دماء «إبيفانيوس».. الشك يُلاحق الجلباب الأسود

Foto

ما الخلاف بين رهبان البابا شنودة ورهبان متَّى المسكين؟ لماذا كتب البابا تواضروس بيان تجريد «إشعياء المقارى» بخط يده؟ هل يمكن أن يتحول الخلاف اللاهوتى بين فريقَى دير «أبو مقار» إلى جريمة القتل؟ لماذا حاول الراهب فلتاؤوس المقارى الانتحار؟


لم يكن قريبًا من الإعلام، ولا تصدَّر اسمه مواقع الأخبار، لم يكُن محبًّا للشهرة، فلا ضجَّت الساحة القبطية بتصريحاته، ولا سمعنا به زعيمًا بين رهبانه فى دير أبى مقار، إنه إبيفانيوس المستنير الذى فجَّر موته قنبلة الشك بين فريقَين طالما اختلفا حول أمور عقائدية ولاهوتية وروحية، فريق يتبع تعاليم الأب المُتنيح متى المسكين، وفريق يتبع تعاليم قداسة البابا شنودة مثلث الرحمات، ظل الفريقان فى الدير شريكَين فى الصلاة والعمل الديرى، لكنهما مختلفان فى الفكر منذ عام 2006، إذ ينقسم الدير إلى مدرستَين فكريتَين، بعض الآباء من سكان الدير الأصليين من أبناء الرعيل الأول، والثانى من تلاميذ متى المسكين، أما باقى الرهبان فهم مَن وفدوا إلى الدير بعد وفاة الأب متى المسكين عام 2006، أو مَن انضموا إلى البابا شنودة بعد زيارته الشهيرة للدير عام 2009.

لم تفلح الأكلشيهات المحفوظة فى إيقاف الاتهامات، الحادث جلل وتوقيته خطر، حيث يفرض اغتيال أسقف المُصالحة بين كنائس العالم نفسه على الرأى العام العالمى، وليس المصرى فقط، ولأنه من تلاميذ الأب متى المسكين ترتد الاتهامات فى وجه الجلباب الأسود، فى الوقت ذاته الذى تحشر فيه الطائفية جسدها المقيت فى صعيد مصر، وتنتظر الشماتة إذا ثبتت الشكوك، الأمر الذى تغيب معه أية موضوعية فى الحكم على الأمور، وتتلاشى فضيلة الصبر، لانتظار نتائج التحقيقات، ويقفز ميراث انعدام الثقة بين جهات التحقيق والأقباط فى قضايا الطائفية إلى السطح، فنجد كلًّا يفتى بفتواه، ليثور اللغط وتدفع ثمنه الكنيسة والمجتمع القبطى كله، من شقاق وشكوك كانت فى قدور مكتومة لسنوات تُركن للغليان حتى آن أوان فتح أغطيتها، حتى إن رابطة «حماة الإيمان» التى يقف أتباعها ضد تعاليم الأب متى المسكين، فقدت حكمتها، وعقب مقتل الأنبا إبيفانيوس، تعمدوا نشر الاختلافات العقائدية بين مدرستَى الأب متى والبابا شنودة، دون مراعاة حساسية التوقيت، ومسؤولية عدم إعثار الآخرين خصوصًا من تلاميذ الأب متى. وهكذا فُتحت الجروح القديمة مرة أخرى لتضع سيناريوهات يتداولها البعض باعتبارها سببًا فى قتل الرجل دون تمحيص أو تدقيق.
وللأسف، منح بعض الرهبان الإعلام تصريحات حول الخلافات العقائدية التى لا يتسبعد بعضهم -حسب ما نشر- أنها قد تؤدى إلى جريمة قتل، وتناسى كل مَن يدلو بدلوه أن تلك الخلافات لاهوتية كانت أم عقائدية هى حول الله ومن أجل الله، أيقبل الله الدماء البريئة تحت دعوى نصرته؟! وما الفارق إذن بين ما يفعله المتطرفون من الإسلاميين وما حدث؟ وبالطبع تلك التصريحات لم تعجب الغيورين على الإيمان المسيحى، فهبّوا أيضًا لنصرة إيمانهم على مواقع التواصل الاجتماعى، نافين أية شبهة عن أى راهب، باستخدام مبدأ انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، دون وعى أو تقدير للمسؤولية، أو تفكير فى كون الحادث جنائيًّا ويجب الخضوع للصمت، حتى لا ينقسم المسيحيون بعضهم على بعض، فى هذا التوقيت فوجئنا بالـ«المطيباتية» الذين لا يريدون إغضاب هؤلاء ولا أولئك، الذين اتهموا العرب والبدو من حيتان الأراضى، لإبعاد الشبهة عن أى راهب وإبعادها عن الجرائم الطائفية، بعدما أيقن البعض أن الواقعة يصعب تصنيفها باعتبارها عملًا طائفيًّا، فالدير مترامى الأطراف أكثر من 12 فدانًا، وبعيد فى عمق الصحراء، ولا أحد يعرف مكان سكن الرهبان فيه، ومَن يعرف لن يستطيع تحديد سكن رئيس الدير إلا إذا كان مترددًا على المكان، ومَن يستطيع قتل رجل لسبب طائفى، من المنطق أن يُفجر الكنيسة بمئات الرهبان، فيكون مكسبًا كبيرًا له، خصوصًا أن الواقعة تمت قبيل صلاة الصبح التى يحضرها جميع الرهبان وبينها وبين سكن الأنبا إبيفانيوس مئة متر فقط، فضلًا عن أن القاتل اختار ممرًّا لا توجد به كاميرات، أى أنه على علم بخصائص المكان.
وهكذا حاصرت الشكوك مَن هم بالداخل أكثر ممن هم بالخارج.. لم يقبل بعض الأقباط ذلك، فالصورة الذهنية للراهب لديهم تمنعهم من تصور وقوع جريمة قتل بيد رجل دين، وبعيدًا عن أن التحقيقات لم تتوصل بعد إلى الجانى، وبعيدًا عن الشكوك، فإن فكرة الطوباوية فى رجال الدين فكرة مُعثرة للغاية، كما أن اللغط الدائر بين الأقباط حول واقعة مقتل الأسقف إبيفانيوس -الذى هو متروك لجهات التحقيق الأرضية، ومنصة العدل السمائية- يطرح تساؤلًا خطيرًا: «كيف وصل الناس إلى مرحلة تقديس رجال الدين والرهبان إلى هذا الحد؟»، كيف تركوا الآيات الكتابية وسعوا خلف التعليم الإنسانى واختزلوا الإيمان فى شخوص القساوسة والرهبان، الذين هم من لحم ودم، فإن سقطوا سقط الإيمان معهم! كيف تناسى البعض أن داود النبى الذى قال عنه الله: «فتشت قلب داود عبدى فوجدته حسب قلبى»، هذا النبى كذب وقتل ووقع فى خطية الزنى، حسب الكتاب المقدس للمسيحيين.
لم يضع البعض احتمالًا واحدًا لأن تكون القضية جنائية، بسبب مشاجرة، أو كشف حقيقة لا يريد صاحبها الكشف عنها، أو حتى بسبب خلاف شخصى مع راهب أخطأ أو حاد عن الحياة الرهبانية السليمة، فلا يوجد صلاح مطلق، الكتاب المقدس يقول الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله، فلماذا نستبعد الفساد عن البعض لمجرد اختيارهم الرهبنة طريقًا فى الحياة؟! وإذا كان أحدهم يتعثَّر ولا يستطع العودة بسبب نظرة المجتمع، فإنه أيضًا لا يستطيع الاستمرار فى حياة الرهبنة، وهنا ينشأ صراع محتدم بين ما يجب أن يعيشه وما يستطيع عيشه. وعلى الرغم من أن التحقيقات الرسمية لا تشير إلى أن القاتل راهب، فإن قرار التجريد -من رتبة الرهبنة- الذى تم نشره بخط قداسة البابا تواضروس، ويخص الراهب أشعياء المقارى، أثار جدلًا واسعًا حول علاقة الراهب بمقتل الأنبا إبيفانيوس، كانت لغة القرار كاشفة لأمور كثيرة. ففى بادئ الأمر تم نشره مجهلًا مكتوبًا كمبيوتريًّا غير مختوم، حتى إن البعض قام بتكذيبه، وفى اليوم التالى تم نشره بخط قداسة البابا ممهورًا بخاتم الكنيسة ومذيلًا بتوقيع البابا تواضروس.
وما يدعو للتساؤل: لماذا كتبه البابا بخط يده؟ لماذا لم يصدر كمبيوتريًّا؟ هل لأن البابا أراده وثيقة يواجه بها الرأى العام القبطى ويمهده لنتائج التحقيقات؟ أم أن الأمر بعيد كل البعد عن القضية، لكن لا أحد يريد الانتظار، والجميع «يضرب أخماسًا فى أسداس»، فمنهم مَن يقول إن المجمع المقدس انقسم ولم يعتمد التجريد؟ وبعض الأساقفة صعدوا إلى الجبل غير راضين عما يحدث، والبعض الآخر يخمن أن القرار كان بخط يد البابا، لأن هناك طرفًا ثالثًا لم يمهله الوقت ولا الوجود بين الأساقفة، وأجبره على كتابة البيان وإصداره سريعًا، خصوصًا أن الراهب أشعياء أو وائل سعد تواضروس -الاسم الأصلى بعد الشلح من الرهبنة- اتخذ قرار إبعاده عن الدير منذ شهر فبراير الماضى، بسبب سلوكيات غير مقبولة، لكن بعض الرهبان توسطوا لدى الأنبا إبيفانيوس، آنذاك، للإبقاء عليه، ومحاولة إرشاده للصواب، لا أحد يعلم ما الحقيقة تحديدًا، والكل يصب تحليله الشخصى فى أُذن غيره، ويعكس خبرته الذاتية على واقعة هى فى الأصل جنائية، لكن إعمال العقل وحده يمهد النفوس لاستقبال الحقيقة مهما كانت صادمة.
وتتلاحق الأحداث ويسابق بعضها بعضًا، بمحاولة انتحار راهب من سكان الدير هو فلتاؤوس المقارى، أول من أمس، بعد أن قطع شرايين يده وألقى بنفسه من الدور الرابع فى الدير. والتساؤل: ما الذى يدفع راهبًا إلى الانتحار وهو يعلم جيدًا أن تعاليم المسيحية تقول إنه لا خطية بلا مغفرة إلا التى بلا توبة؟! هل لأنه لديه معلومات عن الجريمة ولا يمكنه البوح بها ولم يستطع احتمال الضغط النفسى؟ لماذا ينتحر وهو يعلم جيدًا تأثير ذلك على النفوس التى طالما وثقت فى الجلباب الأسود وقدَّسته؟
هل يبعث يهوذا بيننا من جديد؟ وما المانع فلكل عصر خونته.. إنهم خانوا المسيح نفسه فلماذا تصعب خيانة أسقفهم؟!
أما ما جاء فى البيان من مناداة لجموع الأقباط للحفاظ على تاريخ الرهبنة، فهو أمر يدعونا إلى الإقرار بأن فى كل مكان فسدة وصالحين، لا يوجد صلاح مطلق وإلا لما كان الشيطان فى العالم، ولا كان بطرس الرسول أنكر سيده قبل صياح الديك ثلاث مرات، ليس بيننا ملائكة، فلن تزيد المسيحية شيئًا إن كان إرهابيًّا ولن تنقص شيئًا إن كان راهبًا، لأن تاريخ الرهبنة فى مصر باقٍ، سطَّره قديسون قدامى ومعاصرون بدمائهم التى روت البرارى القبطية وأنفاسهم التى عبأت مغارات الجبال التى توحدوا فيها، حيث وجد الآلاف من الرهبان الموضِع المثالى لهم بعيدًا عن العالم وملذاته، واعتبروا أنفسهم غُرباء فى الأرض، وتعرضوا للتعذيب والاضطهاد على مدى قرون طويلة، وعندما انقضى زمان الاضطهادات والاستشهاد كانت الحياة الرهبانية تُعتبر «الشهادة البيضاء» أى شهادة دون سفك دم.
فالكنيسة القبطية لا يمكن اختزالها فى أفراد، وأمجاد الرهبنة قوية، ثابتة كالصخر لن تهزها شكوك، أو تنتزع ثباتها خطايا بعضهم، لذلك لا توجد ضمانة لسلام الكنيسة بل والمسيحيين فى هذا الوطن سوى ظهور الحقيقة، والحقيقة فقط دون تسييس ولا تجميل، ولا تبرير، فكما يقول الكتاب «ما من مستور إلا ويُستعلن وينادى به فوق السطوح»، مضى زمن الأنبياء وليس فى الأديرة أنصاف آلهة.. كلنا تحت الخطية ما دمنا فى جسد ينتهى بالموت والفناء.. وأبناء الجلباب الأسود ليسوا دروب الفردوس المنشود، هم مرشدون فى طقوس العبادة. وهذا لا يعنى الميل تجاه أى شك وإنما فقط تعقيبًا على ما يدور من تقديس مبالغ فيه لرجال الدين.

رجُل المصالحة الكنسية
لم تقتصر الشكوك على الراهب محل قرار التجريد، لكنها ذهبت إلى أبعد من ذلك، بسبب أن الأنبا إبيفانيوس من تلاميذ الأب متى المسكين، وباعتباره المُكلف من قبل البابا تواضروس لتولِّى ملف المصالحة مع الكنائس الغربية، ذلك الملف الحساس جدًّا الذى يبتغى التوحيد بين الكنائس، وتعارضه مجموعات من المتشددين، من الأقباط الأرثوذكس، بدأ ذلك الحوار بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة القبطية فى سبعينيات القرن الماضى بعد زيارة البابا شنودة الثالث للبابا يوحنا بولس السادس فى الفاتيكان عام 1973م، وهى أول زيارة لأى من باباوات الإسكندرية منذ انعقاد مجمع خلقدونية سنة 451 ميلادية، والمجمع هو اجتماع عالمى لمناقشة أمر عقائدى والاتفاق عليه، فى هذا الاجتماع تم عزل بابا الإسكندرية ديسقورس، آنذاك، وكان الخلاف العقائدى الذى استمر 15 قرنًا حول طبيعة السيد المسيح، منذ ذلك الحين حتى زيارة البابا شنودة لم تمتد يد المصالحة.
وفى ديسمبر من عام 1971 فى أثناء خلو الكرسى المرقسى بنياحة البابا كيرلس السادس، نظَّمت مؤسسة «نحو الشرق» مؤتمرًا حول الحوارات اللاهوتية فى فيينا، وانتدبت الكنيسة القبطية الأنبا بيشوى أسقف التعليم، آنذاك، لمثيلها، ثم تلته المؤتمرات التقاربية التى فى أحدها وضع البابا شنودة صيغة وثيقة بخط يده باللغة الإنجليزية، ليقدمها للمجتمعين، ووافق عليها لاهوتيو العالم لتمثل نقطة انطلاق للتقارب حول طبيعة السيد المسيح. 
إذن لم يكن ملف الوحدة بين الكنائس جديدًا حتى يستعدى أحدًا ضد الأنبا إبيفانيوس، ولم يكن هو الأول الذى يعمل فيه، فملف المصالحة بين الكنائس الخلقيدونية -مَن امتثلوا لقرارات مجمع خلقيدونية- واللا خلقدونية -الكنائس التى لم تمتثل ومنها الأقباط الأرثوذكس- قديم، وتبناه من قبل البابا شنودة الذى يختلف فى تعاليمه عن تعاليم الأب متى المسكين الذى هو معلم إبيفانيوس، لذلك فمن المُستبعد جدًّا أن يكون ذلك الملف سببًا فى استعداء المختلفين.
كما أن الأنبا بيشوى أسقف دمياط والبرارى تولَّى هذا الملف فى ثمانينيات القرن الماضى بتكليف من البابا شنودة، ومتابعة التواصل مع كنيسة روما، فلماذا لم يتم استعداء أحد ضده؟!

فريقان منذ الستينيات
ولأن الشكوك تخطت الإشارة إلى شخوص بعينهم، وذهبت إلى الدوافع، فالبعض اتهم رهبانًا من فريق البابا شنودة على إثر الخلافات التاريخية -لاهوتيًّا- بينه وبينه الأب متى المسكين، دون العودة إلى أصل الخلاف الذى يرجع إلى خمسينيات القرن الماضى خلال فترة اعتلاء البابا كيرلس السادس كرسى البابوية، والتى خلالها اتخذ البابا كيرلس قرارًا بتجريد الأب متى من الرهبنة والكهنوت، لمدة تسع سنوات، وكان السبب عدم تنفيذ قرار العودة إلى دير السريان وليس لسبب عقائدى، إلا أن الأمر انتهى بعودته مرة أخرى، أصدر القمص متى المسكين خلال السنوات التسع عددًا من المؤلفات التى زادت من اتساع الفجوة بينه وبين البابا كيرلس، كان من بينها كتاب «الكنيسة والدولة»، والذى صدرت الطبعة الأولى منه عام 1963، ثم طبعات أخرى فى عامَى 1977 و1980، وقد تسبب ذلك الكتاب أيضًا فى اتساع الخلاف مع البابا شنودة الثالث فى ما بعد، ثم توسط الأنبا ميخائيل أسقف أسيوط بين الأب متى والبابا كيرلس، على أن يعود هو وأبناؤه إلى دير أبو مقار وقبله البابا كيرلس حينها ورسمه على الدير.
لذلك فإننا نجد أن الخلاف بين البابا شنودة والأب متى المسكين يعود إلى ما قبل اعتلاء البابا شنودة كرسى البابوية خلفًا للبابا كيرلس، لكن الخلاف تعمق فى ما بعد بسبب اختلافات عقائدية وأخرى أصلها سياسى وبعضها لاهوتى، حتى وصل الأمر إلى منع 48 كتابًا من كتب الأب متى المسكين، من العرض فى المعارض الكنسية.

النفوس لا تضبطها القرارات
بعد مقتل الأنبا إبيفانيوس وفى أثناء عظة البابا تواضروس للرهبان فى جنازته، قال نصًّا: «أخرجوا الانحراف من بينكم، أنتم لستم تابعين لأحد بل تتبعون القديس مقار، كفوا عن الظهور فى الإعلام»، وبعدما انتهت المراسم ترجم البابا تواضروس عظته وتحذيراته إلى قرارات مكتوبة وجهها إلى الرهبان والشعب معًا، قرارات تعكس الشكوك والخلافات والتنازع بين الفرق التى من المفترض أنها تعمل على أرضية موجبات الخلاص والأبدية وليس على أرضية مَن على صواب ومَن على خطأ، اثنى عشر قرارًا خرجت عن اجتماع لجنة الرهبنة وشؤون الأديرة بالمجمع المقدس وبحضور البابا تواضروس والأنبا دانيال سكرتير المجمع المقدس و19 من الآباء المطارنة والأساقفة رؤساء الأديرة وأعضاء اللجنة.
كان أهمها «وقف رهبنة أو قبول إخوة جدد فى جميع الأديرة القبطية الأرثوذكسية داخل مصر لمدة عام يبدأ من أغسطس 2018 م»، وهو ما يعنى أن الكنيسة تُريد مراجعة قوائم الرهبان الموجودين بالأديرة وتقييم الحال القائم، والإرشاد الروحى لهم، وحياتهم الرهبانية، ومدى سلامة الأداء فى الأديرة العامرة. ربما يكون ذلك من أجل وحدانية الروح والشركة المقدسة التى غابت بسبب خلافات ظاهرها روحى أما باطنها شخصى وذاتى.
أيضًا قررت الكنيسة أن «الأماكن التى لم توافق البطريركية على إنشائها كأديرة سيتم تجريد مَن قام بهذا العمل من الرهبنة والكهنوت والإعلان عن ذلك مع عدم السماح بتشييد أى أديرة جديدة إلا التى تقوم على إعادة إحياء أديرة قديمة ويتم ذلك من خلال رعاية دير معترف به (عامر، أى به مجموعات من الرهبان)»، ويبدو واضحًا للجميع أن المقصود هنا هو الراهب يعقوب المقارى الذى قام بجمع تبرعات لإنشاء دير باسم السيدة العذراء والأنبا كاراس بوادى النطرون، وأتم جزءًا كبيرًا منه وأقام فيه منفردًا، حتى أكد البابا تواضروس أن الكنيسة لا تعرف ديرًا بهذا الاسم، وأن هذا الدير غير تابع لها إداريًّا ولا كنسيًّا، محذرًا جموع الأقباط من التبرع له، فضلًا عن إطلاق الكنيسة «مناشدة لجموع الأقباط بعدم الدخول فى أية معاملات مادية أو مشروعات مع الرهبان أو الراهبات، وعدم تقديم أى تبرعات عينية أو مادية إلا من خلال رئاسة الدير أو مَن ينوب عنهم». وهو ما يؤكد أن الكنيسة هى جماعة المؤمنين وليست القيادات الكنسية، فلا يمكن لـ«إكليروس» -رجال الدين المسيحى- ضبط الأمر منفردين دون تعاون الشعب المسيحى، والابتعاد عن أمور «الدروشة»، ومنح الثقة المُطلقة لكل مَن ارتدى الجلباب الأسود، فهناك فارق كبير بين الثقة وغياب الحكمة، الرهبان مكانهم الأديرة وليس العالم، ومهمتهم العمل داخل الدير وليس جمع التبرعات خارجه.
وتطرقت القرارات إلى عدم التواصل مع الإعلام بأى شكل من الأشكال حتى لو كان من خلال مواقع التواصل الاجتماعى: «كل راهب يأتى بالأفعال التالية يعرض نفسه للمساءلة والتجريد من الرهبنة والكهنوت وإعلان ذلك رسميًّا: الظهور الإعلامى بأى صورة ولأى سبب وبأى وسيلة. التورط فى أى تعاملات مالية أو مشروعات لم يكلفه بها ديره. الوجود خارج الدير دون مبرر والخروج والزيارات دون إذن مسبق من رئيس الدير»، وهو ما يطرح تساؤلًا مهمًّا: لماذا اشترك الرهبان أصلًا على مواقع التواصل الاجتماعى؟! فالرهبنة هى الموت الاختيارى عن العالم والناس والأقرباء، كيف يموت الإنسان عن العالم ليحيا مع الله ثم نجده يبدى رأيه فى أمور سياسية أو دنيوية أو حتى روحية عبر مواقع تواصل تحمل من الدنيا كل ملامحها أكثر مما يحمل الخروج إلى الشارع؟! وهو ما ينفى فكرة الرهبنة عن صاحب تلك الممارسات، وما أجله جدًّا أن الكنيسة تنتبه إلى ذلك وتمنعه، لكن الحقيقة ما لم أفهمه قط هو إعطاء الرهبان فرصة لمدة شهر لغلق أية صفحات أو حسابات على وسائل التواصل الاجتماعى، فأولئك الذين نذروا أنفسهم للتوحد والعبادة وماتوا عن العالم، عليهم أن يحفظوا أنفسهم من شرور العالم ومغرياته.
قرارات حاسمة ربما تضبط الأداء، لكن هل تضبط النفوس؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات