مجدى يعقوب.. هكذا صنع جنته على الأرض

Foto

لماذا يدين مرضى القلب فى العالم كله لمجدى يعقوب بالجميل؟ كيف قدَّر زعماء العالم مجدى يعقوب؟ لماذا يرغب أجانب فى العمل بمركز القلب بأسوان؟


تُعرَف مصر بأعلامها فى مجالات السياسة والتاريخ وغيرهما، ربما هذا الأمر يحدث داخليًّا أكثر وفى المنطقة العربية، لكن فى الخارج/ عالميًّا تُعرَف مصر أكثر بعلمائها؛ لأن العالم المتقدم يقدّر العلم أكثر من أى شىء آخر، ولا دولة فى العالم يمكنها أن تتقدم إلى الأمام خطوة دون أن يكون التعليم على أولى درجات سلم أولوياتها، والدكتور أو السير مجدى يعقوب، جراح القلب الأشهر، مصر تُعرَف به، فهو واحد من هؤلاء الذين نقول عنهم «يتوزنوا بالذهب» -هذا إن كان الذهب هو الأغلى قيمة بين المعادن- ويمكننا القول بارتياح شديد إن يعقوب واحد من هؤلاء الذين يدين لهم العالم كله ومرضى القلب فيه بالجميل، لِما فعله فى هذا المجال الدقيق للغاية، والذى يتعلق بأهم عضو فى كل جسم بنى آدم يسير على هذه الأرض.. قلبه.

أكثر من 25 ألف مريض قلب فى العالم عاشوا حياتهم بفضل مجدى يعقوب. هذا عن مَن أجرى لهم هو بشكل مباشر عمليات فى القلب بكل أنواعها وتفاصيلها، والعدد يفوق هذا بكثير إن كنا نتحدث عن الفرَق الطبية التى يشرف عليها هنا وهناك، بل وفى مؤسسة الأمل التى تكافح ضد أمراض القلب فى الدول النامية. وإذا كان مرضى القلب مدينين إلى يعقوب بأنهم يعيشون حياتهم بسلام، فمصر تفخر بأن يعقوب ابنها، وليت كل أبناء مصر مثل مجدى يعقوب، يقدّرونها، ويخدمونها، ويعرفون جيدًا كيف يصلون بها إلى نقطة جديدة للأمام فى مسيرتها الطويلة ناحية دولة نتمنى أن تقوم على العِلم لا شىء آخر.

مجدى يعقوب تاريخ من النضال والكفاح المستمر حتى اليوم، بل حتى الساعة التى نقرأ فيها هذه الكلمات، بروح شاب فى الثلاثينات، يدير الرجل، الذى وُلد عام 1935، كثيرًا من الأمور الطبية، سواء فى أسوان حيث مركز القلب، أو فى إنجلترا، وربما فى أماكن أخرى لا نعرف عنها شيئًا، فالعلماء -للأسف- لا تذهب الباباراتزى وراءهم إلى كل مكان، ولا تلتقط لهم الصور كلما فعلوا شيئًا، ولو كان الاستيقاظ مبكرًا والجرى حول المنزل قليلا؛ لأن يعقوب قد يكون فى السادسة صباحًا يتابع إجراء عملية لإنقاذ طفل من الموت، أو مشغولاً بمحاولاته الدائمة لتطوير جراحات القلب، حيث إنه إلى جانب تميزه الكبير فى جراحات القلب، فهو مهتم جدا بالبحث العلمى، ومركزه الطبى فى أسوان ليس فقط لجراحات القلب، لكن للعمل على أبحاثها والوصول إلى أفضل الصيغ الممكنة لعلاج أمراض القلب والرئة، وأبحاث البروفيسور يعقوب مهمة للغاية فى مجال جراحات القلب، ولمَ لا وهو واحد من أشهر مَن يعملون فى هذا التخصص على مستوى العالم!

رحلة السير يعقوب طويلة، وإن كانت نقطتها الحاسمة هى عمله فى بريطانيا منذ عام 1962، فى مستشفى الصدر بلندن، الذى كان بداية الطريق ناحية تخصصه فى جراحة القلب، وناحية شهرته كأحد أمهر جراحى هذا المجال، ثم أشهر مَن يعمل به حاليا على مستوى العالم، مُحققًا كل الأرقام القياسية الخاصة بجراحات القلب، فيكفى أنه أجرى أكثر من 25 ألف عملية طوال مسيرته الطبية.

فى العِلم، وإن لم نكن نضيف جديدًا، فيعقوب هو أكثر أطباء العالم فى إجراء جراحات زراعة القلب، وهو ثانى مَن أجرى هذه الجراحة عام 1980، ليحقق نقلة كبيرة وهامة فى مجال جراحات القلب عمومًا، وكان يعقوب هو مَن نقل قلب المريض دريك موريس، الذى أصبح أطول مريض نقل قلب فى أوروبا على قيد الحياة حتى وفاته فى 2005، هو الرجل الذى اعترفت كثير من الدول بإسهاماته فى علاج مرضى القلب فيها، وهو أيضًا مَن أطلقت عليه الأميرة ديانا «ملك القلوب»، وإن كان هو رجلاً ممن لا يحبون الألقاب والجوائز «لا يضيف هذا شيئًا للطبيب، الأهم أن يرى المرضى وهو فى راحة وسعادة».

هو أيضًا العالم الأكثر صراحة فى خدمة مصر، هناك مَن يخدمونها بالتأكيد، وقد رأينا الكثير منهم، سواء بالتبرع أو بالمشاركة فى مشروعات فى مجال تخصصهم، بالأموال أو بالرأى، لكن مجدى يعقوب اختار طريقًا أصعب، وهو أن يدير مشروعًا طبيًّا على أرض مصر فى مجال تخصصه، اختار أن يدير مشروعًا لكن بعقليته هو، وهى هنا «غير مصرية»، ولا تتماس مع مصر سوى فى أن منفذها مصرى يريد أن يخدم أبناء بلده بكل العلم الذى توصل إليه، مواجهًا تعقيدات وعراقيل تقف أمام أحلام مشروعات عددها يفوق المنفذ بالفعل على أرض الواقع. أراد يعقوب باختصار أن يخدم أهل مصر فى أعز ما يملكون.. صحتهم.

مركز مجدى يعقوب لأمراض القلب بأسوان إنما هو أهم ما يمكن أن يقدمه جراح القلب العالمى لمصر، هو إن شئنا الدقة مشروع قومى يكافح أمراض القلب فى بلدنا والمنطقة كلها، فلم يعد مَن يلجؤون إليه من مصر فقط، بل امتد الأمر إلى المنطقة العربية كلها، وإذا كانت المنصورة تعرف بمركز د.محمد غنيم لأمراض الكلى، المعروف على مستوى العالم، فالآن أسوان تعرف بمركز قلب مجدى يعقوب، وكأنها دلالة وراية إلى أنه بالعلم فقط يمكن أن تصبح لبلادنا قيمة فى منطقتنا والعالم بالمركز الذى يكافح بالكشف والعمليات الجراحية والبحث العلمى الذى يوليه مركز يعقوب اهتمامًا كبيرًا، باعتباره هو المحرك الأساسى لجراحات القلب، فلا يمكن أن تتطور دون أن تتطور الأبحاث التى تصل إلى جديد يتم تطبيقه على المرضى.

الأهم من هذا أن مركز القلب كان حلم مجدى يعقوب منذ زمن، فلك أن تتخيل بعد كل هذه النجاحات، والجوائز والتقدير العالمى المقترن دائمًا بأهم شخصيات العالم من الملكة إليزابيث إلى ملكة إسبانيا، أن يعقوب حلمه إنشاء مركز لعلاج أمراض القلب فى مصر، وفى أسوان تحديدًا، لاعتبارات طبية بالتأكيد، وقد كان بالفعل، ونجح المركز خلال سنوات قليلة فى علاج كثير من المصريين، بل ويعتبر من المؤسسات التى تشرف مصر بأنها مقامة على أرضها، ولمَ لا ويعقوب نفسه واحد ممن اختارهم رئيس وزراء بريطانيا الأسبق تونى بلير لكى يطوروا نظام التأمين الصحى فى بريطانيا! لكنه بالطبع لم يخبره أحد بما حدث لقانون التأمين الصحى فى مصر.

ويعقوب يحلم الآن بأن يؤسس مركزًا لعلاج أمراض القلب فى كل مكان يحتاج إلى ذلك حول العالم، وقال فى حوار له إن اجتماعات علمية فى جينيف ستناقش هذا الأمر، فالرجل الثمانينى لا يكف أبدًا عن الحلم، وهذا يناسب رجلاً يمنح القلوب حياة جديدة.

يدار مركز القلب من خلال مجدى يعقوب شخصيًّا، الذى صار يقضى وقتًا أطول فى مصر، ويعمل بالمركز مصريون وأجانب، فى قصة نجاح مصرية تشهد على أن هذا الرجل قامة إدارية أيضًا هامة، بنجاحه فى جعل مركز القلب مكانًا مرغوبًا فيه من المرضى والأطباء الذين يحادثونه من الخارج «بريطانيا وأمريكا وكندا» للعمل معه فى أسوان، ويستعد مجدى يعقوب للتوسع فى مركز القلب من خلال المستشفى الذى سيقام فى أسوان الجديدة، لعلاج أمراض القلب.

وفى نفس الإطار لكن بشكل عالمى، أسس يعقوب «سلاسل الأمل» عام 1995، لكى يجرى من خلالها جراحات القلب فى الدول النامية. هو شخص دائم الانشغال بأن تستفيد البشرية من علمه، وهذا حقيقى، فما فائدة علمه الغزير إن لم يستفِد منه كل مريض قلب فى العالم، خصوصًا هؤلاء الذين يسكنون الدول الفقيرة حول العالم؟!

ورغم أنه لا يرى فى الجوائز قيمة، ويستعيض عنها برؤية ابتسامة على وجه مريض شُفى على يديه، فقد مُنح مجدى يعقوب قلادة النيل من مصر عام 2011، وجائزة «فخر بريطانيا» عام 2007، والتى سلّمها له رئيس الوزراء البريطانى جوردن براون، وكثير بالطبع من الجوائز والألقاب، فقد منحته الملكة إليزابيث الثانية، ملكة إنجلترا، لقب سير. وهكذا نال الكثير من التقدير، سواء من الدول، أو من الأشخاص الأهم فى العالم، وهو حاصل على جائزة أسطورة الطب فى العالم.

يُحسَب ليعقوب أيضًا أنه واحد من أعضاء لجنة الخمسين، التى وضعت دستور مصر عام 2014، أى أنه قام أيضًا بعمل سياسى هام للغاية بأن يشارك فى دستور وُضع لكى تسير عليه مصر لسنوات طويلة قادمة، وهو دستور لو كان يُطبق، لَربما أصبحت مصر منضبطة مثل القلوب التى يعالجها مجدى يعقوب، لكن «تقول لمين؟». هذا رغم أن يعقوب يقول دائمًا إنه مشغول أكثر بعِلمه، وبالعالم الضيق الذى يمثله، ولا يحب أن يخرج بعيدًا عن هذا الإطار كثيرًا، وهو الآن مشغول بمدينة أسوان العلمية الجديدة، والتى ستقام بالبر الغربى لخدمة البحث العلمى الذى يرى يعقوب أنه «لا يمكن لأى دولة أن تتقدم للأمام دون البحث العلمى».

وحسنًا فعل الدكتور مجدى يعقوب حين حسم أمرًا يسأل عنه كثيرون فى مصر وربما فى الخارج الإسلامى بالطبع، حول إذا ما كان سيذهب إلى الجنة أو النار، فقد أعلن الرجل بصراحة تليق بعالِم مثله، لا يخاف بالتأكيد من ردود فعل حول حديثه، أو كيف سيتلقاه كل متربص به، فهو قد فعل للإنسانية أكثر بكثير مما قد يقال حول رأيه، فخلال حوار لبرنامج «حديث العرب» على قناة «سكاى نيوز عربية»، قال إن الإنسانية أهم من الجنة والنار، وإنه رجل «روحانى» وليس متدينًا بالمعنى التقليدى المعروف.

بالطبع، هذا خبَل إسلامى وعربى أن يفكر الناس فى مصير مجدى يعقوب فى النهاية، حتى وإن كان هذا النزاع حول مصيره نابعًا من اعتراف بأهميته للإنسانية، لكن فى النهاية أراح يعقوب كثيرين بهذا الحديث، لعلهم ينشغلون بعمله بدلاً من مصيره، وكأنهم أصلاً يعرفون مصيرهم الشخصى، حتى يفكروا فى مصير بنى آدم آخر.

مجدى يعقوب قيمته من كل هؤلاء الذين عاشوا بفضل علمه ومَشرطه.. أدامهم الله لمصر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات