رسائل محفوظ دياب للجميع.. مَن الذى جعل التهريب مهنة يقبلها الأطفال؟

Foto

لماذا تهرب الدولة والحكومة من تحمل مسؤوليتها تجاه أمثال محفوظ دياب؟


هل يُعقل أن تتحول عملية تهريب بسيطة، قام بها بعض المتعطلين الوافدين على بورسعيد، إلى بطولة شعبية؟ هل يعقل أن يتحول الطفل المهرب إلى ممثل للشعب المصرى ومعبر عن آلامه.

التهريب فى بورسعيد جريمة تمت وتتم وستتم، ولم يقف الشعب أمام أى منها من قبل، فما الذى جد لتنال هذه الجريمة بأبطالها كل هذا الاهتمام؟ جريمة صغيرة أقل من عادية وكان يمكن أن تمر كما مر الكثير من القضايا، لكن المذيعة بأسلوبها وبإدارتها للحوار مع الطفل حولت القضية من جنحة أطفال إلى قضية رأى عام، وبسبب الخطاب الرسمى للدولة الذى يُحمل المواطنين مسؤولية أى وكل خطأ كان رد فعل المشاهدين عكسيا تماما؛ فبدلا من أن يكون الطفل عبرة لكل من تسول له نفسه أن يخالف القانون، تحول لبطل مناضل شريف، وبدل أن تكون المقابلة التليفزيونية نقطة تحول لصالح ادعاء الحكومة بأن الشعب هو السبب فى كل مشكلاتنا، تحولت المقابلة إلى مناظرة بين الواقع وخطاب الدولة الفاشل، لم يكن الحوار بين طفل ومذيعة، بل حوار بين الشعب والحكومة، انتصر الشعب فيه على الحكومة، انتصر الطفل (الشعب) لأنه تحدث من واقع الحياة المَعيش، الواقع الأكثر قسوة مما نتخيل، الواقع الذى يعرفه الجميع وينكره السادة المسؤولون، فالحيل التى يلجأ إليها الناس فى مصر من أجل أن يعيشوا فقط أكثر مما يتخيل البشوات والصفوة وأصحاب الياقات المنشاة. الواقع يمكنك أن تراه إن أردت فى الشارع فى المدرسة فى السوق فى السوبر ماركت فى أى مكان، الواقع هو ما جعل الأطفال يتكلمون باسم الرجال، الواقع هو ما جعل فتى صغيرا يتحمل مسؤولية كسوة أخواته البنات وسترهم وإطعام أمه، أما خطاب الحكومة (أو المذيعة) ملىء بالمغالطات فكان لابد أن ينهزم، فقصور الدولة فى تقديم الرعاية الاجتماعية لكل مواطنيها والقصور فى التنمية والقصور فى توفير فرص عمل، لكم أن تتخيلوا أن فرص العمل التى تتكلم عنها المذيعة هى نفس الوظائف التى أعلنت عنها مديرية القوى العاملة والهجرة بمحافظة بورسعيد بتوفير 1727 فرصة عمل شاغرة بمصانع المنطقة الحرة العامة للاستثمار، وذلك ‏برواتب تتراوح ما بين 1200 جنيه و1700 جنيه، يعنى 50 جنيها فى اليوم، لكن هل يعلم المسؤولون كم شخصا تقدم لهذه الوظيفة وكم شخصا لم يوفق فى الحصول على فرصة العمل هذه؟ هل فكر أحد ما مصير هؤلاء الذين لم يحصلوا على فرصة العمل؟ ما المتاح لهم؟ الواقع جعل من خطاب الحكومة الرسمى خطابا مضحكا، يا سادة ليس صحيحا أن العمل متوفر فليس المهم توفر العمل المهم هو المقابل المجزى كما تحدث الطفل بعفوية. انهزمت الحكومة لأنها افترضت أن المواطن سيسكت وينكتم فى قلبه وقلب أهله لأنه مجرم ومهرب ومخطئ وهيدخل السجن، لكن الحكومة أصابها الشلل من حجة الطفل ومن ثبات انفعالاته لأنه ليس مجرما بقدر ما هو محتاج. الطفل لم يكن مجرما بالفطرة ولا نشأ فى بيئة إجرامية، الولد نشأ مصريا يرى ما يريده المصريون الستر والستر فقط، فهل حققت الدولة وسياسات الحكومة الستر للناس؟ الغريب أن الحكومات المتعاقبة تكتفى دائما بإلقاء اللوم على أى أحد غيرها؟ كيف وصلنا إلى هذا الوضع المزرى؟ كيف فات على أصحاب الخطاب الرسمى أن فتى لن يعمل فى النظافة وإقناعه مستحيل؟ هل يعلم السادة الكبار أنهم السبب فى انصراف الشباب عن العمل فى شركات النظافة؟! لأن سادتنا الذين فى أعلى المناصب لن يقبلوا بابن الزبال وكيلا للنيابة ولا ضابطا بالجيش ولا الشرطة، ولن يسمحوا لابن الزبال أن يتقدم لخطبة ابنتهم، هم ولا أحد سواهم من أعاد الطبقية إلى المجتمع، فكيف لمثله أن يقبل العمل فى جمع الزبالة؟ كما فات على الست المذيعة كما فات على المسؤولين من قبل أن خريج الجامعة لن يبيع خضارا ولن يشترى «تكتوك» ولن يقتنى «تروسيكل» ينقل به بضائع الناس، كل هذه الحلول الفاشلة والساذجة لا تناسب شعبا قام بثورتين ليحسن أوضاعه؟! هل يتخيل أحد أننا قدمنا كل هؤلاء الشهداء وخضنا كل تلك المعارك من أجل أن يخرج علينا مسؤول ويقول اعملوا فى جمع القمامة فهى أشرف لكم؟ إن هذه المقابلة على بساطتها إلا أنها اختصرت أزمة مصر الحقيقية، وأزمتنا الفعلية أننا شعب يعانى ولدينا حكومة لا تسمع، ومؤسسات الدولة تنفذ سياسات لا تؤدى إلى أى حل. مَثَّل الشعبَ محفوظ دياب المهرب الصغير بكل آلامه وآماله، كان مندوب البسطاء الذين كل همهم الستر، ومَثَّلت الحكومةَ المذيعةُ التى أدارت حوارا متعاليا على الشعب المسكين المطحون والممسوك بجريمته والمنكسرة أحلامه، خطابا ممزوجا بالدين عندما خوفت الطفل بقولها إن الأموال التى يحصل عليها أموال حرام، وإن عليه أن يعمل فى حى الاستثمار فى بورسعيد أو أن ينضم إلى شركات النظافة، وهى لا تفهم أن الولد ما زال طفلا ولن تسمح له شركات النظافة بالعمل المنظم، كما لم تفهم الحكومة مطالب البسطاء دوما، اعتبرت المذيعة أن الخمسين جنيها مبلغا كبيرا يفتح بيوتا، ولم تقبل رد الفتى وأن الورش أو المصانع فى منطقة الاستثمار تقدم يوميات بسيطة لمغترب مطلوب منه أن يسكن منها وأن يأكل وأن يرسل منها إلى أمه لتكسى أخواته البنات؟! ويظل خطاب الحكومة متعاليا ثم تقترح عليه أن يعمل ما تراه هى مناسبا، وهو أن يلف طول النهار أمام الشواطئ ليبيع للناس بعض ملابس الشاطئ، والحكومة مثل المذيعة تقدم حلولا وهمية، ألا تعلم ممثلة الحكومة أن حركة البيع على الشاطئ يجب أن تتم وفق قواعد معينة لا يمكن أن يتجاوزها ونعلمها جميعا؟ فلكل شاطئ شخص حاصل على حق الانتفاع، أيوه بلطجى، لا يمكن أن تعمل ولا أن تبيع درة ولا فريسكا إلا بإذنه وأن تدفع له مقابل حمايتك، وأنه غير مسموح للغرباء بالدخول والبيع لرواد الشاطئ، يا سادة يا محترمين، الحياة فى مصر صعبة والمعافرة من نصيب الغلابة فقط، واحنا غلابة يا حكومة احنا غلابة يا ناس، لا شك أننا ضد التهريب، فالتهريب جريمة ولا شك، ولا يجب أن نحول الجريمة إلى فعل شريف لكن الحكومة هى التى تجبر المجتمع على ذلك، فقد أقفلت كل الطرق أمام الشباب، والأخطر من هذا عندما تركز الحكومة على جريمة تهريب «دستتين قمصان» وتترك جريمة تهريب 500 قطعة آثار إلى إيطاليا! هنا يفقد المواطنون الثقة فى الحكومة وفى ممثليهم وفى كل خطابات المسؤولين، عارفين ليه؟ لأنها حكومة «ماحساش بالناس».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات