.

المصالحة أولًا.. لكل فلسطين لا لغزة وحدها

Foto

لماذا لم يجتمع وفدا فتح وحماس بالقاهرة مطلع الأسبوع الجارى؟ ما دوافع عقد قادة حماس سلسلة اجتماعاتهم الأخيرة فى غزة؟


جاءت مغادرة وفود حركتى فتح وحماس، التى زارت القاهرة خلال الأسبوع الماضى، دون عقد اللقاء الذى كان متوقعًا أن يجمعهما معًا يوم السبت الماضى، لتؤكد استمرار الاختلافات بين الطرفين حول أولويات وآليات تطبيق اتفاق المصالحة بينهما، الذى كان قد شهد قدرًا من التقدم فى أكتوبر الماضى برعاية مصرية، جرى احتفاء واسع بها بعد سنوات طويلة من الخلافات قبل أن تعود الأمور للتعثر مجددًا بسبب الاتهامات من حركة فتح لحماس بتعطيل خطوة تمكين الحكومة، واتهامات حماس لفتح بعدم رفع العقوبات التى قامت بها السلطة على غزة، وزاد تعقد الموقف بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء الفلسطينى رامى الحمد لله فى غزة بعدها بشهور.

ورغم وجود أنباء حول عودة الوفود قريبًا إلى القاهرة ربما خلال الأسبوع الجارى نفسه، فإن الورقة المصرية التى تم تقديمها مؤخرًا، وأعلنت «حماس» موافقتها عليها بينما قدمت «فتح» ملاحظات مكتوبة حولها- لا تمثل اتفاقًا جديدًا للمصالحة بقدر ما تضع خطة تنفيذ على عدة مراحل للوصول فعليًّا إلى المصالحة الفلسطينية، ويبدو أن هذه الورقة، التى قدم الطرفان مقترحاتهما وتعديلاتهما بخصوصها، لم تصل بعدُ إلى مرحلة الاتفاق بينهما فى ظل تمسك فتح والسلطة الفلسطينية بأن يتم تمكين الحكومة الحالية بالكامل من الوضع فى غزة، لضمان بسط سيطرة السلطة الفلسطينية وإنهاء انفراد حماس بحكم غزة، بينما تضع حماس الأولوية لحل مشكلة رواتب الموظفين والوصول إلى اتفاق حول صيغة القوات الأمنية فى غزة، وكذلك الاتفاق على مدى زمنى محدد لتشكيل حكومة توافق وطنى جديدة تتشارك فيها حماس مع فتح.
ولا يبدو واضحًا إذا كانت الجهود المصرية والمقترحات التى تم طرحها فى الورقة المقدمة للطرفين مؤخرًا سوف تُسفر عن اختراق يمثل تقدمًا جادا فى المساعى نحو المصالحة، وهو ما قد يتضح خلال الأسبوع الجارى أو المقبل فى حالة عودة وفود الحركتين بمواقف نهائية، إلا أنه يبدو أن ما جرت مناقشته خلال الأسبوع الماضى لم يقتصر فقط على بنود تفعيل المصالحة الفلسطينية، بل امتد لمناقشة ملفات أخرى تتعلق بوضع غزة فى ظل الحديث المتواتر فى الأسابيع الأخيرة حول توجه بعض الأطراف الدولية والإقليمية لأولوية تخفيف حدة الأوضاع الإنسانية فى غزة والدفع بمشروعات اقتصادية لتحسين الأوضاع، وهو ما يتزامن مع طرح أمريكى بهذا الشأن، اعتبره البعض بابًا خلفيًّا لصفقة القرن، بينما جاءت تحركات المبعوث الدولى للأمم المتحدة «نيكولاى ميلادينوف» وجولاته ولقاءاته المكوكية خلال الفترة الأخيرة بخصوص نفس الملف لتشير إلى أن هناك سعيًا دوليًّا وإقليميًّا للتوصل إلى تفاهمات حول الأوضاع فى غزة خلال المرحلة المقبلة، وهو ما تلعب مصر فيه دورًا رئيسيًّا أيضًا، إذ يبدو أن هناك مقترحات بهدنة طويلة المدى مع الجانب الإسرائيلى فى مقابل فك الحصار عن غزة، فى صفقة كبيرة -بحسب تعبيرات مصادر حكومية إسرائيلية- قد تصل فى نهاية المطاف إلى اتفاقات جديدة بخصوص ملف تبادل الأسرى، وهو ما لا تزال حماس فى تصريحاتها المعلنة -على الأقل- تتمسك بموقفها فيه، وتراه ملفًّا منفصلًا عن المقترحات المعروضة بخصوص تهدئة الأوضاع وهدنة فى مقابل فك الحصار.
وربما تبدو هذه الصفقة المطروحة هى الدافع الرئيسى وراء الاجتماعات التى عقدها قادة حماس بالداخل والخارج فى غزة خلال الأيام الماضية؛ وذلك لبلورة موقف نهائى من المقترحات المعروضة، سواء من المبعوث الدولى أو من مصر، لكن اللافت والذى يثير الكثير من التساؤلات هو ما إذا كان ذلك يأتى كخطوة لاحقة ومترابطة مع ملف المصالحة الفلسطينية، أم باعتبارهما مسارين منفصلين، وبمعنى أوضح هل هناك اشتراط بأن تكون التفاهمات فى ما يتعلق بغزة فى ظل تفعيل مسار المصالحة وتشكيل إطار فلسطينى موحد، أم أنه يمكن أن يتم ذلك فى ظل استمرار تعثر المصالحة مع الشروع فى الوصول إلى اتفاقات وتفاهمات بوساطات مصرية ودولية بين كل من إسرائيل وحماس، ومن ثم البدء فى الدخول فى ملف المساعدات الإنسانية والمشروعات الاقتصادية التى قد ترسخ وضع انفراد حماس بإدارة غزة، وتواصل ترسيخ الفصل بين الضفة وغزة بما يمثل تهديدًا حقيقيًّا وخطيرًا للقضية الفلسطينية، خصوصًا فى ظل ما هو مطروح فى ما يتعلق بصفقة القرن، التى تبدو مترنحة ومتعثرة بشدة رغم جولات كوشنر وغرينبلات ومقالاتهما الأخيرة، وهى الصفقة التى وُصفت مؤخرًا من الرئيس المصرى بأنها مجرد «تعبير إعلامى»، بينما نفى وزير الخارجية الأردنى عِلم بلاده بأى تفاصيل حولها، وأشارت تقارير إعلامية أخيرة إلى موقف سعودى منسوب للملك سلمان بأنه لن يتم قبول أى صفقة لا تتضمن الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، والاتفاق حول حق عودة اللاجئين، وهى كلها تطورات تشير إلى موقف عربى لم يقبل حتى الآن، على الأقل، بملامح الخطة الأمريكية، ما يؤدى عمليًّا إلى تأجيلها لوقت لاحق، ربما يكون بعد انتخابات التجديد المقبلة فى الكونجرس الأمريكى، وربما لما هو أبعد من ذلك أيضًا.
لكن رغم ذلك فإنه يبقى أن مواجهة ما يسمى بصفقة القرن، سواء بما نُشر وتسرب عنها حتى الآن أو بأى تعديلات عليها، لن تمثل تغييرًا جوهريًّا فى موقف الانحياز الأمريكى السافر لإدارة ترامب لصالح الكيان الصهيونى وضد الحقوق الفلسطينية، وإجهاض أى محاولات لفرض أمر واقع على الفلسطينيين وإجبارهم على تقديم تنازلات كبرى، ولن تتم سوى عبر موقف فلسطينى جامع وموحد وليس عبر مسارات متوازية تسعى للتهدئة فى غزة دون استكمال خطوات جادة فى ملف المصالحة الفلسطينية، ولعل التصريحات الأخيرة للمتحدث الرسمى لحركة فتح بأولوية المصالحة الوطنية على التوصل لاتفاقات هدنة مع الجانب الصهيونى تشير إلى مخاوف حقيقية وجادة من انفصال المسارَين بعضهما عن بعض، خصوصًا أن أطرافًا دولية، وربما إقليمية قد تكون مستفيدة من مثل هذا الوضع، ورغم ما يبدو من عدم وجود معارضة أمريكية أو إسرائيلية علنًا للوصول إلى مصالحة فلسطينية، فإن أولوية ملف غزة، التى أصبحت فجأة مثار كل هذا الاهتمام من كل الأطراف رغم امتداد الحصار والمعاناة طوال تلك السنوات السابقة، تشير إلى أن هناك ما وراء ذلك الاهتمام المفاجئ، خصوصًا بعد التصعيد الفلسطينى الأخير خلال الشهور الماضية بمسيرات العودة، وبعد التعثر الواضح لصفقة القرن، على الأقل، فى الوقت الراهن.
وعلى الأرجح فإننا سنشهد خلال الأسابيع القليلة المقبلة تطورات هامة تزيد من وضوح الصورة على صعيد الملف الفلسطينى، سواء فى ما يتعلق بالمصالحة أو ما هو مقصود ويجرى ترتيبه بخصوص غزة، خصوصًا مع وضوح نتائج اجتماعات قادة المكتب السياسى لحركة حماس، وكذلك اجتماع المجلس المركزى لمنظمة التحرير الفلسطينية منتصف الشهر الجارى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات