.

نحن قوم نقبل يد الله وقرة أعيننا فى العشق

Foto

يرى نجيب محفوظ أنه لا تعارض بين عشق الإنسان للحياة وبين التدين، وفى «المصريين»، وعن مقطع «النصيحة» يقول الشيخ ردا على سؤال من أحد مريديه «نحن نعمل لنرتزق ولا نتسول.


تقوم صناعة العطور على عصر أطنان من الورد، وهذا ما فعله نجيب محفوظ فى «أصداء السيرة الذاتية» فصاغ فلسفة عشق الحياة وتعظيم قيمة التسامح وإدانة التعصب، فى مقاطع قصيرة، فيكون كل مقطع «بذرة» رواية، فإذا به يجعل من «البذرة» ثمرة مُكتملة النمو فكان أشبه بصانع العطور.


فى مقطع «التحدى» نائب برلمانى يسأل الوزير: هل تستطيع أن تدلنى على شخص طاهر لم يُلوَّث؟ فيرد الوزير: «الأطفال والمعتوهون والمجانين» وبالتالى فإن «الدنيا ما زالت بخير». وفى مقطع «المُخبر» يقول الراوى «أصبح من المألوف تغلغل الفساد فى مصر» وقال «لمحتُ فى النوافذ أشباح الناس يُتابعوننا ويتهامسون» والدلالة هنا أن قهر السلطة لم يترك للمواطنين إلا الهمس والمشاهدة السلبية لكل من يقع عليه الدور فى الاعتقال.


ومع تصاعد البؤس الاجتماعى يتخيل نجيب محفوظ مجذوبا يُذكرنا بـ«دون كيخوتى دى لا مانتشا» كما فى رائعة الأديب الإسبانى سرفانتس، فوقف.

هذا المجذوب وقف فى ميدان عام «يضرب بعصاه فى جميع الجهات كأنما يقاتل كائنات غير منظورة»، وعندما سأله الشيخ عبد ربه «ماذا تفعل؟» قال «كنتُ أقاتل قوة جاءت تروم القضاء على الناس».


يرى نجيب محفوظ أنه لا تعارض بين عشق الإنسان للحياة وبين التدين، وفى «المصريين»، وعن مقطع «النصيحة» يقول الشيخ ردا على سؤال من أحد مريديه «نحن نعمل لنرتزق ولا نتسول.

نُقبل على دنيا الله ولا نعرض عنها.

قرة أعيننا فى العشق والسكر. وسياحتنا الليلية فى التأمل والذكر» وهذا الفهم للعلاقة بين التدين المصرى وعشق الحياة، عبر عنه محفوظ فى مقطع «الطامة» حيث المرأة التى تُلبى نداء الشوق ولكنها «كانت شديدة الإيمان بالعفو الرحيم».

وفى مقطع «الدرس» صورة أخرى لهذا الفهم العميق بين التطرف الدينى وأسلوب الحياة، حيث نجد الراوى يحرص على حضور حلقة ذكر للإنشاد الدينى، بينما لا يهتم بمنظر الرجل العجوز الذى صادفه فى الطريق وهو يبكى.


والمرأة عند محفوظ كثيرا ما تكون رمزا للحياة. ففى مقطع «الاختيار» الراوى يرى امرأة جميلة.

يتبعها مخلفا وراءه العقل والإرادة وأسباب رزقه، فيقول له البواب «إنها لا تُرحب بمن يجيئون إليها هاجرين عملهم».


اهتم محفوظ بمعالجة قيمة التسامح. ففى مقطع «المعركة» صديقان نشبت بينهما خصومة، ذهبا إلى الخلاء واقتتلا حتى نزفت الدماء منهما، لم يكن معهما أحد، فيقول الراوى «لزم أن نتعاون لتدليك الكدمات، ونتعاون على السير، وفى أثناء الخطو المُتعثر صفت القلوب. ثم لاح الغفران فى الأفق».

وفى مقطع «الصفح» يقول الراوى لصديقته «إنك ضحية القسوة والأنانية» فترد عليه «بل إنى ضحية الحب» ولما قرأت الدهشة فى وجهه قالت «أنت تتوهم أن سلوكهم معى صادر من قسوة وأنانية.

الحقيقة أنه صادر من حبهم الشديد لأبنائهم. وهكذا كنت أحبهم. ومن أجل ذلك صفح قلبى عنهم».

وفى مقطع آخر يأخذ نفس العنوان «الصفح» لخص الشيخ عبد ربه قيمة التسامح قائلا «أقوى الأقوياء من يصفحون».


الشيخ عبد ربه التائه شخصية مهمة فى «أصداء السيرة الذاتية» فهو مُتعدد الأبعاد، عاشق للحياة، نشعر أنه بوهيمى، ثم نُدرك أنه فيلسوف. فى أول صورة له يقول عنه الكاتب «كان أول ظهور له فى حينا حين سُمع وهو ينادى: ولد تائه يا أولاد الحلال» ولما سُئل عن أوصاف الولد المفقود قال «فقدته منذ أكثر من سبعين عاما، فغابت عنى جميع أوصافه» فهل نحن أمام رجل معتوه؟ أم أن هذا التظاهر بالعته وراءه إنسان حكيم؟ فى مقطع «سؤال عن الدنيا» سأل الراوى الشيخ عبد ربه عما يقال عن حبه للنساء والطعام والشعر والمعرفة والغناء، فأجاب جادا «هذا من فضل الملك الوهاب» ولما أشار له الراوى عن ذم الأولياء للدنيا قال «إنهم يذمون ما ران عليها من فساد». وفى مقطع «المشى فى الظلام» يحكى الشيخ عبد ربه عن صديق له عرف طريق الخمارة فى شيخوخته وكان يرجع إلى بيته وهو يغنى. وعندما حذره محبوه من المشى فى الظلام قال «حراس من الملائكة يحيطون بى، ويشع من رأسى نور يُضىء المكان». وفى مقطع «على وشك الهروب» يتمنى الشيخ عبد ربه أن ينتقل من الطرب الأصغر إلى الطرب الأكبر، ويسأل الله أن يُكرمه بحسن الختام. فى هذه اللحظة همس صوت فى أذنه «بارك الله فى الهاربين».

أما مفهوم حُسن الختام عند عبد ربه فهو العشق وذلك فى مقطع «دعاء» وفى مقطع «الواعظة» تقول امرأة جميلة للشيخ «هل أعظك أيها الواعظ؟» وبعد أن رحب بها قالت «لا تعرض عنى، فتندم مدى العمر على ضياع النعمة الكبرى».

وفى مقطع «الثبات» رأى الراوى عبد ربه ماشيا فى جنازة، وهو لا يُشيع إلا الطيبين، فسأله عن المرحوم فقال «رجل نبيل، رفض رغم طعونه فى العمر أن يُقلع عن الحب حتى هلك».

وهو فيلسوف يُحذر من أخطر تجارة، أى «بيع الأحلام» وله فلسفته عن الحب والحياة والموت، فيقول «ما روعنى شىء كما روعنى منظر الحياة وهى تراقص الموت» أما الحب «فهو يُطارده من المهد إلى اللحد» وعندما سُئل هل تحزن الحياة على أحد؟ أجاب «نعم إذا كان من عشاقها المخلصين».


هذا العاشق للحياة يرى أن «نسمة حب تهب ساعة تُكفر عن سيئات رياح العمر كله» وينصح اليائسين قائلا «إذا راودك خاطر اكتئاب فعالجه بالحب والنغم»، وعندما جاءه قوم توقفوا عن الحياة حتى يعرفوا معنى الحياة، قال لهم «تحركوا دون إبطاء، فالمعنى كامن فى الحركة» وعن العلاقة بين الحياة والموت قال «ما نكاد نفرغ من إعداد المنزل حتى يترامى إلينا لحن الرحيل».

وإذا كان الموت حتميا فلماذا لا نُرحب به مثل الحياة؟ ويرى أن على الباب الذهبى للحياة جوهرتين: هما الحب والموت. وأن أشمل «صراع فى الوجود هو الصراع بين الحب والموت».


فى عام 1932 ترجم نجيب محفوظ كتاب «مصر القديمة» تأليف جيمس بيكى. وفى عام 39 كتب رواية «عبث الأقدار» وفى عام 43 كتب رواية «رادوبيس» وفى عام 44 كتب رواية «كفاح طيبة» الكتاب المُترجم والروايات المذكورة عن الحضارة المصرية، عندما كان المصريون يتكلمون عن تاريخ مصر القديمة، أمثال سليم حسن، محرم كمال وسليمان حزين وآخرين، ولكن نجيب محفوظ –فى أواخر حياته– يلاحظ انصراف غالبية المصريين عن حضارتهم، فيرصد وهو يكتب «أصداء السيرة الذاتية» هذا التجاهل للجذور، ولخص موقفه على لسان «أبو الهول» الذى يقول للشيخ عبد ربه «كنتُ سيد الوجود، ألم تر تمثالى العظيم؟ ومع شروق كل شمس أبكى أيامى الضائعة وبلدانى الذاهبة وآلهتى الغائبة»، وإذا كانت هناك مفارقة بين العنوان «الخلود» وبين مضمون حديث «أبو الهول»، فإن المعنى والرسالة التى يتضمنها مقطع «الخلود» هى أن على شعبنا المصرى أن يهتم بحضارة جدوده، وأن خلود الشعوب والأوطان يتمثل فى تواصل الأجيال. وهكذا تكون «أصداء السيرة الذاتية» قد جمعت بين فلسفة الحب والحياة والموت والواقع الاجتماعى وعشق الوطن.


سؤال «1» سأل الراوى الشيخ عبد ربه: ما رأيك فى حب النساء والطعام والمعرفة والغناء؟ وهل تحزن الحياة على أحد؟ فأجاب: إذا كان من عشاقها المُخلصين.


سؤال «2» سأل أبو الهول الشيخ عبد ربه: ألم تر تمثالى العظيم؟ ومع شرق كل شمس أبكى أيامى الضائعة وبلدانى الذاهبة وآلهتى الغائبة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات