للتجارة.

ما سبق هو رؤية سياسية واقتصادية بحتة جعلت الغزو مُلحا وآنيا من وجهة نظر عمرو بن العاص، وجعلته مهما ومؤجلا من وجهة نظر عمر بن الخطاب، ووجهة نظر عمرو هى التى تغلبت، لكن المحدثين يحبون أن يضيفوا إليها بعدا دينيا لم يكن فى الحسبان، متمثلا فى نشر رسالة الإسلام فى مصر التى تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتحها وأوصى بأهلها خيرا، وهو ما أظنه لم يتحقق، فأهل مصر لم يسلموا ولم يتحدثوا العربية إلا بعد مرور خمسمئة عام تقريبا، فى بداية الدولة الفاطمية، وتم ذلك بفعل الهجرة الكبيرة للعرب من الجزيرة العربية إلى مصر، وفرض اللغة العربية فى الدواوين. ثم إن السبب الرئيسى الذى يسوقه المتأخرون هو أن المصريين كانوا يعانون من الحكم البيزنطى الذى ينهب خيراتهم، ووصل الأمر ببعضهم إلى أن قالوا إن المصريين هم من استنجدوا بعمرو بن العاص، وهذه مغالاة لا دليل عليها، غير أن دافع إنقاذ المصريين من الروم يمكن تقبله لو أن العرب أزاحوهم ورحلوا، أو أنهم أزاحوهم وحلوا محلهم وخففوا عن المصريين المعاناة، لكن واقع الأمر -من كتب التراث نفسها- يقول إن العرب أزاحوا البيزنطيين وأخذوا هم الخراج والمكوس والجزية وأثقلوا كاهل المصريين، إن لم يكن بمثل ما كان يحدث لهم، فقد زادوا!
وعلى الرغم من أن عمر بن الخطاب قد وافق فى نهاية الأمر، وجهز عمرو بن العاص بجيش قوامه ثلاثة آلاف وخمسمئة رجل، ويقال خمسة آلاف، وأوصى ابن العاص أن يكون الأمر سِرِّيا دون إعلان ودون ضجيج، فإن الأخبار تقول إنه ظل على تردده بعد سير الجيش، حتى إنه أرسل رسالة لابن العاص حين وصل رفح يأمره بالتراجع، ويقال إن عمرو رأى الرسالة وتعمد عدم قراءتها حتى لا يقال إنه عصى الأمير، ويقال إنها وصلته بعد أن اجتاز العريش، وتقال أشياء أخرى يتبين منها أن عمرو كان مصمما على المضى رغم تردد عمر، وهو ما تم. وعلى الرغم من صحة فكرة ابن العاص عن ضعف الحامية البيزنطية فى مصر، وعدم مشاركة المصريين فى القتال، فإنه وجد نفسه وهو على حدود بلبيس فى ورطة بسبب قلة عدد جنوده، قبل أن يدخل أى معارك حقيقية، لأن الجندى الذى يقتل لا يتم تعويضه، بينما الخصم يستطيع التعويض بسهولة، إلى جانب تحصنه خلف متاريس أعدت لذلك، فكان أن طلب عمرو إمدادات من عمر بن الخطاب، الذى لم يجد مفرا من ذلك، فأرسل له جندا بقيادة الزبير بن العوام تتراوح أعدادها حسب المصادر من أربعة آلاف إلى اثنى عشر ألفا، وهذه الأعداد هى التى أنقذته من هزيمة بدت فى الأفق، وجعلته يواصل انتصاراته.
بتتبع سير جيش عمرو بن العاص منذ خروجه من الجزيرة عام 18 هجرية، حتى دنت له مصر بسقوط حامية الإسكندرية عام 21 هجرية، نجد أنه سلك الطرق نفسها التى سلكها الغازون الذين سبقوه، وأنه سيطر على مصر بجيش مكون من سبعة آلاف وخمسمئة جندى حسب أدنى التقديرات، وسبعة عشر ألفا حسب أقصاها، وقد سار بمحاذاة البحر حتى فتح العريش والفرما، ثم اضطر إلى التوغل فى الدلتا ليفتح بلبيس ثم أم دينين وحصن بابليون، وهو الذى ما كان له أن ينجح فى اقتحامه لولا الإمدادات، وسنجد أيضا أن بعض المصريين قد انضموا إليه فى سيره «طمعا فى الغنائم» التى كانت الفلسفة الكبرى من وراء اشتراك جنود متطوعين فى الجيوش الإسلامية، فالمعروف أنه لم يكن هناك جيش نظامى للدولة الإسلامية، فى بدايتها على الأقل، وأنها كانت تعتمد على المتطوعين الطامعين فى «الغنائم» من النساء والعبيد والأموال.
يروى الواقدى حكاية لطيفة فى «فتوح الشام» ج2 ط1، طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، ص64 إلى 67، حين ضرب عمرو بن العاص الحصار على بلبيس وقاتل حاميتها شهرا، كان بها «أرمانوسة» ابنة المقوقس، وقد جهزها بأموالها وجواريها وغلمانها وهى فى طريقها نحو قيسارية لتتزوج من قسطنطين بن هرقل، ويشير إلى يوقنا صاحب حلب الذى كان قد اعتنق الإسلام، وتقدم على رأس بعض الجند الذين تنكروا بزى الروم حتى وصل بلبيس، فى محاولة لاستطلاع الأخبار وتمهيد الأمور، ولما علم بوجود أرمانوسة سار إليها حتى يوهمها أنه قادم من قبل قسطنطين ليحملها إليه فى القسطنطينية، فأحسنت إليه وإلى جنده فى البداية، لكنها سرعان ما اكتشفت الخديعة، فأعدت العدة لقتاله، وأرسلت إلى أبيها تعلمه بما حدث، وتخبره بتقدم جيش المسلمين داخل الأراضى المصرية، وطلبت منه إرسال قوة لقتالهم، فاجتمع المقوقس بكبار رجال ولاية مصر وسألهم المشورة، فاقترحوا عليه إرسال الجيش الذى طلبته ابنته والاستنجاد بجيرانه لنصرته، إلى جانب جمع الجيوش من أنحاء مصر، لكن المقوقس رفض ذلك وأعلمهم أنه مهما استعد لن يقدر على الغزاة، وأنه من الحكمة أن يرسل إلى ابنته كتابا يطلب فيه منها التلطف فى معاملة يوقنا ومن معه، ومنحهم الأمان وإرسالهم إليه لتطييب خاطرهم!
هذه القصة ليست غريبة فقط، إذ يرفض المقوقس نصرة ابنته فضلا عن الدفاع عن الأرض التى يحكمها واعتبار أن التلطف والتطييب بديلا عن الحرب، لكنها تتعارض من روايات سير الأحداث ربما فى المصدر نفسه، فالروايات تقول إن جيش عمرو كان قد تسرب إليه اليأس من قلة عدده، ومن هزائمه الصغيرة المتلاحقة هنا وهناك، وعدم قدرته على اقتحام حصن بابليون، لذلك قرر ابن العاص تجزئة الجيش والإغارة على قرى صغيرة للحصول على انتصارات ترفع من معنويات الجند، حتى يصله المدد الذى تأخر من عمر بن الخطاب. هذا الضعف وذلك التشتت لا يستقيمان مع خوف المقوقس من إرسال الجيش إلى بلبيس وحصن بابليون، خصوصا أن جنوده كانوا يبلون بلاء حسنا، والأقرب إلى المنطق أن الحاميات البيزنطية كانت قليلة وغير مستعدة للقتال، فدافعت بالوسائل المتاحة لها، ومع ذلك شكلت مواجهة قوية لجيش العرب، لكنها انهزمت فى النهاية، وأن المصريين كانوا غائبين عن المشهد، لأنهم يدركون أن الأمر ليس سوى استبدال احتلال بآخر قد يكون أسوأ منه، ولأنهم ليسوا أهل قتال كما قال عمرو، وهو -بالمناسبة- ما يتنافى مع الحديث المنسوب إلى رسول الله: عن عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض. فقال له أبو بكر: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنهم فى رباط إلى يوم القيامة». أخرجه ابن عبد الحكم فى «فتوح مصر» ص189، والدارقطنى فى «المؤتلف والمختلف» «2/ 1003»، ومن طريقه ابن عساكر فى «تاريخ دمشق» «46/ 162»، وابن زولاق الحسن بن إبراهيم الليثى فى «فضائل مصر» ص83، وعزاها المقريزى فى «إمتاع الأسماع» «14/ 185» لابن يونس. وجميعهم من طريق ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميرى، عن بحير بن ذاخر المعافرى، عن عمرو بن العاص.. وهذا إسناد ضعيف ، فيه علل ثلاث: 1- عبد الله بن لهيعة: قال الذهبى فى «الكاشف» ص590: «العمل على تضعيف حديثه». 2- الأسود بن مالك: لم أقف له على ترجمة. 3- بحير بن ذاخر المعافرى: ترجم له البخارى فى «التاريخ الكبير» «2/ 138»، وابن أبى حاتم فى «الجرح والتعديل» «2/ 411»، والذهبى فى «تاريخ الإسلام» «7/ 326» ولم يذكر فيه أحد جرحا ولا تعديلا، وإنما ذكره ابن حبان فى «الثقات» «4/ 81». وبهذا يتبين أن الحديث ضعيف جدا، فلا يستشكل المعنى بعد ضعف السند.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات