.

أرشيف غالى شكرى وشخصياته

Foto

الكتاب، كما يقول مؤلفه، مجرد قطرة فى بحر الخطايا والجرائم التى ارتكبها اليمين المصرى ضد الثقافة والمثقفين، فأنا أتحدَّث عن ملف ثورة يوليو


مَن يكتب التاريخ؟ ومتى يكتب؟ وكيف نحكم عليه؟ هل نكتفى بالمدوّن دون البحث عن ظروف التدوين؟ أى الروايات نختار؟ وأيها أقرب للحقيقة؟ أسئلة صعبة يطرحها الناقد الراحل غالى شكرى من شخصيات بعينها أثرت فى وجدان القارئ والمثقف العربى، فى كتابه «من الأرشيف السرى للثقافة المصرى»، الصادر فى طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن مشروع مكتبة الأسرة سلسلة علوم اجتماعية.


الكتاب، كما يقول مؤلفه، مجرد قطرة فى بحر الخطايا والجرائم التى ارتكبها اليمين المصرى ضد الثقافة والمثقفين، فأنا أتحدَّث عن ملف ثورة يوليو، وهذا ليس سوى بضعة أسطر أو قليل من الصفحات «وعلى من يريدون فتح ملف ثورة يوليو أن يفتحوا كل الملفات». لقد ألقيت حجرًا فى بحيرة راكدة، وعلينا جميعًا، قراءً وكتابًا، البحث عن الإجابة وحدنا.


يقسِّم غالى الكتاب إلى عدد من الفصول، كل فصل يتناول حكاية كاتب، الحكاية الأولى بطلها توفيق الحكيم، تحكى عن فتاة اسمها سناء حسن، قدَّمها الحكيم للوسط الثقافى المصرى بوصفها باحثة تعد دراسة حول مواقف الثقافة المصرية من القضايا المحيطة، تعمَّقت فى الوسط الثقافى حتى تزوجت بالمستشار الإعلامى لرئاسة الجمهورية، إن أحدًا فى مصر لم يراجع تحركات سناء حسن الواسعة داخل مصر فى عام 1973.. لم ينتبه أحد إلى طبيعة «المهمة» الثقافية!! التى فتحت لها كل الأبواب المغلقة.. وكان أحد هذه الأبواب أرشيف جريدة «الأهرام»، فقد كان هذا الأرشيف كنزًا لا يخطر على بال.

وبدأت تنشر مقالات فى «نيويورك تايمز»، وكانت مفاجأة أن تفرد الصحيفة الأميركية الكبرى حيّزًا لقلم فتاة مصرية مغمورة، مما جعل شكرى يحلل مقالاتها التى تقول فيها الكاتبة: «آن الأوان ليفهم العرب أن إسرائيل (أمر واقع) لابد من الاعتراف به.. لا دبلوماسيًّا فحسب بل ثقافيًّا وتجاريًّا وسياحيًّا، وعلى العرب أن ينهلوا من المعين الحضارى لإسرائيل لا من الغرب فهى أقرب». مما جعل شكرى يسأل صراحة «لماذا كنت نشيطًا فى تعريف سناء حسن بالمثقفين المصريين يا صاحب (عودة الوعى)؟ لماذا؟».


يتهكَّم شكرى على الحكيم بأنه رجل حكيم يخشى المشى وسط الشارع، يصرخ مناديًا: جلا جلا أنا حكيم الزمان وكل أوان، صدقه بعضهم وأنكره آخرون وتمتم أحدهم: لقد سقط كاتب عظيم.


الحكاية الثانية التى يرصدها غالى فى كتابه بطلها إحسان عبد القدوس. يقول المؤلف: «إن إحسان يرى أننا ما زلنا فى دوامة الحرب، وكأنها حلقة مفرغة بلا معنى، وهو لا يرى الفلسطينيين ولا مقاومتهم الثورية على الإطلاق.

ولكنه يرى هنرى كيسنجر الصديق الذى يتصرَّف على نحو رسمى لا بصفته يهوديًّا، ولا يرى قوى التحرر والاشتراكية والاتحاد السوفييتى على الإطلاق، إنه ببساطة يعقد مؤتمر جنيف الأدبى، ويجلس على مائدة واحدة مع سناء حسن وسميح القاسم والكتاب الإسرائيليين وكيسنجر وتوفيق الحكيم.

ويدير الحوار الذى لم يبدأ رسميًّا بعد فى قصر الأمم.. يديره على صفحات الأهرام القاهرية والنهار اللبنانية والسياسة الكويتية، وما خفى من الإذاعات والصحف الأجنبية».


كما يرى غالى شكرى، فى الأفكار الهدامة التى تزعمها أنيس منصور -المثال الحى لمقولة «الجماهير عايزة كده»- والتى تصل إلى حد «العنصرية» وتغيُّب الشعب، فقد مثل أنيس منصور من خلال أعماله «الذين صعدوا إلى السماء» كموضوع يتوازى من حدث صعود الإنسان على القمر ومن بعض القصص، خصوصًا تلك التى تتحدَّث عن الفتاة التى ركبت معه سيارته، وأكتشف أنها من الأموات وقبرها ما زال موجودًا، فكان يسفه الأفكار الكبيرة المشغول بها العالم، ويعمل على تشويه الوعى لدى المجتمع».
بينما صالح جودت الذى كان معروفًا عنه أنه يكره ناصر، كتب تحت تأثير العرض المغرى من أمير كويتى كتابًا فى مدح عبد الناصر، وأنه سجل الكتاب على «أشرطة كاسيت» قبل أن يعود وينقلب مرة ثانية على ناصر لصالح السادات.


أما التوأم مصطفى وعلِى أمين فيقول عنهما غالى فى كتابه: «لم يعد سرًّا أن مصطفى أمين قد اعترف، فى التحقيقات التى انتهت بمحاكمته وإدانته عام 965، أن دار أخبار اليوم تملك جهازًا للمعلومات يعتمد على مصادر موثوقة محلية وأجنبية، وأن هذا الجهاز يتبادل المعلومات مع الأجهزة الأخرى المحلية والأجنبية، وكان واضحًا من التحقيق أن التنظيمات الشيوعية المصرية هدف رئيسى لهذا الجهاز، فلديه أسماء الشيوعيين ووظائفهم وأحوالهم الاجتماعية وتحركاتهم. ومن المؤكد أن الحقائب الأربع التى سربها مصطفى أمين باعترافه إلى شقيقه التوأم فى لندن عن طريق السفارة الأمريكية فى القاهرة، لم تكن تحتوى على رسائل غرامية..».


إن اللافت فى كتاب غالى شكرى صلاحيته تمامًا للحظة الراهنة. فقط بتبديل أسماء الشخصيات القديمة بأخرى تعيش بيننا الآن، وتتنفس السلوك والمواقف والنفاق نفسه. الكتاب إدانة كبيرة لليمين وتياراته فى الثقافة المصرية، وإن كان شكرى وقتها أفرد الصفحات لفضائح اليمين، إلا أنه الآن وقد تطور الأمر أصبحت فضائح اليسار المصرى وأجياله الجديدة لا تتورع عن أن تنافس يمين الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات