.

الشعب الجزائرى الضائع بين الاستعمارين المحلى والأجنبى

Foto

ومن بين نصوص إيزابيل التى تحمل تلك السمات يبرز نص «ياسمينة» وهو عبارة عن مجموعة قصصية صدرت مؤخرًا عن سلسلة كتاب الدوحة بترجمة رفيعة لـ«بوداود عمير»


رغم صغر سنها نسبيًّا وقصر تجربتها الإبداعية فقد تميز أدب الكاتبة السويسرية «إيزابيل إيبرهاردت» بذلك التنوع الذى نلمسه فى استحدام شتى وسائل العمل الإبداعى والفنى من رواية وشعر وقصة ومقالة صحفية وصورة سينمائية، مرورًا بأدب الرحلات الذى كانت تجيد تقنياته بحكم سفرياتها الكثيرة وخصوصًا إلى الجزائر، وأيضًا من خلال دقة الوصف فى قراءة المعالم وتشخيص الأحداث، وكانت تتمتع فضلًا عن ذلك بزاد معرفى كبير أثرت به كتابتها، ويتجسد ذلك فى ما نعثر عليه من روائع الحكمة والفلسفة والتصوف فى نصوصها الأدبية والفكرية.


ومن بين نصوص إيزابيل التى تحمل تلك السمات يبرز نص «ياسمينة» وهو عبارة عن مجموعة قصصية صدرت مؤخرًا عن سلسلة كتاب الدوحة بترجمة رفيعة  لـ«بوداود عمير»، وفيها تتناول كفاح الشعب الجزائرى ضد الاستعمار الفرنسى الخارجى من ناحية، وضد السلطة القمعية السلطوية الداخلية من ناحية أخرى.


وقد تجلى هذا الطرح فى قصة «ياسمينة» تلك الفتاة الجزائرية التى عاشت فى موقع جنائزى يحيطه الخراب من كل جانب، لقد أمضت طفولتها هنا بين الأطلال الرمادية ضمن غبار وآثار تجهل ماضيها، لقد تعلمت بين الرتابة الكامنة لهذه المواقع معانى القضاء والقدر والحلم الغريب.. كانت كئيبة بين جميع قريناتها من البنات الصغيرات حتى إنهم أرادوا تزويجها من القهوجى «محمد» ذلك الأعور قبيح الشكل، فى الوقت الذى كانت تحب فيه «جاك» ذلك الضابط الفرنسى الذى جاء فى مأمورية إلى قريتهم، إلا أن هذا الضابط خذلها مرتميًا فى أحضان زوجته الرومية لتموت ياسمينة قهرًا.


وفى قصة «مجرم» تصور معاناة الفلاحين الجزائريين الذين قررت الإدارة الاستعمارية مصادرة أراضيهم ظلمًا، حيث تصف وضعهم وهم يترقبون على مضض منحهم بضعة قروش لتعويض أراضى أجدادهم المغتصبة، لكن انتظارهم طال دون نتيجة، لكن كان من بين هؤلاء الفلاحين المساكين شاب يدعى «عاشورى» وكان يعمل لدى رجل فرنسى مسن اسمه «غايار» يملك القسم الأكبر من الأراضى، وعندما اندلعت النيران فى مخازن غلاله تجمعت براهين عدة ضد عاشورى الذى اقتيد إلى السجن، لتختتم إيزابيل قصتها تهكمًا على تلك الأوضاع المقلوبة، فالفلاح المحطم راح وراء الشمس؛ لأن الجريمة تعنى عند الضعفاء غالبًا الإشارة الأخيرة للحرية.


وفى قصة «لمتورنى» تلك الكلمة الخليط بين اللهجة الجزائرية الدارجة واللغة الفرنسية والتى تعنى «الخارج عن الدين» نجد الإسقاط الواضح على المستعمر الغاشم، من خلال بطل القصة «روبيرتو فروجى» ذلك الجوال فى البلاد؛ ليبحث عن تحقيق ذاته، لكنه بعد ثلاثين عامًا يصبح شخصًا طاعنًا فى السن دون أن يحقق أى شىء، فقط يتحول اسمه إلى «محمد قصد الله»، وذلك بعد إعلان إسلامه.


نقول فى النهاية إننا نجد تأثرًا بعض الشىء بالكاتبين الفرنسيين العظيمين «جى دى موباسان» و«ألفونس دوديه»، وهذا على المستوى العام، لكن هذه المجموعة تعد بالنسبة لإيزابيل إيبرهاردت موقفًا حياتيًّا وآلية لفضح ممارسات الاستعمار والوقوف إلى جانب المضهدين، وفى أحد مقاطعها تخلص إلى: «إن الشىء الوحيد الذى يساعدنى فى تمضية السنوات المخصصة لكل واحد منا على وجه هذه الأرض هو الإبداع الأدبى، وهذه الحياة المتخيلة التى تملك سحرًا خاصًّا وتوفر مجالًا كبيرًا لرغباتنا التى لا تنتهى».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات