كل مؤمن بالله مسلم مهما كان دينه

Foto

كيف تؤكد آيات القرآن أن استخدام لفظى «الإسلام - المسلمون» استخدامًا خاصًّا وإطلاقهما على أتباع الديانة المحمدية هو استخدام مستحدث؟ لماذا وعد القرآن الكريم الصالحين من اليهود والنصارى والصابئين بالنجاة يوم القيامة؟


عندما يحدث القرآن الكريم أهل الكتاب على لسان النبى، ويحدث النبى نفسه بطريق الوحى فى قوله تعالى: «ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا»- الإسراء: 85، فإن ذلك لا يعنى أن الله يحجب علمه عن الناس والأنبياء تعمدا أو اختبارا، وإنما يعنى أن طاقة العقل البشرى على الاستيعاب، وقدرة اللغة البشرية التى نزل بها الوحى على الأداء، لا تمكنهما من أن يستوعبا حقائق تفوق طاقة العقل وقدرة اللغة البشريين. ولو كان الخالق أراد أن يكون فهم عقل الإنسان كاملا، وأن يكون أداء لغته بلا نقصان، لكان لله ما أراد ولما كان الإنسان إنسانا حينئذ، ولا كانت اللغة هى لغة البشر كما نعرفها، ولما وقع الاختلاف حينئذ كذلك بين الناس، سواء كانوا من أهل الدين الواحد والمذهب الواحد أو من أهل الأديان المختلفة والمذاهب المتعددة، كقوله تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين»- هود: 118، وكقوله: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين»- البقرة: 251، فالاختلاف بين الناس يرتبط ارتباطا وثيقا بحقيقة اختلاف عقولهم واختلاف لغتهم، وتعدد مستويات أداء اللغة فى التعبير، وتعدد مستويات فهم العقول لها.

وفى ظل الاتساق القرآنى الدقيق معنىً ومبنىً مع حقيقة النقص البشرى ومحدودية العقل وقصور اللغة يندهش المرء من أن تقع الأصولية الإسلامية بالذات فى خطيئة الزعم بامتلاك الحقائق المطلقة الكاملة، التى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، والتى يؤدى الاختلاف معها أو الاختلاف فيها إلى تكفير وردع قاس يصل إلى حد إهدار وإراقة الدماء، وكأن القرآن نفسه لم يقر بأحقية الإنسان فى الكفر والإيمان وبحريته فيهما، طبقا لقوله تعالى: «لا إكراه فى الدين»- البقرة: 256، و«وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»- الكهف: 29، و«إنك لا تهدى من أحببت»- القصص: 56، و«ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟»- يونس: 99.

وتتسع دائرة الدهشة مع حقيقة أن الأصولية المتشددة فى وهمها بامتلاك الحقيقة المطلقة كما فى عدائها لمختلف الأديان والمذاهب الأخرى، وجدت أكبر احتضان لها فى أوساط المسلمين بالذات، ووجدت أوسع دوائر النفوذ والهيمنة لها فى البلدان التى تقطنها الأغلبيات المسلمة، فى حين أن اللفظ القرآنى المحكم الدقيق يضن على المسلمين بمجرد أن يستأثروا لأنفسهم بمسمى «مسلم ومسلمون»، فيطلقها القرآن على جميع من آمنوا برسلهم من أهل الأديان الأخرى، فإبراهيم عليه السلام يدعو له ولابنه إسماعيل وذريتهما قائلا: «واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك»- البقرة: 128، ويوصى إبراهيم ويعقوب أبناءهما: «يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون»- البقرة: 132، ويرد أبناء يعقوب حين يسألهم: «ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون»- البقرة: 133، ويدعو سليمان بلقيس وشعبها: «ألا تعلوا علىَّ وأتونى مسلمين»- النمل: 31، ويخاطب نوح قومه: «فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين»- يونس: 72، ويخاطب يوسف ربه: «رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليى فى الدنيا والآخرة توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين»- يوسف: 101، وتقول الملائكة عن قوم لوط: «فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين»- الذاريات: 36، ويقول الجن عن أنفسهم: «وإنا منا المسلمون ومنا القاسطون»- الجن: 14.

ظاهر الآيات السابقة -ومثلها فى المصحف كثير- أن كلمة «الإسلام» ليست فى حقيقتها خاصة بأهل دين معين دون دين آخر، ولا بأتباع رسول دون رسول، ولكنها تشمل كل مؤمن بالله على دينه وتبعا لرسوله، وأن كلمة الدين وكلمة الإسلام تطلق على كل ما أتى به رسول من الرسل، وأن كلمة مسلم وكلمة مسلمين تطلق على كل من آمن بالله على دين أو مذهب، من أول رسول أرسله الله إلى خاتم الرسل والأنبياء محمد بن عبد الله، وأن الأنبياء والرسل كانوا جميعا دعاة دين واحد، وحلقات متتالية فى سلسلة متكاملة: «قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون»- البقرة: 136.

لذلك ذهب أغلبية مفسرى القرآن عبر العصور إلى أن قوله تعالى: «إن الدين عند الله الإسلام»- آل عمران: 19، وقوله: «ورضيت لكم الإسلام دينا»- المائدة: 3، وقوله: «ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه»- آل عمران: 85، إلى أنها آيات تتعلق بالإسلام الواحد الكلى الذى يشمل كل الأديان والذى يُقصد فى قوله تعالى: «بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون»- البقرة: 112، أو كما قال «قتادة» هو: «شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله الذى شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه»، وقال «ابن كثير» فى تفسيره: «والدين الذى جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له»، وجاء عن ذلك فى الحديث الذى روى فى صحيح مسلم: «والأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد»، وأولاد العلات هم الإخوة من أمهات مختلفات وأبوهم واحد، ومعناه أن أصل الإيمان على كل النبوات واحد ولكن شرائع الأنبياء مختلفة، لأنهم جميعا متفقون فى أصل التوحيد ومختلفون فى تفاصيل الشرائع، وأصل الاختلاف فى الشرائع له علاقة باختلاف ظروف الزمان والمكان، والثقافات والأزمنة والتقاليد، وليس له علاقة بالاختلاف فى الإيمان والتوحيد والعقيدة، وهو ما يعنى أن كل الشرائع السماوية تدعو إلى دين واحد هو الإسلام، لأنها كلها متفقة الأساس ومتحدة الجذور فى ما تدعو إليه من توحيد الله توحيدا خالصا من الشرك.

ولنزيد الأمر وضوحا فإن المقصود بالشرائع هنا أحكامها التى تتغير بتغير الأزمنة والأماكن والشعوب والثقافات وليس مبادئها الإلهية الكلية الثابتة التى تشترك فيها كل الشرائع والرسالات على اختلافها، وهو ما يأتى فى قوله تعالى: «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه»- الشورى: 13. وهو ما يجعل من تفعيل هذه المبادئ فى حياة المسلم -أى المسلم من كل الأديان والرسالات- كفيلا بأن تكتب له النجاة، وهو ما ينص عليه فى قوله: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون»- البقرة: 62، ويقول المفسرون إن المقصود بالذين هادوا: اليهود، والمقصود بالصابئين: الذين خرجوا من دين إلى دين، وهما مع النصارى يشكلون أصحاب الديانات السماوية الذين عاشوا فى الجزيرة العربية وما حولها فى أوان نزول الوحى.

وبعد هذا الطواف العاجل بين عدد من الآيات لا تعد رغم كثرتها غير نماذج مختارة من عدد غزير من آيات القرآن تؤكد كلها على اشتراك أهل الأديان فى دين واحد اسمه الإسلام، كما تدل على أن استعمال لفظى: «الإسلام» و«المسلمون» فى إطلاقهما على أتباع الديانة المحمدية بخاصة إنما هو استعمال مستحدث وليس أصيلا، استعمال جرت به العادة وأملته ضرورات التمييز ولم يخص به الوحى والقرآن أتباع دين من الأديان السماوية دون غيره. وكل ذلك يجعلنا فى اندهاش كبير من تركيز الأصوليين على آيات فرادى فى نطاق محصور رد بها القرآن على دعاوى بعض أهل الأديان الأخرى ضد النبى وكيدهم له، واستخدام هذه الآيات على نطاق واسع لإدانة غير المسلمين، وما هم بغير المسلمين بحق طالما كانوا من الموحدين المؤمنين بالله، فقد سماهم القرآن أيضا مسلمين، ولا يُعد كفرهم بالرسالة المحمدية كفرا حقيقيا طالما لم تصلهم مبادئ ومثل وحقائق هذا الدين بطريقة صحيحة، ولعل الأصولية ذاتها مسؤولة عن هذا التشويه الذى يلحق بفهم الآخرين للرسالة المحمدية مسؤولية كبرى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات