.

إنتوا ما بتشتغلوش فى الاستثمار ليه؟!

Foto


آه صحيح، ما تشتغلوا فى الاستثمار، بدلًا من بطرختكم وقعدتكم أيديكم على خدودكم والتقطيبة التى تجلل منطقة ما بين حاجبيكم، انزلوا اشتغلوا فى الاستثمار وسوف تجدون الاستثمار فاتحلكم دراعاته وهو يأخذكم بالأحضان، استبدلوا التجهم الذى يملأ وجوهكم والتعاسة التى تسيطر على ملامحكم ببهجة العمل فى الاستثمار، عايز تتجوز ومامعاكش فلوس؟! انزل اشتغل فى الاستثمار. ما بقيتش عارف تشترى حاجاتك الأساسية والطبيعية من السوبر ماركت زى زمان؟! انزل اشتغل فى الاستثمار. بتهرب هدمتين تطلعلك منهم بـ150 جنيه؟! حيتقبض عليك وتتبهدل وحيطلقوا عليك المذيعات وحينتهكوا خصوصيتك وحتدخل السجن وأنت مراهق وبتهرب هدوم لتخرج منه رجل ملو هدومك وبتهرب مخدرات، مش هدوم، وفى الآخر حتطلع من السجن ولن تجد أمامك برضه إلا إنك تشتغل فى الاستثمار، طب ما كان من الأول.

وكأن مركب العبث كانت ناقصة فيديو المذيعة ومهربى الملابس الحائز على جائزة تريند هذا الأسبوع بدون منازع، وكأن شرور البلية اللى حتى ما عدتش بتضحكنا زى زمان كانت بحاجة إلى شر بلية جديد وبرضه ما بيضحكش، جاء هذا الفيديو ليؤكد لنا أن أى حد الآن ممكن يعمل أى حاجة تخص أى شىء، مذيعة ليه دى وبأمارة إيه؟! ما حدش يعرف. ماسكة مايك دافساه فى وجوه العيال وعمالة تحاسب فيهم وعاملة فيها ريهام سعيد ليه؟ ما حدش عنده فكرة. مَن سمح لها بالحكم على الناس وبأى حق نصبت من نفسها محققة؟! أهو بجملة الهرتلة.
إلا أنه جاء أيضًا ليمنح الفرصة لذلك الولد السوهاجى الجدع الذى حاز على إعجاب وتعاطف الجميع، لكى يصبح نجم الميديا بكل تنويعاتها، سوشيال ميديا وتليفزيون وصحافة، وتصبح جملة «إنتى ما حاسَّاش بالناس» هى الجملة البطل وهى الحكمة الأثيرة التى تتخطى كونها قيلت لتلك المذيعة الكوميدية لتصلح لقولها للكثيرين فى تلك الأيام المكعبلة والعبثية والصعبة التى نعيشها، وكأن السماء قد رسمت السيناريو الخاص بها لكى تمنح هذا الولد وأصدقاءه فرصة عمل مُستخدِمَة فى ذلك نجيب ساويرس بذات نفسه كأداة لتنفيذ السيناريو الإلهى الخاص بمستقبل هؤلاء الأولاد الغلابة.
إذن، أصبح الفيديو الشهير تريند، وأصابت جرأة الولد السوهاجى وكلماته البسيطة المعبرة حتة فى قلوبنا، وعلمنا أنه بالفعل كما يقول محمود المليجى فى الفيلم الأيقونة «الأرض»: «يا عينى على الغلبان فى البلد دى»، وأثار الفيديو تساؤلات ذات علاقة بالعلاقة بين الوطن والمواطن، أيهما ينبغى أن ينصلح حاله أولًا لينصلح حال الآخر؟!
وهو ما يقودنا بدوره إلى التأمل فى هتاف «علاء ولى الدين» الله يرحمه فى فيلم «الناظر»: «يعيش الوطن واحنا مش مهم» بينما الجموع فى ثورة 1919 يرددونه وراءه، سوف تكتشف أنه على الرغم من السياق الكوميدى الذى جاء فيه المشهد والفيلم كله إلا أنه هتاف حقيقى تمامًا، طبعًا يعيش الوطن واحنا مش مهم، فكل مواطنى جميع الدول قديمًا وحديثًا خاضوا حروبًا دافعوا فيها عن أوطانهم ودفعوا دمهم ثمنًا بخسًا فى سبيل انتصار الوطن، الفكرة الأعم والأشمل والتى تتضمن بداخلها فكرة المواطن الذى ينتمى إلى هذا الوطن، والوطن عند هؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم فى سبيله لا يعنى الطوب والمبانى بقدر ما يعنى عائلاتهم وأصدقاءهم وأحباءهم وذكرياتهم السعيدة، هذا هو الوطن، الوطن هو ناس هذا الوطن، الوطن السعيد هو الوطن الذى يعيش فيه ناس سعداء، المواطن هو الوطن، والإنسان وُجد على الأرض فأنشأ الأوطان وليس العكس.
طبعًا «يعيش الوطن واحنا مش مهم»، حتى لو لم نكن واقعين تحت احتلال أجنبى لكى نموت دفاعًا عن استقلال الوطن، وحتى لو لم نكن نتعرض لهجوم حربى ينبغى أن نصده ونذود عن الوطن بأرواحنا ودمائنا بمنتهى الرضا. يعيش الوطن واحنا مش مهم، حتى لو لم يكن هناك داعٍ لأن نموت أصلًا، وحتى لو كنا ينبغى أن نعيش نحن أولًا ونتطور ونتقدم لكى يعيش الوطن وينهض بنا، حيث إنه كما تعلمون كل وطن بحاجة إلى مواطنيه لكى ينهضوا به، ولو لم يعش هؤلاء المواطنون فى مناخ صحى ونفسى ملائم لن يستطيعوا النهوض بأنفسهم أساسًا، مش بالوطن!
يعيش الوطن واحنا مش مهم طبعًا، ولكن لابد من وجود سبب لكى نموت من أجله، ما يصحش تبقى أسباب الوفاة لكى يعيش الوطن أسبابًا مثل الموت من الجوع أو من الاكتئاب أو بسبب عدم استطاعته الحصول على العلاج المناسب أو بسبب تجاوز فردى من شخص تكمن مهمته الرئيسية فى ضمان عدم حدوث تجاوز فردى. يعيش الوطن واحنا مش مهم طبعًا، ولكن بالمنطق وبالعقل وبأسباب حقيقية وعقلانية، مش بأسباب فطيس.
نحن بمنتهى البساطة لابد أن نعيش لكى يعيش الوطن، لابد أن نتفاءل لكى يتفاءل الوطن، لابد أن ننبسط لكى ينبسط الوطن، نحن انعكاس الوطن، نحن تجسده الإنسانى الذى يمشى على قدمَين، ولا وجود لأحدنا بدون الآخر.
لهذا كان طبيعيًّا أن تأتى تكملة الهتاف من علاء ولى الدين عند تصدى قوات الأمن لهم: «لف وارجع تانى»، طبعًا، مواطن خايف على بلده وعنده استعداد يموت بدون سبب منطقى لكى يعيش وطنه لازم يلف ويرجع تانى، وها نحن جميعًا قد لفينا.. ورجعنا تانى!

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات