جامع الناصر قلاوون

Foto

أعظم بُناة المماليك الذى هزم التتار وعزله ساقى والده


جامع الناصر محمد بن قلاوون يقع داخل أسوار قلعة صلاح الدين الأيوبى بالقرب من الباب الأوسط. ورغم أن واجهته تبدو بسيطة وسط منشآت القلعة القديمة والحديثة، ولا يلفت النظر إليه سوى منارتين مختلفتى الطراز، إحداهما مملوكية والأخرى عثمانية، فإنه يعد ضمن أهم المنشآت الباقية من عهد دولة المماليك.


أنشئ الجامع عام 717هـ/ 1318م، وأُهمل وهجر وخرب فى العهد العثمانى، وسرقت محتوياته وهدمت قبته وجردت من دُررها الفنية، وانتزعت وزراته وخلع منبره وجرد محرابه من زخارفه، وترك عاريًا أمام رياح القلعة ومؤامراتها التى لا تنتهى.


وظل الجامع على هذه الحالة المؤسفة حتى رممته لجنة الآثار وأصلحت شقوقه وشبابيكه الجصية وأعادت محرابه إلى حالته الأولى الأصلية، ونصبت فيه منبر قايتباى الذى يعد تحفة نادرة.


بانى الجامع هو السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ثامن سلاطين المماليك البحرية فى مصر وأعظم بُناتهم وصاحب أطول مدة حكم وأطول أسرة توارثت الحكم فى عهدهم، جلس على عرش مصر عام 693هـ/ 1293م، ورحل عنه عام 741هـ/ 1341م، وخلال هذه الفترة تنحى مجبَرًا عن الحكم فترتين قصيرتين.


وُلد الناصر محمد بن قلاوون فى عام 682هـ تقريبًا، فى قصر والده السلطان قلاوون، ووفاة أو قتل أخيه الأكبر «على» ولى العهد، وضعته فى المُلك وهو لا يزال طفلا.


صغر سن الناصر قلاوون كان موضع سعادة وصيه الأمير كتبغا الذى أراد أن يكون أكثر من وصى وتطلع كعادة أمراء المماليك إلى عرش سيده، ولكنه خشى أن يفشل فى مخططه بسبب قوة منافس آخر هو علم الدين سنجر، الذى كان يلقب بـ«الشجاعى»، وكان مشهورًا بين الأمراء المغضوب عليهم فى أثناء حكم السلطان قلاوون الأب.


الشجاعى، قبل أن يغتصب الوزارة، كان يتحلى -كما أكد المؤرخون- بصفات الثعبان الذى يحمل اسمه حرصًا ويقظة وتوقعًا للشر فى أية لحظة، ولكنه بعد أن تولى مهامه الوزارية تخفف من الحرص واطمأن. وهيهات أن يطمئن أمير مملوكى ويحافظ على منصبه أو حتى روحه، أضِف إلى ذلك أنه بالغ فى الزهو والفخر والثقة فى مركزه وسلطانه، بل أخذ يفكر جديا فى طريقة لعزل سيده السلطان الصغير الناصر محمد بن قلاوون، وهنا تمكن منه عدوه اللدود الأمير كتبغا، وسحق رأسه.


مقتل الأمير الشجاعى فتح الباب أمام أحلام قاتله كتبغا، فأسقط سيده الملك الناصر محمد بن قلاوون ونفاه إلى الكرك، ويقال إن الناصر نفسه هرب إلى الكرك خوفا على حياته، وأعلن كتبغا نفسه ملكا على مصر، وتلقّب بالعادل، عام 694هـ، وأيده الأمراء كالعادة، ولكن بمجرد أن استراح هبّت على مصر بعض الأمراض الفتاكة، أبرزها الطاعون، واستيقظ حقد التتار على دولة المماليك وأخذ شبح مصائب وأحزان الحرب يقضّ مضجع المماليك والمصريين بشكل عام.


فما أن تسلطن غازان بن أرغون على ملك إمبراطورية التتار بعد أبيه، حتى بدأ يعد العدة والجيوش لغزو الشام، ولكى يجد حجة أو مبررًا اتهم كتبغا بانتهاك مبادئ الصداقة بتحالفه مع الأمير نورزو، وأرسل جيشًا لتأديبه بقيادة الأمير التتَرى كتلوك.


الملك العادل كتبغا، الكاره للقتال، وجد نفسه مجبرًا على القتال، فجهز جيشا كبيرًا، ولكنه على نقيض سلفه قطز الذى قاد الجيش بنفسه حتى هزم التتار، خاف على حياته وملكه المغتصب، وأوكل قيادة الجيش لأحد نوابه، واختفى هو داخل قصره.


وزحف جيش المماليك بدون قائده وسلطانه من القاهرة حتى وصل إلى مشارف الشام، وعلى قوته وكثرته لم يستطع أن يوقف تدفق التتار الذين أذاقوه هزيمة مريرة ونهبوا كل مدن الشام، وفر أمراء المماليك من أمامهم إلى القاهرة، وكان على رأسهم قائدهم الأمير لاجين الذى أثقل وصوله إلى القاهرة كاهل السلطان كتبغا أكثر مما أثقلته هزيمة جيوشه وفقدانه ممتلكات دولته فى الشام؛ وذلك بسبب خوفه من أن يزيحه من على كرسى العرش، وهذا ما تم.


الأمير لاجين بمجرد أن استقر فى القاهرة جمع الأمراء فى القلعة وخطب فيهم بأن السلطان الذى لا يستطيع أن يقود قواته لا يستحق أن يستمر فى الحكم.. وهكذا خلع الملك العادل كتبغا وأعلن اسم لاجين ملكا على البلاد، غير أنه هو الآخر قُتل على أيدى شبان المماليك مقابل رشوة من التتار، وهو فى عز استعداده لمحاربتهم.


مقتل لاجين أعاد للناصر محمد بن قلاوون حقه فى الملك، واجتمع الأمراء وأعادوا إليه لقبه وسلطانه المغتصب، لأنه فرّ مرة أخرى إلى منفاه فى الكرك خوفًا من مؤامرات الأمراء، وأرسل من هناك تنازله عن العرش الذى تلقفه ساقى والده ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وضغط على العلماء والمشايخ حتى اختاروه ملكا على البلاد وتلقب بالملك المظفر.


اختيار بيبرس الجاشنكير، ساقى الملك قلاوون، سلطانا استفز الناصر محمد بن قلاوون، فعاد للقاهرة لاستعادة عرش والده الذى اغتصبه ساقيه، وفى مواجهة هذا ضغط بيبرس الساقى على الخليفة العباسى حتى اضطره لكتابة نداء يقضى بنزع شرعية المُلك من الناصر محمد بن قلاوون، ولكن هذا النداء بسبب ضعف الخليفة العباسى وشهرة مهنة بيبرس لم يؤثر فى الناس، ولم يثن الناصر عن طلب ملك والده، فواصل مسيرته إلى القاهرة حتى دخلها، وارتقى إلى العرش للمرة الأخيرة. ويروى أن هذه العودة الثالثة أصل المَثل العامى الشائع «التالتة ثابتة».


وأول قرارات الناصر محمد بن قلاوون كان عزل المشايخ والعلماء الذين وافقوا على اختيار الساقى ملكا للبلاد، وأمر بقتل بيبرس نفسه. وبعد ذلك تفرغ لما هو أهم طوال مسيرته وهو إعلان الحرب المقدسة ضد التتار عام 699هـ، وواجه جيوش التتار وسط سهول مدينة حمص، ونشبت بينهما معركة هائلة هُزم فى نهايتها، رغم شجاعته وكفاءة قواته، وأُجبر على العودة للقاهرة بصحبة سبعة فقط من حرسه الخاص.


وفى عز كرب الهزيمة ومرارتها، فاجأه الخليفة العباسى المستكفى بالله بلطمة لم يكن يتوقعها، فقد بدأ يعلن أطماعه فى السلطنة والأدق تحويل خلافته إلى خلافة فعلية بعد أن ظلت اسمية منذ أتى الظاهر بيبرس بأحد الناجين من البيت العباسى الذى كان هاربا فى بادية العراق بعد سقوط الخلافة العباسية على أيدى التتار، ونصبه خليفة فى القلعة على أن تظل أمور وسلطات السلطنة فى أيدى المماليك.
وفى عام 701هـ، كان الناصر قد استعد تماما لملاقاة التتار فى دمشق حيث كان جيشه فى انتظاره، وكان قائدا محنكا، وبدلا من الذهاب لمواجهة كتلوك، قائد التتار، تركه يزحف إليه، فاندفع القائد التتارى لمفاجأة الجيش المصرى الذى أكد جواسيسه أنه فى منتهى الضعف والتشتت ولكنه فوجئ بفيالق فائقة القوة، فاضطر لاستجلاب كل قواته إلى ساحة المعركة التى سرعان ما التهبت، وحارب المصريون والتتار بيأس، وبعد مذبحة مروعة من كلا الجانبين استطاع المصريون بقيادة الناصر أن ينتزعوا النصر، وأُجبر التتار على عبور نهر الفرات مرة أخرى.


ويعتبر الناصر محمد بن قلاوون أكبر بنائى السلاطين المماليك وربما مصر عموما، وفضلا عن الجامع أقام مشروع مجرى العيون الشهير والباقى حتى الآن، وجدد العديد من الجوامع والمنشآت، واستمر حكمه هادئا حتى عام 736هـ، وهو العام الذى استحكم فيه الخلاف والتنافس وحتى الأحقاد، بينه وبين الخليفة العباسى الطامح لسلطة فعلية. ونظرًا لأن الخليفة العباسى كان فى النهاية ضيفا فى حماية السلاطين المماليك؛ فقد كان سهلا على الناصر نفيه إلى مدينة قوص بالصعيد.

وفى ذلك الوقت فقد الملك الناصر الأمير أنوك، أحب أبنائه إليه وهو فى عز صباه، وعلى كثرة أولاده أصابه موت أنوك بالحساسية والتوتر لأهون سبب، وفى النهاية مات عام 741هـ، بعد حكم متقلب دام ثلاثة وأربعين عاما.


جامع الناصر محمد بن قلاوون يتميز بواجهات بسيطة، والقسم العلوى فى منارتيه مختلفتى الطراز مكسُوّ بالقيشانى الملون والمنقوش، وهما معا غاية فى الدقة والجمال، ولا نظير لهما بين منارات مصر حسب المؤرخ المعمارى حسن عبد الوهاب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات