.

أن تعاقبك السلطة على مجرد التفكير

Foto

تدور أحداث قصص المجموعة فى أجواء ثورية يدخل فيها الكاتب قضايا اجتماعية واقتصادية ونفسية تتلاطم أمواجها بعنف مع الثورة وتداعياتها، وما وصلت إليه.


من ضمن إبداعات الراحل خالد السروجى، الذى اختطفه الموت وهو فى عز توهجه الإبداعى، نجد تلك المجموعة القصصية التى تحمل عنوان «فى تلك اللحظة» الصادرة عن هيئة قصور الثقافة، وهى آخر إنتاج الكاتب الراحل، والذى نراه قد وصل فيها إلى أعلى مراحل التمرد الذى كان السمة الغالبة على كل أعمالة الإبداعية.


تدور أحداث قصص المجموعة فى أجواء ثورية يدخل فيها الكاتب قضايا اجتماعية واقتصادية ونفسية تتلاطم أمواجها بعنف مع الثورة وتداعياتها، وما وصلت إليه.


فى القصة الأولى «الحارس» تبرز شخصية «حامد» المواطن البسيط الذى يمشى جنب الحائط لا يهش ولا ينش، ورغم ذلك لم تتركه السلطة القمعية فى حاله فوضعت عليه رقيبا تمثل فى كلب أسود مخيف يسد الطريق بحسب تعبير عمنا صلاح جاهين، والكلب يتبعه فى حِلّه وتِرحاله، يأكل معه وينام بجواره ويشاركه فى الحمام ويصحبه إلى العمل، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يتعدى إلى أن هذا الكلب الرقيب قد ينهشه إذا ما أبدى حامد بعض الاعتراضات العادية التى تصدر من أى مواطن على الخدمة المقدمة له والمتمثلة فى رغيف العيش أو المياه أو المواصلات، وقد يمزقه إربا إربا إذا ما فكر مجرد التفكير فى مثل هذه الأشياء، حيث إن لهذا الكلب قدرة عجيبة فى قراءة الأفكار التى تدور فى الدماغ، وبالفعل تستطيع السلطة قمع المواطن ليجد حامد أن التجربة معممة، وأن السلطة قد وضعت كلبا لكل مواطن، فامتلأت البيوت والشوارع والمؤسسات بالكلاب السلطوية.


فى قصة «أيام السيد المجيدة» ينتقد الكاتب وبشكل مباشر الرئيس المخلوع حسنى مبارك، عارضا فى صورة تهكمية مسالكه ونزواته الغريبة ولاسيما مع النساء الصغيرات، وتصنيعه لديمقراطية واهية ولأحزاب معارضة كرتونية، وكذلك تصنيعه لأكثر من «بودلير» يكون شبيها له تماما، وذلك خوفا من الاغتيال الذى تكررت محاولاته فى العشر سنوات الأخيرة من حكمه.


تظهر لنا مفارقة رائعة فى قصة «شطرنج»، ففى الوقت الذى يلعب البطل وزميله الشطرنج ويمسكان بأحد العساكر يهجم زوار الفجر مقتحمين البيت لأخذ شقيق البطل الذى لم يعرف أحد له طريق جرة، إلى أن يعود فى النهاية جثة فى صندوق مغلق، وهو ما جعل السروجى يجعل القصة اللاحقة.. «على مقهى التحرير».. تأخذ سمتا مسرحيا، لكنه وضع شخصياتها فقط، وكأنه يريد أن يقول إن التفاصيل غير مهمة، والأحداث بالقطع معروفة سلفا، لدرجة أنه وضع الفصل الأخير فى صورة نقاط، حيث الثورة لم تنته وربما تكون قد فشلت.


بعد ذلك قدم الكاتب عدة أقاصيص من ذات الصفحة الواحدة تجمع بين الصوفية أحيانا حيث استدعاؤه للنفرى وابن عربى، أو تستند إلى الفلكلور القديم مثل قصة «المطعون» أو تلك التى تتماس مع النص القرآنى وذلك عندما استحضر قصة موسى فى قصته «عصا»، وفى المجمل فقد جمعت تلك الأقاصيص من حيث الشكل بين الأقصوصة وقصيدة النثر.


لكننا نجد الكاتب يعود أدراجه ثانية، حيث سرده الأثير فيقدم لنا قصة «فى تلك اللحظة» التى تحمل عنوان المجموعة، والتى أراها بلا شك أجمل قصص المجموعة، حيث الرمز فى أعلى درجاته، فالبطل هو «المسلوب» الذى يعانى «الاستلاب» فى أخريات حياته، وكأنه هنا هو السروجى نفسه، حيث يتابعه «سالبه» ليقدم له ما يعينه فقط على الحياة، لكن عندما أزفت الآزفة يدخل عليه، ومعه عدة القتل ليختار منها الشكل الذى يناسبه ويريحه، فى تلك اللحظة يستعيد المسلوب شريط الذكريات ليكتشف من خلاله أنه لا يوجد جديد فقد عاش طيلة حياته مسلوبا من كل الحقوق، فلماذا الآن يخشى الموت وهو «الحق» الوحيد الذى سوف يحصل عليه رغما عن أنف أى سلطة؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات